الملك محمد السادس لسكان تندوف: هل أنتم راضون عن أوضاعكم، أنا لست راضيا

وجه العاهل المغربي، أول أمس الجمعة 6 نوفمبر خطابا بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء من مدينة العيون كان مليئا بالإشارات والرسائل للداخل والخارج وبشكل خاص للجزائر وبوليساريو، بالإضافة إلى تناوله جملة من الخطوط العريضة والإجراءات العملية التي ستساهم في تنزيل مجموعة من المشاريع التنموية الكبرى بالأقاليم الجنوبية للمغرب.
الأحد 2015/11/08
الملك محمد السادس يعلن عن إجراء قطيعة حقيقية مع الأساليب المعتمدة في التعامل مع شؤون الصحراء المغربية

الرباط – بدا العاهل المغربي في خطاب الذكرى الـ40 للمسيرة الخضراء متجاوبا ومؤيّدا للأصوات التي شدّدت في الفترة الأخيرة على ضرورة مراجعة الدبلوماسية المغربية في قضية الصحراء المغربية وإجراء نقد ذاتي لسياسة المملكة في التعامل مع هذه القضية، على مستوى التواصل الداخلي اجتماعيا وثقافيا وتنمويا، وهو ما سيكون ردّا قويا على كل من يشكك في مغربية الصحراء، وسيكون ملمحا من ملامح الدبلوماسية الناعمة التي يجب أن يتبعها المغرب بالتوازي مع الدبلوماسية الرسمية.

وبدا الملك محمد السادس في خطابه أكثر جرأة وحسما في هذا الموضوع حين قال “إنه وبعد أربعين سنة، بإيجابياتها وسلبياتها، نريد إجراء قطيعة حقيقية مع الأساليب المعتمدة في التعامل مع شؤون الصحراء: قطيعة مع اقتصاد الريع والامتيازات وضعف المبادرة الخاصة، وقطيعة مع عقلية التمركز الإداري”.

وفي تعليقه على دعوة العاهل المغربي قال الدكتور محمد الكريني في تصريح لـ”العرب” إن العاهل المغربي أكد على القطع مع اقتصاد الريع بمواصلة استثمار عائدات الثروات الطبيعية لفائدة سكان الأقاليم الجنوبية في إطار التشاور والتنسيق وإعادة هيكلة منظومة الدعم الاجتماعي لتكون أكثر شفافية وإنصافا في إطار الالتزام بالمساواة والعدالة الاجتماعية.

وأضاف الباحث في العلاقات الدولية بجامعة الرباط موضّحا أن القطع مع التمركز الإداري سوف يتم من خلال تنزيل الجهوية المتقدمة بمؤسساتها واختصاصاتها ومنح المصالح الجهوية الصلاحيات التي تخوّلها تدبير شؤون الجهات على المستوى المحلي، إضافة إلى عقود برامج لتحديد التزامات كل طرف بين الدولة والجماعات مع نقل الاختصاصات من المركز إلى الجهات ودعمها بكفاءات بشرية وإمكانيات مادية لتعمّم بذلك على مختلف جهات المملكة. وهذا كله سيكون في إطار تنزيل الجهوية المتقدمة وبالتالي يمكن القول إن اللاتمركز الإداري يكتسي أهمية كبرى من خلال تقريب مراكز اتخاذ القرار من المواطنين ومحاولة توزيع الاختصاصات بين المصالح المركزية والمصالح اللاممركزة.

المغرب سيتصدى للحملات العدائية التي تستهدف منتوجاته الاقتصادية بنفس روح الالتزام التي يقدمها في المجالين السياسي والأمني دفاعا عن وحدته ومقدساته

وقال تاج الدين الحسيني، أستاذ العلاقات الدولية، إن الخطاب الملكي جاء قويا وصارما في لغته وفي مضمونه، بحيث تضمّن الصراحة والمكاشفة. وفي هذا الخطاب قدّم العاهل المغربي قرارات حاسمة تطوي زمنين، الزمن الداخلي الذي امتد على مدى أربعين سنة والذي أشار إليه في اقتصاد الريع، ونموذج الممارسة التنموية في الأقاليم الجنوبية، وأيضا يطوي الزمن الدولي فيما يتعلق بقضية الصحراء والذي يعود على الأقل إلى سنة 2007، وهناك تأكيد أيضا على أن الحكم الذاتي هو أقصى ما يمكن أن يقدمه المغرب.

وبنفس الصرامة والحزم، أعلن الملك محمد السادس أن “تطبيق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، بجعلها نموذجا للتنمية المندمجة. كما نريده دعامة لترسيخ إدماجها بصفة نهائية في الوطن الموحد، وتعزيز إشعاع الصحراء كمركز اقتصادي وصلة وصل بين المغرب وعمقه الأفريقي. وهذا من خلال تعبئة كل الوسائل المتاحة لإنجاز عدد من الأوراش الكبرى والمشاريع الاجتماعية والصحية والتعليمية بجهات العيون الساقية الحمراء، والداخلة – وادي الذهب، وكلميم – واد نون”.

وحول مسعى المغرب في اتجاه خلق قطب تنموي قوي بالأقاليم الجنوبية على غرار الشمال المغربي، قال المحلل السياسي محمد بودن إن الملك محمد السادس قدّم خطة تنموية وتشاركية عبر ثلاثة مداخل؛ المدخل الأول مرتبط بالجهوية المتقدمة وآفاقها والمدخل الثاني مرتبط بالنموذج التنموي الخاص بالجهات الجنوبية والمدخل الثالث مرتبط بالأمن والاستقرار وحقوق الانسان.

