المماطلة الروسية والتغيرات الإقليمية والمحلية

الجمعة 2015/08/28

تبنى الروس موقفا إشكاليا من الثورة السورية، فقد رفضوا الاعتراف بها كليا، وأيدوا مقابل ذلك موقف النظام ودعموه بالسلاح والمال، وفي مجلس الأمن الدولي أصدروا أربعة قرارات نقض ضد أي قرار يدين انتهاكات النظام في سوريا.

موقف الروس من سوريا يُقرأ ضمن إدارة الأزمة وليس لإنهائها وهذا ما أطال عمر الثورة، وبما يحقق مصالح روسيا ولاسيما بعد العقوبات المفروضة عليها دوليا ومحاولتها العودة للعب دور عالمي كان لها زمن السوفييت؛ فالصراع في سوريا بالنسبة إلى الروس تعقّد بعد أن تدخلت قوات الأطلسي في ليبيا عام 2011.

واعتبرت روسيا ذلك ضد مصالحها وتحريفا لقرار مجلس الأمن الخاص بليبيا، وبالتالي رفضت كل قرار ملزم تحت البند السابع يخص سوريا. لم يتغير موقف الروس طيلة السنوات الخمس للثورة.

ومؤخرا صدر قراران عن مجلس الأمن الدولي ولكنهما ليسا تحت البند السابع، وغير ملزمين للنظام السوري.

الأول ورقمه (2235) ويوصي بالتحقيق وتحديد المسؤولين بموضوع الهجمات الكيمائية ولكنه لم يتضمن آلية للمحاسبة. وقُرأت موافقة الروس على القرار كورقة بيدهم للضغط على النظام السوري، وتمهيدا لقرار دولي قد تشرف فيه روسيا على الحل السياسي في سوريا.

والثاني، بيان رئاسي يؤكد على حتمية الحل السياسي المتمثل في وثيقة جنيف ولكنه يعتمد على توصيات دي ميستورا في الحل والذي تضمن أربعة مسارات، وهي: السلامة وحماية المدنيين، العملية السياسية والدستورية، المسائل العسكرية والأمنية ومكافحة الإرهاب، وأخيرا استمرار الخدمات العامة وإعادة إعمار سوريا.

القرار والبيان لا يناقضان الموقف الروسي، بل ويقول القرار إن المعارضة الممثلة بالائتلاف الوطني لقوى الثورة ليست الوحيدة في التفاوض، ولا يطرح ما صار يعرف بعقدة الرئاسة السورية المانعة لأي حل سياسي منذ 2011، فليس من موقف محدد بخصوصها. وهذا يعني أن هذا القرار لصالح الموقف الروسي والإيراني.

إذا البيان الخاص بالحل السياسي لا يعترف بالائتلاف ممثلا وحيدا، وجاء على خلفيّة لقاء دي ميستورا لأكثر من 200 شخصية سورية، ويتضمن نتائج اللقاءات التي أجرتها المعارضة في القاهرة وجنيف والأستانة وموسكو والدوحة وغيرها.

موقف الروس من سوريا يقرأ ضمن إدارة الأزمة وليس لإنهائها، وهذا ما أطال عمر الثورة بما يحقق مصالحهم

وهذه القضية تؤكد أن النظام يفاوض عن نفسه بينما ليس من رأس وحيد يفاوض عن المعارضة، ويعتبر هذا تراجعا عن مفاوضات جنيف.

الإشكالية لدى دي ميستورا تتمثل في أنه يعمل من أجل حل سياسي يرضي الأطراف الدولية مجتمعة، وهذه الأطراف تؤيد بقاء الأسد. وبالتالي يتم تأخير أي حل سياسي يقتضي رحيل الأسد والضغط على المعارضة من أجل هذا الحل. والمعارضة التي تجد نفسها معزولة إلا من دعم سعودي، ترى أن لا إمكانية لديها لمعارضة قرار مجلس الأمن الدولي. وبالتالي أصدرت موافقتها على القرار مع تحفظ ضعيف أكدت فيه ضرورة تحديد الموقف من العقدة الرئاسية، ولكنها ستشارك في اللجان المشكلة وفقا للقرار.

