الملل لا يصنع كاتبا جيدا

الجمعة 2017/10/20

شعراء وكتاب، مفكرون ونقاد، مبدعون وأكاديميون، سوادهم الأعظم يشتكي من كساد “بضاعته” (بما أن الإبداع بات سوقا أيضا) لدى محفل القراء والمتابعين، على جودتها.

في مواقع التواصل الاجتماعي كفيسبوك، قد تحصد صورة فتاة مع قطتها في المطبخ، أو جملة لـ”حسناء الفوتوشوب” من قبيل “أنا مريضة” اهتماما ومتابعة أكثر مما يحصده مقال أو قصيدة أو لوحة سريالية.

يمتد الأمر أعمق بقليل، فنجد كتابا وكاتبات يستغلون ليونة الحبر الضوئي الذي توفره التكنولوجيا لتحبير نصوص لا يختلف من لهم الدرجة الدنيا من المعرفة على رداءتها، لكنها تحظى بالاهتمام الذي لا تحظى ولو بجزء منه كتابات لها وعيها ونضجها وعمق محاولاتها الجمالية أو الفكرية أو العلمية.

في عالم عربي متغير نحو الاستهلاك والنظم الحياتية والفكرية التي أملتها التوجهات الليبرالية المشوهة، بات كل شيء من باب الاستهلاك السريع والآمن؛ وجبات سريعة، أغان سريعة، لباس سريع، محاولات للكسب السريع، أدب سريع، الخ..

سرعة مقترنة أيضا بالأمان، أي الاستهلاك الذي لا يتطلب جهدا كبيرا أو مخاطرة، لا يتطلب أدنى مغامرة في تقبّله، بل استهلاك مضمون.

ما دخل هذا بالأدب والفكر والفن؟

الإبداع وكل منتجات الوعي الإنساني باتت مهددة في ظل مجتمعات عربية استهلاكية دون إنتاج. مجتمعات خلقت منها السياسات الكاذبة والمتسلطة جماعات للاستهلاك، لا وعي لها غير ما تمليه الغريزة، وإن تشكل لبعضها وعي فيكون بنفس قصير في حدود السطح يخشى بلوغ الأعماق، رغم وجود الاستثناءات التي يهمش أغلبها.

على هذه الشاكلة صُنِع الكثير من الكتاب العرب اليوم، وخاصة من الجدد، الذين وإن كان خروجهم عن تكلس من قبلهم أمرا محمودا، فإن ما يعيب أغلبهم هو خواء منتجاتهم من وعي وحفر أركيولوجي وجمالي، إذ هم يكتبون ما يريده الجمهور، أمورا لا تقفز بقارئها إلى الجهد أو التساؤل أو المتعة الواعية، بل تقدم له ما يعرفه سلفا. يستهلكه بهدوء ثم ينام مطمئنا.

قد يقول البعض: مللنا من التعقيد والركاكة البلاغية، مللنا الترميز والأقنعة واستحضار الأساطير والمجازات والنحو، والعوالم التهويمية التي كانت تكتب بعيدا عنا. وفعلا لهم كل الحق في أن يملّوا كل هذه الأساليب، وأنا من هؤلاء، لكن ألا ينبغي الوعي بها وبظروفها كي نتجاوزها قراءة وكتابة؟

ومن جهة أخرى فإن هذا الملل لا يمكنه لوحده أن يصنع ذائقة قادرة على خلق كاتب جيد.

الكتابة كغيرها من عوالم الإبداع ليست مجرد انفعال أو تفاعل فقط، بل هي عملية مركبة جدا، يدخل فيها الوعي العميق باللغة والأفكار التي يحملها الكاتب، إضافة إلى إحساسه الخاص وتجاربه، تركيبة كيميائية مختلطة تقدم كاتبا، أو نواة كاتب، له رؤياه التي يطرحها للآخرين.

لذا فقصيدة مثلا عن الذهاب باكرا إلى المدرسة أو عن حبل غسيل أو حتى عن حافلة مكتظة بالعمال، لا يجب أن تلزم كاتبها بالبحث عن المشترك العام لإعادة تقديمه للناس، ليبهرهم أن عوالمهم تكتب. كما أنها في المقابل ليست رؤية غارقة في تهويمات العزلة والمجازات، بقدر ما هي رؤية متزنة للكاتب تخلق تماسا بين العالم الخاص والعالم المشترك، حيث لا يغيب القارئ كليا كما لا يحضر ممسكا بيد الكاتب ليخط ما يريد. وشفافية نصوص اليومي والتفاصيل تتطلب وعيا حاد وتجربة ودربة. ثم إن الكتابة ليست مجالا للطمأنينة كما يريدها العالم الاستهلاكي.

الكثير من القراء المستهلكين باتوا يفضلون حكاية بسيطة لا يمكن أن يوفرها الشعر أو حتى القصة القصيرة في أثوابها الجديدة.

ومن جهة أخرى هناك قراء مختصون، هؤلاء يفضلون النصوص المتخمة بالمرجعيات، والأفكار الكبيرة ذات المفاهيم المعقدة والصور والمشفرة والألغاز والإيقاع البلاغي والعروضي، بعيدا عن إيقاع العصر والعالم.

هؤلاء المنعزلون، رغم مخازن معارفهم فإنهم أشبه بالمتاحف التي قد تصلح للأرشفة لكنها ليست ركحا للإبداع في حاضره وتطلعه النشط إلى المستقبل.

إذا أمكن حوصلة الموضوع، فإنه ببساطة دعوة إلى التوازن نخص بها المبدع ومستهلكي الإبداع، توازن بين جدّة المنتج الإبداعي وتحرره والاستهلاك الواعي، توازن يبتعد بالإبداع عن الاستهلاكية الساذجة التي تحكمت في كل شيء.

شاعر تونسي

14