الملك محمود: في انتظار عودة رأفت الهجان

أجيال متعاقبة من الفنانين أعطوا للفن في مصر وخاصة السينما والدراما المصريتين اللتين امتازتا بعطاء لافت وذاعتا عربيا وعالميا، وإن خبا المنتج السينمائي والدرامي المصري اليوم فإننا لا يمكننا أن ننكر الدور المحوري الذي لعبه فنانون كبار للنهوض بالفن وربما استذكار هؤلاء الذين مازال منهم عدد كبير قادر على العطاء، هو السبيل لإعادة النظر في أسباب التطور والتذبذب لاحقا.
الاثنين 2016/04/04
في انتظار عودة قوية

للمرة العاشرة أو الألف، أشاهد المسلسل المصري الخالد «رأفت الهجان». في هذا المسلسل اجتمعت كل عناصر النجاح؛ النص المحكم لصالح مرسي، الإخراج العبقري ليحيى العلمي الذي يستطيع أخذ المشاهد إلى أماكن مختلفة ومشاعر متناقضة، رغم بساطة الإنتاج قياسا بميزانيات وتقنيات اليوم، وفوق كل ذلك، تنافس الممثلون على تقديم كل وأفضل ما عندهم، وعلى رأسهم محمود عبدالعزيز ويوسف شعبان وإيمان الطوخي والسيد راضي وحسن حسني وتهاني راشد وأبوبكر عزت ونبيل الحلفاوي.

الزاوية الأخرى في النجاح تتعلق بتغول إسرائيل فلسطينيا وعربيا، لتكون مشاهدتها منهزمة ومكسورة في الشاشة الفضية نوعا من إرضاء النفس أو التهوين عليها.

ما أقترحه على النجم محمود عبدالعزيز، هو عمل فيلم سينمائي عن الفترة التي لم يغطها المسلسل منذ اعتزال رأفت الهجان إلى وفاته، لأنها تعكس إنكار العرب لأبطالهم. عاد إلى مصر بعد اتفاقية السلام مستثمرا، ضيق عليه البيروقراطيون لجهلهم بحقيقته، أفلست شركته ثم مات قهرا.

الغريب حقا، أن الدراما والسينما في مصر عجزتا عن تقديم أدب المخابرات سينمائيا وتلفزيونيا بالجودة والنجاح اللذين حظي بهما رأفت الهجان نفسه. رغم تقديمه أكثر من عمل تلفزيوني، يبقى عمله رأفت الهجان هو الأكثر جماهيرية لدرجة نسيان المشاهدين أنه قدم قبله مسلسل «البشاير» وغيره، لم تضف عودته إلى الشاشة الفضية عبر مسلسل «محمود المصري» أي جديد له رغم أدائه المحكم والإخراج الجيد لمجدي أبوعميرة، والسبب أن النص الذي كتبه مدحت العدل كان مليئا بالثغرات أو بالتصنع، ومع ذلك حين يعرض المسلسل لا بد أن تحضره.

لمحة عيني محمود عبدالعزيز لم تنطفئ رغم السنين، فالفنان في عقده السابع مازالت تتألق عيناه ببريق الشباب وشقاوته

دخل تجربة تلفزيونية جديدة مع السيناريست محمد سليمان عبدالمالك والمخرج عادل أديب في مسلسل «باب الخلق»، لكن نقطة ضعف المسلسل كانت مخرجه عادل أديب برتمه البارد وقطوعه الميتة، لكن النص الممتاز والتمثيل المتقن يجعلانك لا تمل من المسلسل. أما التجربة التلفزيونية الأخيرة، فهي مسلسل «جبل الحلال»، لم يستطع المؤلف ناصر عبدالرحمن نقل تميزه السينمائي إلى التلفزيون، فالنص امتلأ بالثغرات وبالتصنع، وحين تضيف على ذلك مبالغات عادل أديب، لن تصبح النتيجة مرضية، مع ضرورة التأكيد على التميز التمثيلي الناصع لمحمود عبدالعزيز ووفاء عامر.

