الملك محمد السادس يدشّن معهدا لإعداد الأئمة لتجفيف منابع التطرف

الاثنين 2015/03/30
تأهيل الأئمة يعد أولوية في مجال التأطير الديني بالمغرب

الرباط – يعمل المغرب على التصدّي لمروّجي التعصّب والعنف في إطار سياسة شاملة، ونهج استراتيجية متعدّدة الأبعاد لمحاربة الإرهاب بهدف إشباع المواطنين بالمبادئ الكونية. ويسعى المغرب إلى نشر قيم الاعتدال والتسامح الديني في محيطه المغاربي والأفريقي مستندا في ذلك إلى خبرته الطويلة في مجال الإشراف على المساجد وتكوين الأئمة.

أصبحت التجربة المغربية في الحقل الديني، خاصة ما يتعلّق بتكوين الأئمة والمرشدين، تحت دائرة الضوء في مختلف البلدان الأفريقية والأوروبية، في ظل تنامي أعمال العنف والإرهاب.

وأعادت الهجمات الإرهابية المتصاعدة بشكل محموم في السنوات الأخيرة الماضية، طرح قضية تكوين الأئمّة باعتبارهم من الفاعلين المحوريّين إمّا في نشر قيم التسامح والاعتدال أو في نشر الخطابات التحريضية التكفيرية.

وقبل أن تتبنى المملكة المغربية، الخطاب الصوفي بشكل رسمي كمكون مفترض للهوية الدينية الوطنية، كانت المساجد في المغرب رهينة تعدد الخطاب الديني، وكان العديد منها خاضعا إلى سيطرة السلفيّين الذّين حاولوا الترويج لخطابهم المتشدّد، لكن الهيكلة الجديدة للشأن الديني التي أعلن عنها العاهل المغربي الملك محمد السادس سنة 2004، مكّنت الدولة من إعادة السيطرة على المساجد والإشراف بشكل مباشر عليها.

وأقرّ الملك محمد السادس إجراءات قانونيّة جديدة لمراقبة المساجد وحمايتها من المتشدّدين وضبط مصادرها الماديّة، حيث تمّ إصدار قانون متعلّق أساسا بالأماكن المخصّصة لإقامة شعائر الدين الإسلاميّ وتمّ المصادقة عليه سنة 2006 من قبل مجلس المستشارين.

ويهدف هذا القانون إلى الحدّ من نشاط الجمعيات التي لا تسير في الخطّ المذهبيّ للدولة، وقد تمّ بموجبه محاصرة الجمعيات السلفية المتشددة ومنع نشاط بعضها وإعادة ضمّ المساجد التي كانت تحت سيطرة المتطرفين.

ويسعى المغرب إلى تسويق نموذجه في مجال تكوين الأئمة، في إطار الترويج لمشروع الإصلاح الديني الذي بدأه عام 2004، فمنذ يومين أشرف الملك محمد السادس، بالحي الجامعي (مدينة العرفان) بالرباط، على تدشين معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات.

خلال العامين الماضيين التحقت عدة بلدان أفريقية بمالي للاستئناس بالتجربة المغربية في مجال تكوين وتأطير الأئمة

ويندرج إنجاز هذا المعهد في إطار تنفيذ استراتيجية مندمجة تروم بث قيم الإسلام المعتدل لدى الأجيال الشابة من الأئمة المرشدين والمرشدات، وذلك بهدف تحصين المغرب من نزعات التطرف التي تنتشر في العالم.

ويشتمل المعهد الذي كان الملك، قد أعطى انطلاقة أشغال إنجازه في 12 مايو 2014، على جناح بيداغوجي يحتوي على مدرجات، وقاعات للدروس والمعلومات، وقاعة متعددة الاختصاصات، ومسجد “الأخوة الإسلامية”، ومكتبة.