التغيرات الإقليمية عنوانها الأبرز، التدخل التركي الواسع في سوريا وآخرها التداول بالليرة التركية في حلب وإدلب، والتقدم المستمر لجيش الفتح في إدلب والضغط المستمر على قوات النظام في درعا، وغياب قدرة النظام على أي مواجهة، بل وتقديم تنازلات للإيرانيين للتفاوض بخصوص الزبداني مع تركيا. وهذا يوضح مقدار ضعف النظام وهيمنة القرار الإيراني على سياساته.

محليا وإقليما التوازن ليس لمصلحة النظام وحلفائه، ومن هنا تتوضح المحاولات الروسية والإيرانية لإيجاد حل للوضع السوري، ولكنها محاولات لا تزال تنطلق من الأسس القديمة والتي تحافظ على بقاء النظام وإعطاء جزء من السلطات للمعارضة. الإشكال هنا أن قرار مجلس الأمن الدولي يدعم الرؤية الروسية والإيرانية ويحافظ على النظام. فضعف الاستناد إلى وثيقة جنيف التي تتضمن هيئة انتقالية كاملة الصلاحيات، وعدم التطرق لعقد الأسد، أي بقائه، تفضي إلى أن هذا القرار سيؤدي إلى حل سياسي وفقا للروس ونقيض لوثيقة جنيف ولمصلحة الشعب السوري!

إذا المماطلة الروسية تنتصر حاليا وفقا للتفاوض المعمول به، ولكن هذه المماطلة ربما تكون الأخيرة، فالواقع يشير إلى الضعف الشديد للنظام السوري، وبالتالي إن أراد دي ميستورا النجاح في حلّه يتطلب الأمر موقفا أميركيا صلبا بخصوص قرار مجلس الأمن والعودة إلى وثيقة جنيف الأولى، وهذا بدوره غير معمول به.

الإشكالية الأكبر أمام المعارضة السورية في غياب موقف دولي صلب داعم لها، وبالتالي سيكون الحل، وفي حال نجح، روسيا وسيتضمن بقاء النظام مع تعديلات جزئية فيه. وهذا يعتمد طبعا على عدم مقاطعة المعارضة للجان الأربع المشكلة؛ وباعتبار الممثلين للمعارضة ليسوا جهة واحدة، ومنهم من يبحث عن أي حل سياسي مدعوم دوليا، فإن امتناع طرف فيها عن المشاركة إلا وفقا لوثيقة جنيف، سيضعه جانبا، وسيتم تهميشه وعزله دوليا.

يغيّر من شروط التفاوض فقط، تحقيق تقدم كبيرا للقوى المسيطرة على الأرض، كخروج درعا كليا من أيدي النظام وتوسع سيطرة الثوار في الزبداني والبدء بمعركة الساحل، وتشكيل معارضة قوية لها علاقات مع القوى العسكرية الفاعلة من غير الجهاديين. هذه النقاط قد لا تنجح لأن المعركة ضد داعش مستمرة، وقد يأخذ التنظيم حلب في حال هُدّد الساحل، وقد يتقدم نحو ريف دمشق كذلك عبر حمص، وبالتالي ووفقا لتعقيدات الوضع الميداني والإقليمي، فإن المطروح أمام السوريين حل سياسي.

ووفقا لتوصيات دي ميستورا، وبإشراف روسي بما يضمن المصالح الإيرانية، هل هذا الحل قابل للتحقق؟ أعتقد أنه سيفشل بدوره ما لم يشترطْ حل عقدة الرئاسة السورية وإبعاد الإيرانيين عن سوريا والاعتماد على وثيقة جنيف كما هي.

كاتب سوري

6