الممسكون بالرقاب

الممسكون بالرقاب، عزلوا الفساد عن المفسدين، وحولوا قضيته المشهودة والمحسوسة، إلى تجريد.
الأحد 2021/07/18
الناس يدفعون ثمن التأجيل الماكر

لطالما تلقى المستبدون، النصائح لكي يتواضعوا، قبل أن يُقرع طبل، أو ينوح ناي. لكن الأرهاط المُنعّمة كانت تمضي في الغي الممزوج بالغفلة، ولا تكف عن عنجهيتها. قيل لهم، إن من يصرخون ألما، فمن يصرخون بك ليسوا كلابا تنبح. إنهم الخلايا البيضاء النظيفة، في دورتهم الدموية، وقد أوشكوا على فقدان المناعة، بعد أن أصابتهم الأنيميا السياسية.

ولعل أفدح أنواع الاستبداد، ذلك الذي يصيب بالشلل شعبا لم يتحصل على شيء من حقوقه من أطراف أخرى، فينطبق عليه قول الشاعر المتنبي: وسوى الروم خلف ظهرك رومُ.. فعلى أي جانبيك تميلُ!

من طبائع المستبدين، أنهم لا يقرأون، وإن قرأوا لا يتعلمون، ولجهالتهم يستمرون في الخداع ويكذبون، ويريدون للمظلومين والفقراء أن يعجنوا ويخبزوا ممّا وُعدوا به من النعيم. أما الفقراء والضحايا، فإن حاستي السمع والبصر تزدادان حدة وقدرة على إدراك الحقائق والتفريق بين الغث والسمين. ولنجدن من بين المستبدين، أدعياء وطنية ورشاد ونزاهة، بينما هم يستبيحون كل شيء ويسرقون. فكيف يصبح السارق جلاّبا لحق ضائع أو فعّالا في حركة تحرر، أو محبّا للشعب الذي يسرق مقدراته ويحرمه من أبسط حقوقه.

في تاريخ أيرلندا، كان من بين اللقطات الأخلاقية الجميلة، في انتفاضة الفصح في العام 1916 أن أحد القادة الميدانيين (يُدعى جورج بلونكيت) أراد التحرك من ضواحي دبلن، على رأس خمسين أو ستين رجلا تطوعوا لمقاتلة الإنجليز، وانضم إليهم في الطريق إلى موقف الترام عدد آخر. الرجل مضطرّا للاستيلاء على قاطرة الترام لكي ينتقل مع جماعته إلى قلب المدينة، أشهر السلاح في وجه السائق لكي يغير وجهته، إلى المكان المقصود، لكنه وقف على درجات القاطرة، يَعد الركاب واحدا واحدا، لكي “يقطع” لهم التذاكر، ويدفع قيمتها. فلو لم يفعل ذلك، لأصبح أشبه بقاطع طريق، يحتقر الشعب ويستضعفه، ويخالف قيمة العدالة، التي رفع السلاح لكي تعلو ولا يُعلى عليها.

في العديد من الأقطار، ما زال الناس يدفعون ثمن التأجيل الماكر، لقضايا وإشكاليات مُلحة لا تقبل التأجيل، بينما التأجيل في الغالب، يعني الإعدام. ففي فلسطين، أصبح تأجيل المصالحة، والنوم طويلا عليها ثم الصحو قليلا على ضرورتها؛ يعني التواطؤ بين طرفي الخصومة لإعدامها. كذلك الانتخابات، كان تأجيلها بمثابة قرار إعدامها. وفي هذه الحال، يكون الممسكون بالرقاب، عازمون على الاستمرار في الهروب من مواجهة الأسئلة الصعبة، التي تحتاج شجاعة وشفافية واعترافا بالأمر الواقع، للإجابة عنها!

على الرغم من ذلك، نرى ونسمع هؤلاء، يستخدمون مفردات الوحدة والوطنية والشرعية والرشاد والدين والتقوى، بينما أبسط بديهيات المنطق، تقول بأن الإلحاح اللفظي على قضية ما، هو دليل واضح على وجود عقدة بشأنها، ولمداراة نقص فيها. ويتولى كل إعلام إسطبلي، يعتاش على روث كل سلطة، الدفاع عن خيباتها، دونما إدراك بأن تكرار الثرثرة عن شيء، يدل على قلق عميق بشأن نقصانه.

فالوطنية تصبح مضغة في أفواه من تنقصهم، وهكذا الوحدة، والدين والتقوى. بينما كل ما يجري لا يزال يئد الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالحياة، في الاقتصاد وحركته الاجتماعية وديناميات إنتاجه، وبالعمل الحمائي المتصدي للفقر والعُطالة، اللذين يفتكان بالحماسة للقضايا المحقة، وكذلك بالأسئلة عن شيوع الفساد متعدد الرؤوس وجموح الاستبداد متعدد الهراوات!

الممسكون بالرقاب، عزلوا الفساد عن المفسدين، وحولوا قضيته المشهودة والمحسوسة، إلى تجريد، أو إلى كلام مُرسل، يتداوله الناس، دون أن يعني أحدا أو طرفا بعينه، كأنما هو لعبة دومينو أو شطرنج أو لعبة رقمية للتسلية!

حولوا الأسئلة العضوية التي أفرزتها حاجات المجتمع، إلى أسئلة خاطئة وتعديا على المقامات العليا، وتحتاج إلى إعادة صياغة. وتم وأدها لصالح أسئلة بديلة، مستولدة من تربويات تأسست على الممالأة والتواطؤ والتلفيق!

24