الممارسة السياسية وحدها لا تكفي

الاثنين 2016/12/19

خلال سنوات خلت، كان رهان الكثير من اليساريين – وقد كنت واحدا منهم – على أن تكون الممارسة السياسية (البراكسيس) كفيلة لوحدها بدفع الإسلام السياسي نحو قيم العقلانية والواقعية ولو في حدود معيّنة، سواء عن وعي أو بلا وعي. ولربّما ينتهي المآل بعد أمد طويل من الممارسة السياسية إلى عقلنة الخطاب الديني نفسه، ولو جزئيا، أو بالأحرى علمنة الوعي الإسلامي في النهاية، لم لا؟ أما عندما كانت تصدمنا بعض الوقائع المحبطة فقد كنا نعمد إلى تبريرها بمنطق هيجلي (ولكم يفيد هيجل في التبرير) يقوم على أساس مقولة مكر التاريخ. بمعنى أنّ التاريخ، باعتباره مراوغا ماهرا، قد يحقق أكثر الأهداف تحرّرا بواسطة أكثر الوسائل رجعية، تماما مثلما يحدث في عالم الأحلام حين يضطر الحلم إلى تغليف إحدى الرغبات الأكثر تحررا بقناع محافظ يرضي الرقابة ولا يزعج الضمير في الأخير.

كانت الرؤية التي ثمة من لم يتجاوزها إلى غاية اليوم، أن يلعب الإسلام السياسي دور القناع الذي يقنع عموم الناس بقبول بعض مقتضيات الحداثة دون أن يصاب وعيهم المحافظ بأزمة ضمير. والملاحظ أن بعض الغربيين لا يزال مؤمنا بمثل هذا الطرح. مثلا، ثمّة من يعتبر ارتداء البرقع الأسود في الضاحية الباريسية نوعا من الفردانية المطلقة بقناع يقول العكس. مثلما كان هناك من يعتبر فرض الحجاب في إيران بعد الثورة مجرّد قناع لتحقيق أحد الأهداف التقدمية للتاريخ: المساهمة في رفع نسبة تمدرس الفتيات داخل مجتمع أبوي، ذكوري، ومحافظ.

بالجملة، كانت الفرضيّة الشائعة، والتي لم يتخطها الكثيرون بعد، أن الممارسة السياسية لوحدها قد تكون كافية وكفيلة بتطوير الفكر والتفكير، وأنّ السياسة تنتهي بأن تُهذب النفوس وتفرض نوعا من السلوك المدني على الجميع: الهدوء، الأناقة، اللباقة، التحاور، التوافق، التعايش، النقاش العمومي، ما يعني أن السياسة تمنح للجميع فرصة التحرر من الانفعالات السلبية والعدوانية.

غير أننا الآن، لدينا ما يكفي من الخبرة لمساءلة المسلمة: هل الممارسة السياسية في حد ذاتها كفيلة بتنمية وتطوير الفكر السياسي؟ في واقع الحال كنا نغفل عن إحدى أهم مقولات الفكر اليساري الذي كنا ننتمي إليه: لا ممارسة ثورية دون نظرية ثورية. ما يعني أن النظرية الثورية ستقود إلى ممارسة ثورية، وأن النظرية المحافظة ستقود إلى ممارسة محافظة، ومن ثمة، لكي نواصل التحليل، أن النظرية الفتنوية التكفيرية ستقود إلى ممارسة فتنوية تكفيرية. كيف أغفلنا هذا الدرس؟

عود على بدء، هل تكفي الممارسة لوحدها حتى يتطور الفكر؟ لدينا الآن زخم كبير من الأمثلة التي تؤكد أن الإجابة الأصح هي “لا” بالخط العريض:

أولا، ثمانون عاما من الممارسة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، كانت عبارة عن مسار انحداري في المرجعية النظرية طيلة القرن العشرين، مرورا بهيمنة التيار القطبي في سنوات الستين، ثم المؤثرات الوهابية في سنوات السبعين، ثم المؤثرات الخمينية في سنوات الثمانين، ثم الذوبان مؤخرا في أتون الحركات التكفيرية والميليشيات الجهادية، سواء في مصر أو سوريا أو ليبيا أو غيرها.

ثانيا، زهاء قرن ونصف قرن من الممارسة السياسية لدى الأحزاب الشيوعية لم تشهد خلالها المرجعية النظرية سوى تدهور في الدركات من سيء إلى أسوأ، لا سيما منذ هيمنة الأيديولوجية الستالينية في منتصف القرن الماضي، مرورا بمجازر الخمير الحمر وهجمات الألوية الحمراء وغيرها في سنوات السبعين. أما الاستثناء الذي يمثله الحزب الشيوعي الصيني اليوم فجوابنا عليه، دون الدخول في التفاصيل، هو عدم وجود أي معطى شيوعي في تلك التجربة.

