"المملكة العاشورية" تنعى حارس قصرها وتحن إلى سلطانها المريض

توقّف "عاشور العاشر" ينذر بتشغيل صندوق التبريد الفني بالجزائر.
الخميس 2021/05/06
نسخة جديدة تفتقد إلى الخيال الواسع والنقد اللاذع

فوجئ الجمهور الجزائري بإيقاف التلفزيون الحكومي لبث مسلسل “عاشور العاشر” دون تقديم توضيحات من الإدارة الوصية، ممّا يزيد من حالة الغموض التي تلف العمل الدرامي المثير للجدل منذ بداية إنتاجه وتصوير الجزء الثالث منه، ودور الرقيب في فرض المقص وتوجيه المحتوى المنتقد للأوضاع السائدة في البلاد.

الجزائر - عزا التلفزيون الجزائري مسألة إيقاف عرض مسلسل “عاشور العاشر” في جزئه الثالث إلى التعاطف مع عائلة الفنان بلاحة بن زيان خلال هذا الشهر وهو الممثل الكوميدي الذي كان يؤدّي دور “النوري” (خادم القصر)، غير أن مرور الأيام دون عودة المسلسل إلى البث يعطي الانطباع بأن الإدارة ومن ورائها سلطات عليا قرّرت وقف عرضه.

ولم تستبعد مصادر مطلعة أن يكون التظاهر بالتعاطف مع عائلة الفنان الراحل “النوري” هو مقدّمة لوقف البث تماما، وأن اكتفاء التلفزيون بالقول “تعليق مؤقت” هو عودة إلى الغموض الذي لف المسلسل، لاسيما وأن وزارة الاتصال أقالت الرئيس المدير العام للتلفزيون الحكومي أحمد بن صبان خلال الأيام القليلة الماضية، وإن لم تقدّم توضيحات حول خلفيات القرار المفاجئ فإن المصادر المذكورة لم تستبعد علاقة أو رابطا بين المدير المقال ومسلسل “عاشور العاشر”.

رحيل مؤثر

التلفزيون الجزائري عزا مسألة إيقاف عرض المسلسل إلى التعاطف مع عائلة الفنان بلاحة بن زيان التي فجعت برحيله

كان الممثل الفكاهي بلاحة بن زيان المعروف بشخصية “النوري” في سلسلة “عاشور العاشر” قد لفظ أنفاسه الأخيرة في المستشفى العسكري بوهران عن عمر ناهز 68 سنة خلال هذا الأسبوع، فكان الفقد والتأثر كبيرين في الأوساط الفنية وفي فريق المسلسل ولدى الرأي العام الجزائري.

وأدخل الفقيد المستشفى العسكري بوهران بسبب مشاكل قلبية لإجراء عملية جراحية حساسة كانت قد تأجلت لعدة مرات بسبب رغبة الراحل في الوفاء بالتزاماته تجاه الشركة المنتجة للمسلسل والمساهمة في تحضير العمل ليكون جاهزا خلال الموسم الرمضاني، فالفنان الراحل على بساطته وعفويته وتواضعه كان يهمه كثيرا أن يسعد جمهوره الذي تعوّد عليه طيلة ثلاثة مواسم في “عاشور العاشر”.

والممثل بلاحة المحبوب لدى الجزائريين من مواليد 1953 بمعسكر في غربي البلاد حيث ترك سجلا حافلا بالعطاء لمدة 42 عاما في مجال الفن، بدأ بدخول معهد التمثيل بوهران، فتتلمذ على يدي قدور بن خماسة سنة 1972 و1973، قبل أن يُشارك في العديد من المهرجانات المسرحية المحلية.

وبدأ ظهوره على شاشة التلفزيون بداية من العام 1974 كأحد الممثلين الكوميديين الواعدين في الجزائر، حيث صنع البسمة والفرحة وكسب حب الجزائريين الذين اكتشفوه في العديد من الأعمال أبرزها سلسلة السلطان “عاشور العاشر” الذي تقمّص فيه دور “النوري”، وسلسلة “جمعي فاميلي” فضلا عن أعمال أخرى مثل “عـايش بالهف”، “ناس ملاح سيتي”، “يوميات الزربوط”، “بوضو”، “دار الجيران”، “فاميليا ستار”، “دار البهجة”، “ليزميقري” (المهاجرون)، “وسع خاطرك”، “الاعتراف” و”رمضان فالماريكان”.

