المملكة العربية السعودية: مرحلة ما بعد الملك عبدالله

السبت 2015/01/31

وصف الأديب والرحالة أمين الريحاني الملك عبدالعزيز آل سعود، مؤسس المملكة العربية السعودية، بأنه: “سياسي محنك، وقائد باسل، وحاكم عادل، إنه رجل نجد ابن لبادية ينبغ فيها من حين إلى حين كبار الرجال، فيظهرون فجأة ويسودون الناس بالعقل قبل أن يسودوهم بالسيف”.

منذ 1932 إلى يومنا هذا توالى ستة ملوك من أبناء المؤسس. وإذا ارتبط اسم الملك الثالث فيصل بن عبدالعزيز (1964 – 1975) بإرساء أسس الدولة الحديثة، فإن اسم الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز (2005 – 2015) قد كان مرادفا للإصلاح وتكريس دور المملكة الإقليمي والإسلامي والعالمي.

وسط مناخ إقليمي متلبّد واشتعال بركان الشرق الأوسط، غاب الملك عبدالله في نفس اليوم الذي استقال فيه الرئيس اليمني وازداد التوتر في البلد الجار، كما الحال في العراق الجار الآخر وفي أكثر من مكان من ديار العرب، التي أسهم الراحل في السعي إلى الحفاظ على مناعتها منذ بدء مشواره السياسي وفي الكثير من المحطات، إن خلال توليه رئاسة الحرس الوطني وبعدها ولاية العهد، حيث كانت مبادرته للسلام في الشرق الأوسط، والتي أقرتها قمة بيروت العربية في 2002، من أبرز محاولات إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية.

زخرت مسيرة العاهل الراحل بإنجازات كبيرة من مواجهة الإرهاب وتفاعلاته بعد 2001، إلى دعم لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري في 2005، والمساعي المستمرة لترتيب البيت العربي وتدارك تداعيات التحولات العربية منذ 2011 وخصوصا في البحرين واليمن ومصر وسوريا، حيث لا يزال المخاض مستمرا مع ما ينطوي عليه من تحديات ليس للدور السعودي والخليجي فحسب، بل لمصير دول عربية بعينها وللأمن الخليجي والأمن القومي العربي في آن معا.

على مر تاريخها المعاصر، وخاصة منذ نصف قرن، تميّزت المملكة ببروز وزنها في محفل الأمم من خلال موقعها القيادي الإسلامي وقوتها الاقتصادية ووزنها السياسي. ومما لا شك فيه تتكامل هذه العناصر الثلاثة في جعل العربية السعودية قوة متوسطة ذات نفوذ في محيطها والعالم.

منذ بدايات هذا القرن اهتزت العلاقات الأميركية – السعودية ليس بسبب تداعيات الحادي عشر من سبتمبر فحسب، بل أيضا بسبب حرب العراق 2003، وتصاعد الشكوك حول صدقية واشنطن في الوفاء بالتزاماتها، وخاصة بالنسبة إلى مظلتها الأمنية وطبيعة مصالحها على المدى المتوسط.

وترافق كل ذلك مع سعي أميركي محموم للوصول إلى شراكة إقليمية مع إيران وتقاعس عن لعب أدوار حاسمة إن في الموضوع الفلسطيني أو في الملف السوري. وكل ذلك خلق توترا ملموسا بين الرياض وواشنطن، وبرز الكثير من انعدام الثقة من قبل الجانب السعودي.

على مر تاريخها المعاصر وخاصة منذ نصف قرن، تميزت المملكة ببروز وزنها في محفل الأمم من خلال موقعها القيادي الإسلامي وقوتها الاقتصادية ووزنها السياسي

ولذا يمكن تفسير حجم الوفد الأميركي الكبير الذي قدم للتعزية بالعاهل الراحل، وعلى رأسه سيد البيت الأبيض وعقيلته، بمثابة طمأنة للمملكة في هذه اللحظة الإقليمية الحرجة، حيث أن تعاظم خطر تنظيم “داعش” من جهة، واتساع مدى النفوذ الإيراني يبدوان وكأنهما يهدفان بشكل أو بآخر إلى تطويق المملكة وشقيقاتها الخليجيات أو ابتزازهم سياسيا واقتصاديا.