وفضلا عن الطلبة المغاربة المسجلين، والذين يصل عددهم إلى 150 إماما مرشدا و100 مرشدة في السنة، يستقبل المعهد حاليا 447 طالبا أجنبيا ينحدرون من مالي (212 طالبا)، وتونس (37)، وغينيا كوناكري (100)، والكوت ديفوار (75)، وفرنسا (23).

وتعدّ الممارسة الصوفية الشكل السائد للتدين في المجتمع المغربي، وهي ممارسة ضاربة في عمق التاريخ منذ القرن الحادي عشر ميلادي، وقد عمل روّاد التيار الصوفي (مثل عبدالسلام بن مشيش ومحمد بن سليمان الجزولي) على ما يسمى “مغربة” التصوف.

وانتقل التصوف من الإطار الدعوي كعلم لـ”تزكية النفوس وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن” (على حد قول الأنصاري) إلى الإطار السياسي ليصبح أحد أبرز الروافد لتحـديد مـلامح نـظام الحـكم للدولـة الموحديـة.

واليوم التيار الصوفي المغربي الذي امتدّ بتنوّع طرقه وزواياه (البودشيشية والبوعزاوية والكتانية)، إلى دول الشمال الأفريقي، وصار يندرج ضمن مقاربة شاملة لمكافحة التطرف والإرهاب، وأضحى عنصرا أساسيا ضمن استراتيجية إعادة هيكلة المجال الديني بالمغرب لمواجهة التيار السلفي الجهادي.

وخلال العامين الماضيين التحقت عدة بلدان أفريقية بمالي للاستئناس بالتجربة المغربية في مجال تكوين وتأطير الأئمة والمرشدين، مثل تونس وغينيا وليبيا.

التيار الصوفي أضحى عنصرا أساسيا ضمن استراتيجية إعادة هيكلة المجال الديني بالمغرب لمواجهة التيار السلفي الجهادي

كما لفتت التجربة المغربية كلا من فرنسا وبلجيكا وبريطانيا، بهدف ضبط المجال الديني، ففي الشهر الماضي أعلن وزير الخارجية البلجيكي، ديديي رينديرز، خلال لقائه بامباركة بوعيدة، الوزيرة المنتدبة لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون، بأن بلاده ترغب في الاستفادة من التجربة المغربية في الإشراف على المساجد وعقد المجالس العلمية الشرعية. نفس الاهتمام أبدته بريطانيا في الأسبوع الماضي، أثناء لقاء جمع بين وزيري خارجية البلدين، في حين تجري فرنسا لقاءات مع المسؤولين المغاربة للتنسيق من أجل تكوين الأئمة الفرنسيين.

ويهدف المغرب من تعزيز حضور الأئمة والمرشدين المغاربة أن يواجه مدا تواصل على مدى أكثر من 30 عاما في منطقة الساحل والصحراء حاول مزاحمة التواجد الصوفي المغربي التقليدي.

وكانت حركات سلفية قد وضعت في اعتبارها تعزيز وجودها في المنطقة ثم انسحبت بعد أحداث سبتمبر 2001 خاصة بعد عمل الدول الخليجية على قطع مصادر تمويلها.

لكن إيران تحركت بسرعة لملء الفراغ الذي تركته الحركات السلفية هناك وأطلقت حملة تبشيرية شيعية تركت أثرا محسوسا في المنطقة، وهو ما استدعى رد فعل مغربي استثنائي.

وحاولت إيران أن تنشر المذهب الشيعي حتى في المغرب، إلا أن الرباط قطعت العلاقات الدبلوماسية مع طهران وأغلقت المدرسة الإيرانية التي تعتبر مركزا ثقافيا ودينيا إيرانيا ناشطا في المغرب.

وعادت السلفية مرة أخرى إلى المنطقة مع انتشار الفوضى، بسبب انهيار ليبيا وصعود التيارات القاعدية المحسوبة على "الدولة الإسلامية"، وهو ما دفع العديد من الدول إلى الاستئناس بالتجربة المغربية لتجفيف منابع الفكر المتطرف بمناهج دينية معتدلة.

2