ولبن زيان مسار فني حافل خاض فيه تجارب مسرحية مهمة مع مسرح وهران برفقة كبار نجوم المسرح الجزائري على غرار عبدالقادر علولة وسيراط بومدين، وعُرف عنه شغفه واستعانته بالشعر الشعبي وبالقول المأثور في أداء أدواره على الخشبة.

وبرحيل الفنان المعروف بشخصيتي “النوري” في “عاشور العاشر” و”قادة” في “جمعي فاميلي”، تفقد الساحة الفنية الجزائرية واحدا من أهم القامات الكوميدية التي أدخلت البهجة في نفوس الجزائريين، وفقد معه “عاشور العاشور” أحد وجوهه البارزة طيلة النسخ الثلاث في ذروة الإكراهات المحيطة بالعمل والضغط الذي يتعرّض له، وعلى رأسها وقف عرضه المفاجئ.

و”عاشور العاشور” هو العمل الذي أسّس لدراما جزائرية مميزة جمعت بين الكوميديا والتراجيديا، وقدّمت رسائل فنية قوية تكرّس دور الفن في معالجة هموم المجتمع ونقد الواقع واستشراف التطوّرات والتحوّلات رغم الضغوط التي تعرّض لها من قبل إدارة المقص الرسمي والرقيب السياسي.

وإن لم يستطع الممثل والفنان حكيم زلوم ملء الفراغ الذي تركه بطل مسلسل “عاشور العاشر”، لتفقد بذلك النسخة الثالثة من العمل المثير للجدل جزءا من بريقها وجاذبيتها التي تعوّد عليها الجمهور خلال الموسمين الماضيين، فإن الرسائل والإسقاطات لم تتوقف، الأمر الذي يكون قد أزعج الرقيب.

وظهر زلوم دون تطلعات المتابعين بسبب الحضور غير المكتمل مع الدور الذي أسند له هذا الموسم خلفا للممثل صالح أوقروت الشهير بـ”صويلح” الذي أعلن عن إصابته بوعكة صحية وصفت بـ”الخطيرة”، كما ساهم الجدل القائم حول محتوى وأفكار المسلسل في تراجع نسبة المشاهدة وفق إحصائيات تتداولها دوائر فنية في الجزائر.

ولم تحقّق الوجوه التي استقدمها المخرج جعفر قاسم للمشاركة في العمل المذكور على غرار مروان قراوبي وبهية راشدي الإضافة التي كان ينتظرها الجمهور، ولو أنها لم تكن سيئة، الأمر الذي جعل النسخة الجديدة دون أي مستجد أو إضافة سواء في الشكل أو المضمون.

طرح مخيّب للآمال

Thumbnail

بعرض نصف حلقات المسلسل يبقى الجمهور الشغوف يحن إلى السلطان الحقيقي للمملكة العاشورية الفنان صويلح الذي صنع بشخصيته العفوية وأسلوبه التلقائي شخصية العمل الفني الذي نزل من مستوى الاستشراف إلى سرد الأحداث السابقة، خاصة وأن البطل الجديد للعمل لم يرتق إلى السقف الذي رفعه صالح أوقروت المنتظر نقله إلى الخارج من أجل العلاج.

وتبقى مقاربة الجهة النافذة التي تدخلت في توجيه محتوى العمل بشكل لا ينتقد السلطة الجديدة في البلاد ورادة في ظل النسق الذي تسرد به الأحداث إلى حد الآن، لاسيما في ظل الحديث على أن تحويل العرض في التلفزيون الحكومي كان بغرض تسهيل عملية تدخل المقص، فضلا عن تقديم الأحداث في شكل قصة واحدة تجمع بين الكوميديا والدراما، عكس النسختين الماضيتين أين كانت عبارة عن أحداث منفصلة.

وإن حافظ مخرج العمل عن لمساته الفنية وإسقاطاته، فإن الغالب هو توجيه العمل إلى سرد أحداث سابقة تدور في قصر المملكة العاشورية تلمّح إلى ما كان يدور في هرم النظام السياسي السابق في الجزائر كاختلاس أموال المملكة من قبل ابن الملك (الأمير لقمان)، واستمرار الدسائس والمؤامرات السياسية داخل القصر بشكل أدّى إلى سجن الوزير قنديل ومقتل القائد جواد.