في مواجهة خطط الاحتواء والهجوم تحت عناوين متعددة، تمكنت المملكة العربية السعودية بالتعاون مع النواة الصلبة في مجلس التعاون الخليجي أي دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت من حماية مملكة البحرين. وتعتبر أوساط غربية أن الثنائي السعودي – الإماراتي لعب دورا بارزا في دعم الحكم الجديد في مصر منذ 2013، في خطوة تهدف إلى إعادة تركيب نظام إقليمي والدفاع عن الأمن القومي العربي. وفي الفترة الأخيرة كان ترتيب البيت الخليجي خطوة مكمّلة في نفس الاتجاه.

ولم تكتف القيادة السعودية بالدفاع السياسي الوقائي، بل دافعت عن حصتها في سوق النفط وعن دورها الريادي في منظمة أوبك. وهذه المتغيرات في السوق النفطية والتي أدارتها الرياض بمهنية، أحرجت العديد من الأطراف ومنها الولايات المتحدة التي أرادت انتزاع موقع السعودية الأول عبر إنتاج كبير للنفط الصخري. ومن الأطراف المتأثرة بقوة، روسيا وإيران اللتين تتناقض سياساتهما مع الرياض في أكثر من ملف.

تتلاءم أسعار النفط المنخفضة أو المعتدلة مع مصالح المملكة والدول العربية في الخليج التي تتمتع بملاءة نقدية على المدى القصير، وهي تتقاطع مع مصالح الزبائن الأساسيين للنفط الخليجي في الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية وبعض دول أوروبا. في استباق وتفاعل مع التحولات العالمية، شهد العام الفائت جولة آسيوية هامة للملك السعودي الجديد الملك سلمان بن عبدالعزيز عندما كان وليا للعهد، ممّا يعكس التركيز على علاقات خارجية متنوعة لا تنحصر بالغرب.

مع الحقبة السعودية الجديدة، وكما العادة، يبقى القرار السعودي بيد الملك الذي يتمتع بخبرة عالية من خلال وجوده طويلا على رأس إمارة الرياض وقربه من الملك الرابع الملك فهد، وبعد ذلك تبوؤه وزارة الدفاع وولاية العهد.

وفق مبدأ أن لكل حقبة رجالها أتت الإعلانات السريعة عن هيكلة الحلقة الأولى في الحكم في موازاة إعلان وفاة العاهل الراحل، وتم استكمال ذلك بتغييرات جمّة بعد أقل من أسبوع ممّا يؤكد الانتقال السلس للسلطة، ومتانة المؤسسات ويدحض رأي المراهنين على الشقاق الداخلي، ويؤكد استمرارية السياسة الخارجية.

إزاء الانقسامات في الإقليم ما بين المحور الإيراني (مع النظام السوري وإلى حد ما مع النظام العراقي وحزب الله والحوثيين)، والتحالف الآخر القائم بين تركيا والإخوان المسلمين (المرحلة القريبة ستبيّن التموضع القطري)، يُرجّحُ أن تحافظ المملكة العربية السعودية على تحالفها مع جمهورية مصر العربية ودولة الإمارات العربية المتحدة والأردن. لكن خلط الأوراق ليس مستبعدا ويمكن للقيادة السعودية أن تنفتح على تركيا لبلورة توازن جديد في وجه الهجمة الإيرانية.

وفي مطلق الأحوال ستكون للعديد من الملفات إلحاحها وأولويتها من مواجهة التطرف والإرهاب من اليمن إلى سوريا والعراق، وهذا يفسر إنشاء تركيبة قادرة على المواجهة وإدارة الأزمات من خلال مجلس للشؤون السياسية الأمنية برئاسة الأمير محمد بن نايف، الذي يمثل تعيينه في المركز الثالث في التسلسل كأول أحفاد المؤسس إشارة تجديد ونقلة بين الأجيال.

خلال تاريخ العائلة المالكة السعودية مرت الناصرية والحقبة الفلسطينية وشاه إيران والحكم البعثي في العراق، واستطاعت الرياض تجاوز القطوعات. واليوم داخل مشهد إقليمي تلعب فيه طهران وأنقرة لعبة عودة الإمبراطوريات، وفي موازاة صعود “داعش” وأخواتها والتموضع الأميركي الحذر، تواجه المملكة العربية السعودية مخاطر استمرار الاهتراء والتراجع العربي، وتجد نفسها في قلب معمعة إثبات الوجود والدفاع عن المصير.


أستاذ العلوم السياسية المركز الدولي للجيوبوليتيك – باريس

8