والحقيقة أنني أعجب من أن شجاعة محمود عبدالعزيز السينمائية لم يعرفها التلفزيون، في السينما كان «الساحر» يفاجئنا باختياراته وتجاربه، ولعله في عمله التلفزيوني المقبل يثبت أننا على خطأ.

كان مفترضا أن يصافح محمود عبدالعزيز جمهور السينما بفيلم «زهايمر» الذي كتبه نادر صلاح الدين وأخرجه عمرو عرفة، لكن الفيلم استحوذ عليه عادل إمام ربما ردا على انتزاع محمود عبدالعزيز لمسلسل «رأفت الهجان» من براثن الزعيم، ووفق الشائع، كان يفترض أن يتقاسم الساحر مع إمام بطولة فيلم «حسن ومرقص» لكن غياب الكيمياء بين النجمين حال دون ذلك.

مسيرة محمود عبدالعزيز السينمائية حيوية وثرية، لم تسلم من الأعمال الرديئة كفيلم «النمس» كما لم تسلم من النتاج العادي كفيلم «الجنتل» الذي رغم عاديته ربما يتفوق على أغلب أفلام الأعوام الماضية. من أعماله المتأخرة، يبرز فيلم «سوق المتعة» الذي كتبه وحيد حامد، ناقش الفيلم ثنائية الاستبداد والحرية بحرفية عالية.

وربما كان فيلم «خلطبيطة» لمحققه مدحت السباعي، واحدا من أهم الأفلام السياسية لمحمود عبدالعزيز في صرخة ضد الدولة القمعية، ولا أنسى «قانون إيكا» الذي قارب النكسة بتميز معقول.

ورغم حصوله على جائزة أفضل ممثل عن فيلم «زيارة السيد الرئيس» وذكاء صاحب القصة يوسف القعيد، لم ينل هذا الفيلم حقه النقدي والجماهيري، وتحفظ الذاكرة عن الفيلم الأداء الجيد لنجاح الموجي، وربما يكون هذا العمل هو أفضل مشاركات جيهان نصر السينمائية في مسيرتها القصيرة.

محمود عبدالعزيز الذي قدم للسينما كل شيء لم تنصفه السينما كما يستحق موجهة دلالها لأقران بعضهم أقل منه

الذكاء الفني الذي قدمه محمود عبدالعزيز في «زيارة السيد الرئيس»، لم يتحقق في فيلم سياسي آخر «ليلة البيبي دول» الذي حمل فكرة جيدة ضخمت بلا حدود وبلا مبرر، نعم قدم الفيلم إبهارا في الصورة، لكن هذا ليس كافيا لتقديم فيلم جيد. وهنا أستعيد فيلم محمود عبدالعزيز «أبناء وقتلة» لعاطف الطيب الذي قدم لغة مختلفة ومبطنة إزاء الإسلام السياسي.

وفي الحديث عن السينما السياسية، لا يمكن إغفال فيلم «البريء» المعروض أوائل عهد الرئيس مبارك وشهد مباراة تمثيلية محكمة بين أحمد زكي ومحمود عبدالعزيز، ربما تكون الحقبة الثمانينية من القرن الماضي عنوانها التنافس بين محمود عبدالعزيز وأحمد زكي ونور الشريف التي أعقبت التنافس بين حسين فهمي ومحمود ياسين، ولا شك أن أحمد زكي شكل علامة فنية متطرفة قياسا بأقرانه، لكن علامة محمود عبدالعزيز التي لا تقل عن زكي كانت أكثر هدوءا وانسيابية.

وإذا تحدثنا عن فيلمي «خلطبيطة» و«سوق المتعة»، فلا بد أن نضيف إليهما أفلام «هارمونيكا» و«الساحر» و«البحر بيضحك ليه» كتحية من محمود عبدالعزيز لقيمة الحرية، ولعل هذه التحية تلخص أهم القضايا التي تبناها محمود عبدالعزيز في مسيرته السينمائية.