الخطاب الملكي جاء قويا وصارما في لغته وفي مضمونه

وأشار رئيس مركز أطلس لتحليل المؤشرات العامة، لـ”العرب” إلى أن الخطاب الملكي، وبصرف النظر عن أبعاده السياسية والتنموية والاقتصادية والاستراتيجية والثقافية، قدم مرافعة في المجال الحقوقي، عندما رسم صورة حول كيفية متاجرة الجزائر والبوليساريو بأحلام البؤساء واستغلال النساء والأطفال كغنيمة حرب؛ وقد جاء في خطاب الملك “إن المغرب إذ يلتزم اليوم بجعل الصحراء المغربية مركزا للتبادل ومحورا للتواصل مع الدول الأفريقية جنوب الصحراء، وبوضع البنيات التحتية اللازمة لذلك، فإنه سيقوم مرة أخرى بالوفاء بوعوده أمام خيبة أمل الأعداء وحسرتهم. وفي المقابل، فإن ساكنة تندوف بالجزائر، ما تزال تقاسي من الفقر واليأس والحرمان، وتعاني من الخرق المنهجي لحقوقها الأساسية، وهو ما يجعل التساؤل مشروعا: أين ذهبت مئات الملايين من اليورو التي تقدم كمساعدات إنسانية؟”.

ويرى تاج الدين الحسيني أن العاهل المغربي كان حاسما وواضحا في أن سنة 2015 ستكون بداية الحسم العملي في مغربية نزاع الصحراء، والحسم الآخر كان مع الحركة الانفصالية في الداخل حيث قال “لا مكان للانفصاليين معنا”، ومع ساكنة تندوف التي وجه لها العاهل المغربي نداء مباشرا وصريحا ولأوّل مرة يخاطبها بطريقة مباشرة وبأسئلة استنكارية قوية، منها: “هل أنتم راضون عن الأوضاع المأساوية التي تعيشونها وهل تقبل الأمهات بمشاعر اليأس والإحباط لدى أبنائهن والأفق المسدود أمامهم؟”، وأضاف “أنا لا أرضى لكم هذا الوضع اللاإنساني. أما إذا رضيتم به، فلا تلوموا إلا أنفسكم ، وأنتم تشاهدون المغرب يقوم بتنمية أقاليمه الجنوبية”.

ولم يفت ملك المغرب أن يشير الى كل المؤامرات المتعددة التي حيكت ضد المغرب ومصالحه ومنها الحرب الاقتصادية وربطها بالأمن القومي لبلده مؤكدا أنه سيتصدى للحملات العدائية، التي تستهدف المنتوجات الاقتصادية المغربية بنفس روح التضحية والالتزام التي يقدمها في المجالين السياسي والأمني دفاعا عن وحدته ومقدساته.

الملك محمد السادس أشار الى كل المؤامرات المتعددة التي حيكت ضد المغرب ومصالحه ومنها الحرب الاقتصادية وربطها بالأمن القومي لبلده مؤكدا أنه سيتصدى للحملات العدائية

وقال مراقبون إن العاهل المغربي يثق في مؤهلات بلاده في جلب الاستثمارات الدولية لمناخ الاستقرار الذي يتميز به والترسانة القانونية المحفزة والبنية التحتية المواتية، ولهذا أكد الملك محمد السادس على أن من حق المغرب أن يفتح الباب أمام شركائه، دولا ومقاولات عالمية، للاستفادة من فرص الاستثمار التي ستوفرها المنطقة بفضل المشاريع الكبرى التي سيتم إطلاقها.

وشدد محمد بودن على أن الخطاب الملكي تضمن رسائل أحرجت الجزائر فيما يتعلق بمسألة السكان، وطرح الملك لهذا الغرض خيارين لا ثالث لهما: الخيار الأول وهو خيار ملتزم فيه وعد ووفاء واعتراف واجتهاد، وهو الخيار المغربي، والخيار الثاني هو خيار ممرات المناورة والارتباك والفاعلية المفقودة وهو الخيار الذي تتبناه الجزائر والبوليساريو.

يعمل المغرب جاهدا لأجل الزيادة من إشعاعه الدولي وتقديم نفسه كبوابة ذات أهمية استراتيجية للاستثمار في أفريقيا انطلاقا من الأقاليم الجنوبية، ولن يتأتى ذلك إلا بمشاريع ركز عليها الخطاب الملكي من خلال تقوية الشبكة الطرقية وإقامة محور للنقل الجوي بالأقاليم الجنوبية نحو إفريقيا وبناء خط للسكة الحديدية من طنجة إلى لكويرة لربط المغرب بأفريقيا وبناء الميناء الأطلسي الكبير للداخلة. وأكّد على ذلك الشرقاوي الروداني عضو البرلمان المغربي والمختص في الدراسات الجيواستراتيجية قائلا لـ”العرب” إن الزيارة الملكية للمناطق الجنوبية “ستؤسس لمنطقة جديدة تنمويا واقتصاديا، لتكون على شاكلة المنطقة الشمالية، منطقة التأثير الاقتصادي والاستراتيجي، لكن هذه المرة في إطار تشكيل حزام اقتصادي ستكون له انعكاسات جد إيجابية على محاربة الفقر والهشاشة في دول أفريقية عديدة”.

4