الملك محمد السادس يطرح نموذجا مبتكرا للتنمية في أفريقيا

الأربعاء 2014/02/26
العاهل المغربي شدد كثيرا على التفاؤل الذي يتعين على أفريقيا التحلي به

الرباط- أعلنت المملكة المغربية دعمها، بشكل كامل، للخيارات الاستراتيجية الداعمة لشراكة جنوب جنوب، وأكّدت انفتاحها على جذورها الأفريقية، واستعدادها للمساهمة في إعادة البناء والاستقرار الاقتصادي والنهوض الاجتماعي في بلدان القارة. وقد أكّدت الزيارات الأفريقية المكثفة للعاهل المغربي الملك محمد السادس، خلال الآونة الأخيرة، هذا الالتزام والتوجه الذي يؤسّس لتحرّك فعّال للمملكة على الصعيدين الإقليمي والدولي.

طرح الملك محمد السادس، في الخطاب الذي ألقاه في أبيدجان، خلال حفل افتتاح المنتدى الاقتصادي المغربي الإيفواري، نموذجا مبتكرا وأصيلا للتنمية في أفريقيا، يقطع مع النماذج والتصورات التي كانت تأتي، منذ ستينات القرن الماضي من خارج القارة، لتعيد إنتاج مفاهيم تنموية ماضوية أثبتت عجزها في مسايرة التطور الذي تشهده القارة السمراء منذ بداية الألفية الجديدة.

أوّل العناصر التي يقوم عليها هذا النموذج التنموي هو أن تتخلص أفريقيا من رواسب الماضي، وأن تستعيد ثقتها في إمكاناتها ومواردها، وفي ما تزخر به من كفاءات بشرية متوثبة. ومن هنا، شدد العاهل المغربي على أن أفريقيا “لم تعد قارة مستعمرة”، بل قارة حية، ليست في حاجة لمساعدات إنسانية، بقدر حاجتها لشراكات ذات نفع متبادل ولمشاريع التنمية البشرية والاجتماعية.

فإذا كان القرن الماضي، يقول العاهل المغربي، بمثابة قرن الانعتاق من الاستعمار بالنسبة إلى الدول الأفريقية، فإن القرن الحادي والعشرين ينبغي أن يكون قرن انتصار الشعوب على آفات التخلف والفقر والإقصاء، ومواجهة العديد من التحديات التي تهدد الاستقرار السياسي في أفريقيا، وتعيق النمو الاقتصادي والاجتماعي بها، وذلك من خلال التعاون والتضامن بين الشعوب الإفريقية، واحترام سيادة الدول تعدّ ووحدتها الترابية.

400 مليون دولار قيمة الاستثمارات المغربية في أفريقيا

زيارة الملك محمد السادس إلى أبيدجان تأتي ضمن أحدث جولة أفريقية يؤدّيها العاهل المغربي إلى القارة السمراء. فقد بدأها بزيارة مالي وستحمله، بعد الكوت ديفوار، إلى كل من الغابون وغينيا كوناكري. وكان الملك محمد السادس قد زار البلد الواقع غربي أفريقيا في مارس 2013، لبحث سبل تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين. كما سجّل خلال هذه الجولة زيارته الثانية إلى مالي التي زارها في شهر فبراير 2013.

ويأتي خطاب الملك محمد السادس بأبيدجان تتويجا لعملية طويلة من الدعم القوي والمكثف واللامشروط للبلدان أفريقية، تمرّ بأزمات، على غرار الدعم المغربي لمالي منذ اندلاع الأزمة في هذا البلد الأفريقي. وهو توجه دبلوماسي استراتيجي يرجعه صلاح الدين مزوار، وزير الشؤون الخارجية والتعاون المغربي، إلى أنّ “أفريقيا تشكل خيارا استراتيجيا بالنسبة إلى السياسة المغربية”. وفي الأساس البراغماتي لهذا التوجه ثمة فكرة بسيطة تفيد بأن «تنمية المغرب مرتبطة ارتباطا وثيقا بتنمية أفريقيا سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي»، ولذلك اتجه التعاون نحو أربعة محاور أساسية تهم تكوين الإطارات الأفريقية والمساعدة الفنية والتعاون الاقتصادي والتواصل الإنساني.