«البحر بيضحك ليه» مع «ثلاثة على الطريق» كانت الثنائية التي قدمها محمود عبدالعزيز مع المخرج والمؤلف محمد كامل القليوبي، الذي لا يمكننا إغفال علامته السينمائية في هذين الفيلمين حصرا، مع العلم أن قيمته باعتباره مؤلفا أهم منها باعتباره مخرجا.

يتشابه محمد كامل القليوبي، المخرج والمؤلف الذي يتميز مؤلفا أكثر من كونه مخرجا، مع غيره ممن عملوا مع محمود عبدالعزيز، عصام الشماع الذي كتب أكثر من عمل للساحر كفيلم «دنيا عبدالجبار»، وسيد سعيد الذي كتب وأخرج فيلم «القبطان».

«السادة الرجال» و«سيداتي آنساتي» من الأفلام التي حققها رأفت الميهي، وعكست شجاعة محمود عبدالعزيز، ليشكلا مع «خليل بعد التعديل» و«الشقة من حق الزوجة» أهم المقاربات الفنية الجدية في مصر إزاء مسألة المرأة وما حولها، ومن شجاعة محمود عبدالعزيز تصديه لأهم أعماله السينمائية «الكيت كات» الذي شكل مغامرة قدر لها النجاح الباهر. تلك هي الشجاعة التي يفتقدها محمود عبدالعزيز تلفزيونيا، ما حرمنا من رؤيته في مسلسل «الزيني بركات» وربما مسلسل «الحاوي».

على الصعيد الشخصي، انسجمت تماما مع عملين للساحر، «الحدق يفهم» الذي قدم مقاربة إيمانية نادرة وذكية، وفيلم «يا عزيزي كلنا لصوص» الذي دار مع فيلم «أبوكرتونة» بأسلوب ممتع، قريب أو بعيد، حول أسطورة روبن هود، أي سرقة اللصوص.

كان مفترضا أن يصافح محمود عبدالعزيز جمهور السينما بفيلم «زهايمر» لكن الفيلم استحوذ عليه عادل إمام

من خلال الكثير من الأعمال البارزة والمتميزة نفسر ونقرأ النجومية الخاصة التي نسجها محمود عبدالعزيز في المشهد الفني المصري، وفي ذاكرة وأذهان المشاهدين العرب.

حين رأى النور فيلم إبراهيم الأبيض من إخراج مروان وحيد حامد، وبطولة أحمد السقا، لم يتحدث الناس إلا عن دور محمود عبدالعزيز وأدائه لشخصية عبدالملك زرزور وفي ذلك دلالة على أنه مهما كانت مساحة دور الساحر، رئيسية كما في «باب الخلق» تلفزيونيا، أو شرفية كما في إبراهيم الأبيض، فكاريزما الساحر ستهيمن على العمل، وهذه ظاهرة تتضخم في المسرح كما شاهدته مباشرة في مسرحية 727 على مسرح المنيل البائد. وعلى الرغم من الملاحظات على أعماله التلفزيونية الأخيرة، تصعب مقاومة المتعة الناجمة عن أداء محمود عبدالعزيز، وهذا ينطبق أيضاً على أفلامه العادية أو الضعيفة.

مشاهد وشخصيات بعينها كتب لها الخلود بأداء الساحر لصدقه وعفويته، مشهد النكسة في «رأفت الهجان» ملحمة تستحق الفخر، ولا أنسى اللوحة المبهرة لشخصية «فكري» في فيلم «الشياطين» لحسام الدين مصطفى.

لم تنطفئ لمحة عيني محمود عبدالعزيز رغم السنين، فالفنان الذي يحوم حول عقده السابع مازالت تتألق عيناه ببريق الشباب وشقاوته، وتجتمع في وجهه معاني البراءة والمرارة والقوة.

هذا الفنان الذي قدم للسينما كل شيء لم تنصفه السينما كما يستحق موجهة دلالها لأقران بعضهم أقل منه. لا تتعجب من تعليق الساحر لصورة الملك فاروق في مكتبه، فمكتب الملك لن تجد فيه إلا صورة ملك.

15