ثالثا، المنظومات الفاشية الأوروبية نفسها، بعد عقود من التجارب والانخراط في العمليات الانتخابية، وتكثيف الممارسة السياسية الميدانية، سواء في السلطة أحيانا أو في المعارضة معظم الأحيان، لم تشهد أي انفتاح فكري، أو تطور في الرؤية النظرية، بل خلاف ذلك، لربما انحدرت الرؤية إلى ما قد يصبح مجرد عنصرية في الأخير.

إذن، نحن بصريح العبارة أمام حالات تؤكد بالملموس أنّ الممارسة السياسية لا تكفي لوحدها لكي يتطور العقل ما لم يشتغل العقل على تطوير ذاته بذاته، ومساءلة مسلماته بنفسه، ومراجعة مرجعياته بالاعتماد على نوره الطبيعي. الممارسة ضرورية بلا شك، لأنها المحك والمختبر، لكنها لا تكفي لوحدها لكي يتطور العقل نحو تحسين قدرته على الإدراك. فإن العقل أبعد من أن يكون مجرّد انعكاس آلي للممارسة الميدانية. بل، أكثر من ذلك، كثيرا ما لاحظنا أن تصورات العقل قد تقلب الواقع رأسا على عقب. وإذا كان الواقع العلمي يُبنى ولا يُعطى كما يقول باشلار، فإن الواقع السياسي لهو أيضا كذلك. الواقع السياسي يُبنى من خلال مفاهيم العقل السياسي، وقد يُبنى أحيانا بنحو مقلوب تماما. مثلا، عندما لا يرى البعض في أمستردام سوى الحرب، وفي المقابل لا يرى في الموصل اليوم سوى السلام، فهذا قلب مهول للواقع والوقائع، سرعان ما يقود إلى ممارسة سياسية مدمرة.

لقد كان رهان البعض على أن الإسلام السياسي بما هو إسلام حركي، ثوري، وممارس، سينتهي لا محالة إلى إفراز مشروع للإصلاح الديني من تلقاء نفسه، وذلك جرّاء احتكاكه المتواصل بالواقع السياسي. غير أن الرهان كان مفلسا في آخر الحساب. فبدل أن تعمل السياسة على تهذيب الإسلام السياسي جرى العكس، إذ أن الإسلام السياسي ساهم في توحش الفعل السياسي، فأمسى مجال السياسة مجالا للعنف والتناحر والاحتراب وتأجيج الانفعالات العدوانية وإثارة النعرات العصبية، وتهييج الغرائز البدائية في الإنسان.

مجمل القول إن الممارسة السياسية وحدها لا تكفي ما لم يكن العقل الإسلامي قادرا على إجراء مراجعة نظرية لمجمل مسلماته. فإن السياسة ليست مجرد ممارسة، بل هي بالأحرى وبالأولى عقل وحكمة ونظر وبُعد نظر، وإلا ستصبح الممارسة السياسية مجرد حالة انفعالية تُهدد الأوطان وتُخرب العمران. لذلك، ليس من النباهة في شيء أن نستمرّ في التعويل على الممارسة السياسية لوحدها قصد تهذيب النفوس. ولنكن صرحاء، لا يوجد علاج سياسي لأمراض ثقافية.

أما الأطراف التي لا تزال إلى الآن تراهن على إمكانية توظيف بعض جماعات الإسلام السياسي “الوسطية” قصد مواجهة جماعات الغلو والإرهاب، سواء في سوريا أو تونس أو المغرب أو غيرها من الدول، إنما تراهن على الفرس الخاسرة. لقد أعدّ الإسلام السياسي عدّته وجهّز عتاده لأجل مواجهة الحداثيين والليبراليين واليساريين والعلمانيين حصرا، وهو لذلك السبب يجد نفسه اليوم عاجزا أمام متطرفين ينتمون إلى نفس منظومته، بل يعربدون ويزايدون باسمها. والواقع أنّ الإسلام السياسي “الوسطي” هو الذي صاغ شعارات التهييج الانفعالي التي منحت الامتياز لغلاة التطرّف التكفيري: ديننا في حالة ضياع، الإسلام في خطر، هناك حرب كونية على الإسلام، إلخ. تلك الشعارات الوسواسية كانت ذخيرته في سنوات الصراع ضدّ من يظنّهم “أعداء الدين”، لكنها ذخيرة لا تنفع في مجابهة “غلاة الدين”، بل تمنحهم الامتياز والتفوق في الحساب الأخير. لقد قام الإسلام السياسي بتسييس الدين، ثم حوّل السياسة إلى مجرّد حالة انفعالية، فانتهى مآل التجربة برمتها إلى تدمير السياسة من جهة، وتبذير الإرث الرّوحي للمسلمين من جهة ثانية. لعلها خسارة كبرى، يصعب تعويضها دون وقفة كبرى مع الذات.

كاتب مغربي

9