وسجّل المغرب، منذ العام الماضي، عودته الفعلية إلى القارة الأفريقية، بعد غياب طويل نسبيا، من خلال جولات متعدّدة قام بها العاهل المغربي، الملك محمّد السادس، إلى عدّة بلدان أفريقية. ويكمن الهدف من هذه الزيارات في تعزيز علاقات المملكة اقتصاديا وسياسيا مع دول جنوب الصحراء. وهو أمر تعتبره الرباط حيويا وجوهريا في ظل أجواء التوتر التي تعيشها منطقة غرب أفريقيا.

المغرب فاعل أساسي داخل القارة التي ينتمي إليها وتنتمي إليه

ورغم أن الزيارات الرسمية، رفيعة المستوى، بين المغرب ودول غرب أفريقيا، بالخصوص، تكثّفت منذ العام الماضي، فإن بوادر عودة التواصل المغربي الأفريقي، ظهرت منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، وذلك حين أعلن العاهل المغربي خلال أشغال القمة الأوروأفريقية الأولى بالقاهرة في أبريل 2000، عن إلغاء ديون المغرب المستحقة على الدول الأفريقية الأقل نموا وإعفاء منتوجاتها الواردة إلى المغرب من الرسوم الجمركية.ويعمل المغرب على تعزيز حضوره السياسي والاقتصادي في أفريقيا، منذ انسحابه من منظمة الاتحاد الأفريقي سنة 1984.


أبعاد سياسية


لم تكن علاقات المغرب مع أفريقيا يوما مجرد حسابات، وإنما عكست باستمرار قناعات ومبادئ، وذلك منذ فترة النضالات ضد الاستعمار، حيث دعمت المملكة المغربية حركات الاستقلال والتحرر، وشاركت في مختلف قوات حفظ السلام في أفريقيا ودعمت خطط الحفاظ على الوحدة الترابية وسيادة البلدان الأفريقية.

في هذا السياق، قال مدير معهد الدراسات الإفريقية بجامعة محمد الخامس السويسي، يحيى أبوالفرح، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إن جولة العاهل المغربي في أفريقيا، التي تشمل كلا من مالي والغابون وغينيا وساحل العاج، تندرج في إطار تفعيل التوجهات الجديدة للمملكة والهادفة إلى تقوية العلاقات مع البلدان الأفريقية باعتبارها بعدا حيويا واستراتيجيا في السياسة الخارجية للمغرب.

وأبرز أن هذه الجولة لديها أبعاد سياسية “عميقة جدا” من شأنها المساهمة في تحسين وتقوية العلاقات السياسية بين المغرب وهذه الدول، ولكن أيضا أبعاد اقتصادية كفيلة بتقوية الانفتاح الاقتصادي المغربي في القارة الإفريقية، وتشكل دعامة للقطاع الخاص المغربي للتوجه إلى الاستثمار في البلدان الإفريقية وذلك بغية الاستفادة من المؤهلات الكبيرة التي توفرها اقتصادياتها الناشئة.

صلاح الدين مزوار: أفريقيا تشكل خيارا استراتيجيا بالنسبة إلى المغرب

وهذا التوجّه الأفريقي، لا يعني، مثل ما يروّج البعض تدهور في علاقات الرباط مع شركائها التقليديين، وخصوصا أوروبا، أو بسبب فشل سياسة التواصل بين بلدان المغرب العربي؛ بل إن هذا الخيار الاستراتيجي يأتي في صلب اهتمام السيادة المغربية بتوسيع آفاق التواصل الاقتصادي والدبلوماسي بشكل أوسع.

ومبادرات العاهل المغربي الأفريقية، حتى ولو عادت بالنفع على المملكة، فإن مكاسبها على الصعيد الأفريقي أكثر وأكبر، فسياسة الهجرة نحو الجنوب التي ينتهجها المغرب تشكل مصدر إلهام ونموذجا يحتذى بالنسبة إلى القارة الأفريقية، والمبادرات المغربية في هذا المجال ليست لها هدف محلي فحسب، ولكن لها أيضا بعد قاري ودولي.

