الملك محمد السادس يقطع مع الكرسي الفارغ داخل الاتحاد الأفريقي

الأحد 2017/01/29

حل العاهل المغربي الملك محمد السادس الجمعة 27 يناير الجاري، على رأس وفد رفيع، بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا لاستعادة مقعد بلاده داخل مؤسسات الاتحاد الأفريقي. وبعد أكثر من ثلاثين سنة يضع المغرب حدا لسياسة الكرسي الفارغ ويعود إلى مؤسسة قارية كان من كبار المساهمين في ولادتها ودعم دولها على نيل استقلالهم وتحررهم في ستينات القرن الماضي.

لم تغب المملكة المغربية عن القمم الأفريقية بل كانت دبلوماسيتها حاضرة في الكواليس تراقب وتسجّل وتحتاط لأيّ قرار ليس في صالحها، وكم من مرة خرج خصومها بقرارات مسيئة لميثاق الاتحاد ودوله بالدرجة الأولى قبل أن تكون مناهضة لمصالح المغرب ووحدته الترابية.

تواجد الملك محمد السادس بأديس أبابا يأتي هذه المرة بنكهة دبلوماسية وسياسية بعدما كانت زيارته الأولى لهذا البلد مشمولة برداء اقتصادي واستثماري هام تمخض عنه مشروع مُجمّع الأسمدة كأكبر استثمار خارج المغرب بغلاف مالي يقدر بـ3.7 مليار دولار على مرحلتين.

ينتقل المغرب من مرحلة الكرسي الفارغ إلى مرحلة ثانية من تأسيس الاتحاد الأفريقي عنوانها تصحيح المسارات وتعزيز وحدة القرار لصالح سيادة الدول كاملة العضوية والمعترف بها دوليا، مرحلة أخرى في تاريخ المغرب مع دول القارة تبدأ مع رفرفة علم المملكة المغربية إلى جانب الدول التي تمارس سلطة السيادة حسب أصحاب نظرية الإقليم كحد للسلطة.

نعم المغرب يمارس اختصاصاته على كافة ترابه سياسيا وإداريا واقتصاديا وثقافيا وهذا ما سيوضّحه بشكل مباشر أمام كافة دول الاتحاد الأفريقي. وقرار عودته إلى الاتحاد الأفريقي جاء لتقويض كل محاولات خصومه لإدخاله في دائرة الحروب الدبلوماسية ضد هذه المنظمة.

بعد موافقة البرلمان المغربي مؤخرا على الميثاق التأسيسي للاتحاد الأفريقي يكون قد فوّت الفرصة على الخصوم الذين راهنوا على الجوانب القانونية لعرقلة تواجده بمؤسسات الاتحاد. جبهة البوليساريو الآن قلقة بعدما تأكد لديها بالملموس أن المغرب عائد لا محالة إلى الاتحاد. وستعرف المرحلة المقبلة حربا من نوع آخر والمواجهة ستكون مباشرة مع الخصوم.

قبل ذهاب العاهل المغربي إلى إثيوبيا لحضور القمة التي ستعقد يومي 30 و31 يناير الجاري، عين الجنرال دو ديفيزيون عبد الفتاح الوراق مفتشا عاما للقوات المسلحة الملكية، وهو تعيين له أهميته القصوى سواء في عملية تأطير الضباط والجنود الأفارقة وتعميق التعاون العسكري مع دول أفريقية بعينها لمواجهة التحديات الأمنية ميدانيا وتكنولوجيا وكذلك الاستعداد التام وعلى جميع الأصعدة لأيّ تصعيد مسلح من جانب البوليساريو.

تواجد الملك محمد السادس بأديس أبابا يأتي هذه المرة بنكهة دبلوماسية وسياسية بعدما كانت زيارته الأولى لهذا البلد مشمولة برداء اقتصادي واستثماري هام تمخض عنه مشروع مجمع الأسمدة كأكبر استثمار خارج المغرب

انسحاب المغرب في العام 1984 كانت تغلفه ظروف ومبررات موضوعية لم تعد الآن قائمة. وانتفت بشكل تدريجي بعد انهيار جدار برلين وتفكك المنظومة التي كان يدعمها الاتحاد السوفييتي. وأصبحت رهانات القارة السمراء مطلع الألفية الثانية مرتبطة بالتنمية وتوسيع وعاء الاستثمارات وفتح الأسواق ودعم العلاقات الاقتصادية وتأهيل العنصر البشري بدل التركيز على الصراع الأيديولوجي.

لقد استطاع المغرب أن يعمل في هدوء وتؤدة لاستعادة مقعده بالاتحاد الأفريقي، ولم يكن همّ صاحب القرار استعادة الكرسي بعد المرور بالجوانب الشكلية بل هدفه الكبير هو تشكيل درع من مجموعة دول صديقة وحلفاء حقيقيين داخل القارة الأفريقية وشراكات مؤسساتية بعيدة المدى تدعم النموذج المغربي داخل القارة سياسيا ودبلوماسيا ودينيا.

إن دخول المغرب إلى الاتحاد الأفريقي بمجهود دبلوماسي وسياسي يقوده الملك شخصيا جاء تحديا لكل العراقيل التي تواجه المغرب من قبل لوبيات داخل وخارج أفريقيا لا تريد للرباط أن تخرج من حيز جغرافي ضيق تحده موريتانيا جنوبا والجزائر شرقا وجنوبا.

هذا المجهود ومن أعلى المستويات بالدولة المغربية سيتكرس مستقبلا بالعمل إلى جانب الحلفاء لتصحيح الخرق الذي طال ميثاق الاتحاد عندما أصرت دول بعينها على ضم كيان البوليساريو الذي لا يملك أيّ ركن من أركان وخصائص الدول المعترف بها دوليا، ويناقض المادة الرابعة من الميثاق في أن الانضمام يخص فقط الدول المستقلة وذات السيادة.

كانت زيارة العاهل المغربي الرسمية لإثيوبيا في نوفمبر الماضي خطوة محسوبة وإيذانا بدبلوماسية القرب والمواكبة داخل القارة من هذه البوابة الرسمية نظرا لمكانة هذه الدولة قاريا ودوليا ولكون عاصمتها أديس أبابا تحتضن صناعة القرار الأفريقي باعتبارها المقر الرئيسي للاتحاد الأفريقي.

والمغرب حسب تعبير بيتر فام، نائب رئيس مركز التفكير الأميركي أتلانتيك كاونسل ومدير مركز أفريقيا سانتر، يعتبر منبعا لدينامية تعاون جنوب-جنوب، في خدمة التنمية المشتركة والاستثمارات بكامل القارة الأفريقية، وأرضية محورية في مجال محاربة التطرف العنيف وحفظ السلام بالقارة.

ولهذا وجب التذكير في الأخير أن المغرب استطاع استثمار موقعه الجيواستراتيجي وميزة استقرار مؤسساته وعلاقاته المتميزة مع جلّ دول العالم في تكثيف جهوده الاستثمارية بالقارة السمراء وتعاونه مع دولها لأجل الاستقرار ومحاربة كل أشكال التطرف والإرهاب.

كاتب مغربي

4