الممانعات المصرية للصراعات المذهبية

الاثنين 2016/01/11

مع أن رائحة الصراع المذهبي، بين السنة والشيعة، أصبحت تزكم الأنوف، غير أن النظام المصري الحالي يسعى بكل الطرق السياسية إلى أن يكون بعيدا عنه، ويتفنّن في استخدام الكثير من الأدوات الدبلوماسية، لكي يتجنب الانخراط فيه، ويحاول الاحتفاظ بعلاقات دافئة مع أطرافه الرئيسية.

هذه الصورة تجذب انتباه كل مراقب لتحركات القاهرة خلال الفترة الماضية، مع أن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، كان في مقدمة من حذروا ممّا وصفه، قبل حوالي سبعة أعوام، بالمثلث الشيعي الذي تقوده إيران، وكانت علاقته بطهران متوترة لأسباب كثيرة، جزء منها قلقه من طموحاتها المذهبية، التي كانت من بين الدوافع التي حجمت بعض محاولات التقارب بين القاهرة وطهران.

والآن يبدو الخطاب المصري الرسمي خاليا من الإطار المذهبي، لكن خطاب بعض وسائل الإعلام لا يخلو منه أحيانا، وهو ما يوحي بالازدواجية، خاصة أن عددا من الإعلاميين المعروفين بتأييدهم للنظام المصري، انتقدوا المواقف والتصرفات الإيرانية مع السعودية مؤخرا، انطلاقا من الفكرة الطائفية التي أصبحت مهيمنة على الكثير من الخطابات السياسية في المنطقة.

ما بدا أنه تناقض لدى البعض، هو في اعتقادي قمة الاتساق مع المنهج المصري، الذي يريد الحفاظ على السعودية كحليف استراتيجي، ويتجنب الدخول في توترات أو مهاترات رسمية مع إيران، فكان الخطاب الرسمي هادئا ومؤيدا للرياض، على اعتبار أن الخلاف هو في الأصل بين دولة ودولة، وليس بين مذهب سني وآخر شيعي.

لكن هذا الاتجاه لم يكن مرضيا للسعودية، وعزز هواجسها السابقة حيال النوايا المصرية، التي ترفض الانسياق وراء الدخول في عداء مع إيران، لأنه يبدو من وجهة نظر القاهرة مكلفا، وهي في غنى عنه، من هنا تطوع بعض الإعلاميين لسد الفجوة بين مصر والسعودية، ومنهم من أقام الدنيا ولم يقعدها على رأس إيران وتدخلاتها السافرة في بعض الدول ورغبتها في تقسيم المنطقة، الأمر الذي لقي استحسانا من جانب الرياض.

كما أنه حقق لمصر جملة من الفوائد السياسية، منها التمسك بسياستها الرسمية في الابتعاد عن تكريس الصراعات في المنطقة على أسس مذهبية، وتدعيم العلاقات مع السعودية عبر القنوات الإعلامية، والإيحاء لطهران برسالة مزدوجة، بأن عدم الرغبة في مبادلتها بالتسخين لا يعني إطلاقا استبعاده تماما، وأن ما تقوم به بعض وسائل الإعلام المصرية، من الممكن أن يكون مقدمة لتغيير الدفة التي حرصت على التجديف بها في هدوء طوال الفترة الماضية.

الواقع أن مصر تدرك أن تأكيد مذهبية الصراع بين إيران والسعودية، سواء في أزمة نمر النمر أخيرا، أو قبلها في تدخلات طهران في العراق ولبنان وسوريا واليمن، يعني أن تعلن القاهرة صراحة أنها معادية لطهران، لذلك كلما ارتفعت نبرة أي من القيادات الإيرانية على هذه القاعدة، كانت مصر تتجاهلها تقريبا.

