المملكة المتحدة تكافح من أجل أن ترقى إلى مستوى اسمها

الأحد 2017/07/16

عدت بالطائرة إلى المملكة المتحدة بعد خمسة أشهر من الغياب. كانت عودتي بمثابة الوصول إلى عالم مواز. بالمقارنة كانت سوريا (حيث كنت أغطّي حربا تلعب فيها الولايات المتحدة وروسيا لعبة من الأقوى) تبدو ساكنة. الصفائح التكتونية تتحرك. الرياح القوية تعصف. وميض البرق يكشف عن مشهد حرب ينتظر فيه المواطنون الحذرون زمجرة الرعد.

سمحت سباقات رويل أسكوت للخيول للرجال بخلع ستراتهم في الحر. رئيس مجلس العموم أعلن أن الأعضاء الذكور لا يتوجب عليهم ارتداء ربطات العنق. هتف حشد من الآلاف في مهرجان موسيقي للزعيم الماركسي لحزب العمال جريمي كوربن وكأنه ميك جاغر. ألم تكن هناك منذ سنة فقط حكومة محافظين لا تقهر وفي طريقها إلى تحقيق التوازن في الميزانية والبقاء في الاتحاد الأوروبي؟

هناك مدّ شعبوي في طور الارتفاع، لكن من جهة اليسار هذه المرة. هذه الموجة يشارك فيها الشباب الذين ضجروا من الديون الطلابية والقطارات التي لا تعمل والرشاوى التي تقدم للمستشارين واستحالة شراء منازل كالتي اشتراها آباؤهم من قبل.

هناك انقسام جيلي بين الشباب الذين أرادوا بقاء المملكة المتحدة ضمن أوروبا ممّا يمنحهم الحق في العيش والعمل في أيّ مكان داخل الكتلة، وبين حكام من الشيوخ يتصورون أن بريطانيا ما بعد أوروبا ستستعيد المجد الإمبراطوري للجزيرة. ويبدو أن الأمر شبيه بسنة 1964 عندما كتب بوب ديلون يقول:

“هناك معركة في الخارج،

وهي تحتدم،

سترجّ نوافذك عاجلا،

وتزلزل جدرانك،

فالزمن بصدد التغيير”.

في الليلة التي وصلت فيها إلى لندن تناولت العشاء في حديقة جميلة في نوتينغ هيل. وتفاخر أحد أقدم أصدقائي، وهو محافظ مدى حياته كان والده قد خدم في مجلس وزراء مارغريت تاتشر، بأنه في الثامن من يونيو صوّت لفائدة حزب العمال لأول مرّة في حياته. ولم يخف صوته زهوا متمردا بأن تصويته كان واحدا من بين عشرين صوتا أوصل أول مترشح عمالي من كسينغتون وتشيلسي إلى البرلمان.

وقال لي صديق آخر إن دائرته الانتخابية في مدينة “كنت” من مقاطعة كنتربري تحولت هي الأخرى إلى حزب العمال.

قبل يوم الاقتراع حكم الخبراء على حزب كوربن العمالي بالنسيان، لكنه تحصل على ثلاثين مقعدا في حين خسر المحافظون التابعون لرئيسة الوزراء تيريزا ماي ثلاثة عشر مقعدا، ومن ثمة خسروا الأغلبية.

تعلقت رئيسة الوزراء بحكومة أقلية، لكن أصبحت أيامها معدودة حتى أن الصحف تتكلم عنها على أنها “زومبي” و”امرأة ميتة تمشي”.

آثار أزمة من الصعب محوها

في الأثناء يقوم ثوار سان كيلوت الموالون لكوربن بالقرع على البوابات من أجل إسقاط قصر الباستيل الليبرالي الجديد الذي شيدته تاتشر وأبقى عليه توني بلير وجعله ديفيد كاميرون -والآن تيريزا ماي- في الإنعاش.

دار النقاش خلال العشاء حول النجاح المحتمل لحملة كوربن لتحويل دفة الأمور بعيدا عن أصحاب البنوك ومدراء صناديق التحوط وبقية الأقلية الصغيرة التي استفادت من برنامج تاتشر وبلير.

أغلب الأشخاص الذين استمعت إليهم، بما في ذلك المحافظون من حزب رئيسة الوزراء يتوقعون خسارة ماي التصويت على الثقة في أقرب وقت يخضع فيه متمردو حزبها للاختبار. وتمضي التخمينات بأنها بعد ذلك ستكون عليها الدعوة إلى انتخابات ستخسرها. وبالطبع قد يخطئون مثلما أخطأوا قبل استفتاء بريكسيت والانتخابات. الحقيقة هي أن لا أحد يعلم.

في الـ14 من يناير، وبعد ستة أيام من مغازلة الناخبين مع حزب العمال، التهمت النيران برج غرينفيل. انتشر حريق صغير اندلع في الطابق الرابع إلى الطوابق الأربعة والعشرين وأدى إلى وفاة 80 شخصا على الأقل وجعل أكثر من 600 ساكن دون مأوى.

قال لي صديق أفغاني مات والده في الحريق إن أمّه وأخواته أجبرن على الانتقال إلى “مخيم” تحت الطريق السيارة. كان يتوقع حدوث مثل تلك الأشياء في أفغانستان لكن ليس في بريطانيا.

توافق الحريق مع سياسة التقشف التي فرضتها حكومة ماي على الحكومات المحلية وأجبرتها على التقتير فيما يتعلق بالسلامة وتركيب أرخص المواد المتوفرة في السكن العمومي، وذلك بالرغم من أن الإجارات في هذه المباني تعود بالربح للمجالس البلدية في لندن.

وكشفت التحقيقات السريعة التي قامت بها الصحف عن الآلاف من الخروقات لقوانين الوقاية من الحرائق في المساكن العمومية. فمن بين 2295 من العمارات الشاهقة العمومية في البلاد، هناك 18 عمارة فقط تملك أنظمة رش لإطفاء النيران، كما تبين أن الحكومة كانت توفّر أموال دافعي الضرائب عن طريق عدم توفير مرشات ماء للمدارس قيد البناء. وهكذا نرى كيف أن الدولة تقامر بحياة الفقراء وبأطفال كل الطبقات الاجتماعية. إذن فالغضب يتنامى.

لم يخرج أحد من كارثة برج غرينفيل بشرف ماعدا المواطنين الذين وفروا المأوى لجيرانهم المصدومين والسكان الذين غامروا بحياتهم لإخراج الناس من المبنى. لقد خلّف الحادث ندبا على الجسم السياسي البريطاني، ووعد كوربن (الذي كان إلى وقت قريب يصوّر على أنه مهووس لدفاعه عن الفقراء) بمعالجة الجرح. لكن الوعد يبقى بعيدا جدا عن الإنجاز.

يقف هيكل برج غرينفيل المحروق في الأفق وكأنه إرث الرفاه بين السياسيين والباعثين العقاريين والمديرين الخواص للسكن العمومي. وتذكّر أبعاده السياسية بتمرد البحارة الروس على متن السفينة الحربية بوتمكين سنة 1905 التي بشرت بثورات 1917، أو بإحراق حشد من عامة الناس لفندق شابرد البريطاني في يناير 1952 الذي أدى إلى الثورة في يوليو. ومن المرجح أن تحظى تيريزا ماي بنفس درجة النجاح في مقاومة المدّ السياسي الذي حظي به الملك كانوت عند مجابهته للمد الحقيقي الذي ضرب الشواطئ البريطانية قبل ألف عام.

كاتب أميركي-بريطاني

عن مركز ستراتفور للأبحاث الأمنية والاستراتيجية

6