وجاء تصريح الممثل سيد أحمد أقومي حول استبعاده لنسخة رابعة من مسلسل “عاشور العاشر” وعدم مشاركته فيها مهما كانت الظروف ليؤكّد التجاذبات المحيطة بالعمل وخروجه عن الرؤية الفنية التي رسمها فريق العمل والإنتاج، الأمر الذي يهدّد بإجهاض تجربة درامية غير مسبوقة في الجزائر.

حكيم زلوم البطل الجديد للمملكة العاشورية لم يرتق إلى السقف الذي رفعه صالح أوقروت بشخصيته العفوية وأسلوبه التلقائي
حكيم زلوم البطل الجديد للمملكة العاشورية لم يرتق إلى السقف الذي رفعه صالح أوقروت بشخصيته العفوية وأسلوبه التلقائي

وإذا كان العمل قد استشرف التطوّرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد خلال السنوات الأخيرة في نسختيه الأولى والثانية، وكان بذلك أحد العوامل التي ساهمت في إشعال الاحتجاجات السياسية المستمرة بعدما تمكن من إسقاط أحداث القصر العاشوري على الوضع العام بالبلاد وانتقد مختلف ممارسات السلطة في إدارة الشأن العام، فإن النسخة الجديدة أريد لها أن تُبعد كل الأنظار عن السلطة الجديدة، وتفرّغ شحناتها النقدية في المرحلة السابقة.

ولم يظهر على مدار عشر حلقات من العمل الخيال الواسع الذي عهده الجمهور لدى المخرج جعفر قاسم الذي تناول في السابق المطبات السياسية للسلطة على غرار انتشار الوباء، والهجرة السرية، وتمييع شهادة الباكالوريا، والاستفراد بالحكم، والاعتماد على مورد الزيت فقط في اقتصاد المملكة وغيرها.

وجاء تنويه شركة الإنتاج إلى الطابع الخيالي للقصة الدرامية لدرء التأويلات والإسقاطات التي يمكن أن تلحق بأي شخص أو جهة، ممّا يبرز حجم الالتباس الذي يلف محتوى العمل، خاصة بعدما ارتبط بعرض سيرة قصر ملكي يدير شؤون المملكة بالعشوائية والارتجال والفساد، وهو مشهد يبقى قريبا ممّا عاشته الجزائر طيلة العقود الأخيرة.

واللافت أن العمل لم يتطرّق إلى أي من الأحداث والمستجدات المفصلية التي عاشتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، وهو ما جعل “عاشور العاشر” ينزل إلى ما دون السقف الذي رفعه الحراك الشعبي، ولو أن مقتل القائد جواد بسبب مؤامرة حيكت له داخل القصر يفضي إلى إيحاءات معينة لتطوّر الأحداث في هرم السلطة، خاصة وأنه قُدّم على أنه الشخصية الشعبية المحافظة على مصالح سكان المملكة وصاحبة الحب والتعاطف في الشارع بشكل شابه توالي الأحداث السياسية في البلاد خلال العامين الماضيين.

ولا تزال تصريحات البطل السابق للمسلسل صالح أوقروت في مختلف وسائل الإعلام المحلية تلمّح إلى تغييرات غير مفهومة في النسخة الثالثة للعمل، وهو القائل “كانت مفاجئة وغير متوقعة لشخصية عاشور العاشر، الذي لم أعرفه حين اطلعت على معالم السيناريو في بداية الأمر، وهو ما أعطاني الانطباع بأنه لا يمكن أن أكون أنا هو”.

واعترف الفنان مروان قروابي الذي أدّى دور “الهاشمي” (فنان القصر) بأنه لم يستطع معرفة محتوى بعض الحلقات المعروضة بسبب القص الذي تعرّض له العمل الفني، وجاء التوقيف المفاجئ للبث ليزيد من الغموض حول الأبعاد والأسباب الحقيقية للقرار، خاصة وأن القرار اقترن بوفاة الفنان “النوري” وبإقالة مدير التلفزيون الحكومي.

ولا يستبعد أن يكون الأمر متصلا بتقلص هامش الحريات والانتقاد في الآونة الأخيرة بالبلاد، وتوجه السلطة الجديدة إلى شق مسار جديد في التعاطي مع الرسائل الفنية والإعلامية، عكس المرحلة السابقة التي كانت تفتح المجال نسبيا أمام أعمال ناقدة بغية امتصاص الغضب القاعدي، لكنه رغم ذلك جرفها من السلطة في أبريل 2019.

16