وكان الحرص باديا في رفض الانسياق وراء الخطاب الطائفي، لتجنب المزيد من الاستقطاب، الذي يفرض عليها الانحياز بوضوح للطرف السني، فيتم الزج بها في الصراع المذهبي، وهي التي تحرص على الاحتفاظ بمسافة لنفسها في جميع الصراعات المشتعلة في المنطقة، بصورة تُمكنها من امتلاك علاقات متوازنة مع غالبية الأطراف.

لعل من يدقق النظر في الموقف المصري عندما بدأ نجم تنظيم داعش يسطع في العراق قبل نحو عامين، ويتم الترويج للحديث عن أن السنة في مواجهة مفتوحة مع الشيعة هناك، كانت مصر من الدول القليلة التي حكمت مبكرا أن داعش لا تمثل السنة، وأن الصراع بين متشددين، حتى عندما تمادت الميليشيات الشيعية في عنفها، ركّزت رؤيتها على أن متطرفين يواجهون متطرفين، وهي تدرك حقيقة البعد الشيعي والسني في المعارك، الذي وجد من يؤججه لأسباب سياسية.

وفشلت الكثير من الجهود التي بُذلت لجر مصر إلى فتنة الشيعة والسنة، وظلت محتفظة ببضعة أمتار سياسية تتحرك فيها، وسعت إلى إبعاد الصراع عن وجهه الطائفي، قدر الإمكان، وأبدت ممانعات كثيرة للانجرار وراء من سوّقوا لهذا الوجه، حتى عندما دخلت تركيا بقوة على هذا الخط، لم تستفز القاهرة، ولم تغير من قناعاتها، وهي مدركة أن ميلها للفريق السني يجعل كفته أكثر رجحانا.

القاهرة حرصت على ثبات موقفها، حفاظا على مصالحها البعيدة، ورفضت الإغراءات القريبة، فلدى النظام المصري اقتناع بأن شيوع الحرب المذهبية سوف يجلب خرابا على الجميع، كما أن هناك تقاطعات إيجابية بين القاهرة وطهران في سوريا، يمكن أن تتأثر سلبا، حال الدخول في مواجهة مذهبية.

بمعنى تنعكس الآثار القاتمة على الأزمة، وتحتدم عناصر الصراع، بما يؤدي إلى التيقّن من تفتت الدولة السورية، التي ترى القاهرة أن إبعادها عن هذا الشبح أحد مكونات الأمن القومي المصري، لأن سوريا تبقى هي الجيش العربي الأول في مواجهة إسرائيل.

المشكلة أن القناعة المصرية، لا تجد أصداء إيجابية لدى بعض الحلفاء، وأدخلت القاهرة في خلافات مستترة مع بعض الأصدقاء، وقللت أحيانا من أهمية أطر التعاون المعلنة، لأن الموقف بدا أقرب لمنهج “من ليس معي فهو ضدي”، لكن المرونة (البراغماتية بمعنى أدق) الضافية التي تتمتع بها السياسة المصرية، مكنتها من الانفتاح على دول متصارعة، وساعدتها في الحفاظ على علاقات جيدة، وحالت دون انزلاق القاهرة في بعض التوترات.

في حين أن الانخراط داخل الصراع المذهبي، سوف يفقد مصر جزءا من جاذبيتها السياسية لأطراف كثيرة، وينزع منها ورقة، يمكن أن تتحول إلى منغّص داخلي أيضا، حيث من المرجح أن يستثمرها التيار السلفي في المزايدة، ويجد لنفسه مكانا على الخارطة السياسية، بعد فترة من الأفول، ويوضع النظام المصري بين فكي رحى إيران والمتشددين، ربما يضطر معها لتقديم تنازلات للطرف الثاني.

علاوة على أن شيوع النبرة الطائفية – المذهبية في مصر، قد يكون مدخلا ووقودا لتفجير صراعات طائفية أخرى بين المسلمين والأقباط، بالتالي من الصعوبة أن تقدم مصر على التعامل مع الخلاف السعودي- الإيراني، باعتباره صراعا مذهبيا فقط.

كاتب مصري

9