هذه المبادرات لم تبق مجرّد شعارات ترفع في المناسبات العامة، بل تجسّدت على أرض الواقع، وإن كان الموقف المغربي من الأزمة في مالي، والدور الذي لعبته الرباط في إنهاء الحرب هناك تُعدّ موقفا استثنائيا عند البعض، فإن الأرقام الرسمية خير دليل على أن السياسة المغربية تجاه أفريقيا هي سياسة أفعال لا فقط سياسة أقوال.


توجه استراتيجي


يبرز الدعم المغربي في الجانب العلمي والثقافي حيث يفوق عدد الطلبة الأفارقة الذين يتابعون دراستهم بالمغرب 12 ألف طالب. وأعلنت الرباط مؤخرا عن اتفاقية مع باماكو لتكوين 500 إمام مالي، في مبادرة من المتوقّع أن ينسج على منوالها أيضا مع غينيا. واليوم يضاف التعاون على المستوى الاقتصادي، وهو يكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب الذي يعمل وفق توجه استراتيجي واضح ينبني على قاعدة تحقيق الربح والمصالح المشتركة وأيضا إنجاح التنمية داخل القارة.

وقد عرفت العلاقات الاقتصادية المغربية الأفريقية تطورات كبيرة ومتسارعة في السنوات الأخيرة، وبلغة الأرقام أصبح المغرب اليوم، ثاني بلد مستثمر أفريقي في أفريقيا، بقيمة استثمارات تتجاوز الـ400 مليون دولار، بحسب بيانات رسمية. والتوجه المستقبلي للرباط هو توسيع هذا الحضور الاقتصادي، ليشمل دولا أخرى ويشجع قطاعات جديدة واعدة للاستثمار في البلدان الأفريقية.

وترسيخا لهذه السياسة، حصل المغرب على كامل العضوية في اتحاد المجالس الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسات المماثلة في أفريقيا، بهدف العمل مع بقية أعضاء الاتحاد على إطلاق دينامية لتجسيد الانخراط الفعلي للمجالس الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسات المماثلة بأفريقيا في مسار الاندماج والعمل من أجل تحقيق التقارب بين الدول الأفريقية لتشكيل هوية اقتصادية واجتماعية منسجمة وفعالة طبقا لإعلان واغادوغو.ومن ثمّة فإنّه من الأولى أن يكون المغرب ضمن الفاعلين الأساسيين داخل القارة التي ينتمي إليها وتنتمي إليه.

العاهل المغربي أكد التزام بلاده بدعم أفريقيا، معربا عن أمله في أن يكون المغرب أحد فرسان (التعاون جنوب- جنوب)

يرى محللون اقتصاديون وباحثون في العلاقات الدولية أن جولة الملك محمد السادس الأفريقية تحصّن مكتسبات المغرب الاقتصادية والسياسية، وتؤشر إلى دور مغربي قد يلعبه في أفريقيا لتحصين المنطقة من خطر الجماعات الجهادية التي تنشط بكثافة في منطقة الساحل والصحراء وتتخذ من مخيّمات تندوف جنوب غرب الجزائر حاضنة للجهاديين الصغار. وهو تحالف سيزداد قوّة لو تم تفعيل اتحاد المغرب العربي وبلورة مشاريعه المتعطّلة، فحينها ستكون السلسلة الأفريقية متينة ومتماسكة ويمكنها أن تُتيح لأفريقيا، كما قال العاهل المغربي الملك محمد السادس، “التخلص من كل أعبائها والانتصار على اليأس الأفريقي، من خلال تحرير الطاقات الفكرية والبدنية، للقوى الحية للشعوب الإفريقية”.

بنبرة مفعمة بالتفاؤل، ختم العاهل المغربي خطابه، الذي ألقاه في أبيدجان، قائلا إن “التطلع إلى أفريقيا متطورة ونشيطة ليس مجرد حلم، بل يمكن أن يكون حقيقة، شريطة الالتزام بالعمل والمبادرة، اللذين يمنحان للممارسة السياسية مصداقيتها، ويتيحان تحقيق الأهداف المنشودة.

7