المملكة المغربية تحث على تفعيل لغة الحوار بين الحضارات

الأربعاء 2013/10/02
المغرب داعم رئيس لحوار الحضارات

فاس ـ العاهل المغربي، الملك محمّد السادس، أكّد في كلمته، خلال المؤتمر العالمي لحوار الحضارات بمدينة فاس على أنه لا يمكن لتعزيز الحوار بين الحضارات واحترام التنوع الثقافي أن يصبحا واقعا ملموسا عالميا إلا إذا تم ترسيخهما وطنيا.

لأهمية الحوار بين الحضارات الذي توليه المملكة المغربية حيزا مهما داخل منظومة سياستها الخارجية وأسلوب عيشها بالداخل، فقد احتضنت مدينة فاس العاصمة العلمية والروحية للمغرب ندوة دولية حول تعزيز الحوار بين الحضارات واحترام التنوع الثقافي.

كانت المشاركة على قدر أهمية الموضوع بحضور المديرة العامة لمنظمة اليونسكو، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة والأمين العام للمنظمة الدولية للفرنكوفونية، إضافة إلى ثلة من الشخصيات الوازنة في مجالات الفكر والثقافة والاقتصاد والسياسة والإعلام.

المغرب على مر العصور كان قبلة للتعدد الثقافي والإثني والديني، في تناغم يقوم على تقبل الاختلاف وتنميته على أسس من الاحترام المتبادل بين كل شرائح المجتمع المغربي: المسلم واليهودي والمسيحي والأمازيغي والعربي والصحراوي، كلهم يشكلون هوية مغربية تتقاسم الفضاء الأفريقي والمتوسطي ثقافيا وجغرافيا وسياسيا واقتصاديا، وباعتبارهم مغاربة يتفانون في الدفاع عن هويتهم. وفي العام 2011 تم تسطير كل مكونات وروافد هذه الهوية داخل الوثيقة الدستورية الغنية بمبادئ تعنى بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح وتعزز أواصر التفاهم والحوار بين الثقافات والحضارات.

التويجرى: المغرب موطن للإشعاع الحضاري
فاس – دعا عبدالعزيز بن عثمان التويجري، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة –إيسيسكو-، إلى تعزيز السلام الروحي والأمن الثقافي بين شعوب العالم، وإلى ترسيخ قيم التعايش والتسامح، محذرا من خطورة الأزمة الإنسانية الحضارية الناتجة عن تصاعد موجات العنصرية والكراهية وعدم احترام الخصوصيات الروحية والثقافية والحضارية للشعوب.

وقال المدير العام للإيسيسكو، في افتتاح أعمال المؤتمر الدولي حول تعزيز الحوار بين الثقافات والأديان، في مدينة فاس المغربية، «إن النزعات الاستعلائية تـُلغي الإحساس بالتنوّع الإنساني، وتقوّي في النفوس إرادة الشـر بالطغيان في الأرض والشعور بالتفوق وبالتميز، بالرغبة في الهيمنة والقدرة على فرض الآراء وإملاء السياسات، وانتهاك حقوق الإنسان في أن يمارس حياته بحرية وبمسؤولية وبكرامة».

وذكر المدير العام للإيسيسكو في المؤتمر الدولي الذي يعقد تحت رعاية العاهل المغربي الملك محمد السادس، إن التجارب الرائدة والناجحة للحوار بين الثقافات والتحالف بين الحضارات، قد شجعت على توسيع نطاق الحوار الثقافيّ والحضاري، ليشمل الحوارَ الدينيَّ بين الأمم والشعوب، مما أعطى قوة دفع لهذا النوع من الحوار، وفتح آفاقـًا واسعة أكد على وجوب استغلالها للتفاهم وللتسامح الإنسانيين ولاحتـرام الاختلاف.

وقال التويجري في كلمته أمام المؤتمر: «لقـد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2001 سنة دولية لحوار الثقافات، ولكن العالم دخل في النصف الثاني من السنة نفسها، في دوامة من الأزمات الدولية كان لها، ولا يزال، تأثيـر سلبيٌ على فكرة الحوار في حد ذاتها، وعلى الأمن والسلم الدوليين، فقد عرف عالمنا خلال العقد الأخير والسنوات الثلاث من العقد الحالي، تطورات خطيرة للغاية في عدة مناطق لا تزال مشتعلة إلى اليوم، هي في عمقها من آثـار انتهاك القوانين الدولية، والإعراض عن الالتزام بقيم الحوار على جميع المستويات».

واستطرد المدير العام للإيسيسكو قائلا : «إن الأسرة الدولية لم تستسلم لدواعي اليأس الذي عـمَّ العالم، ولم تشأ أن تدع انشغال القوى العظمى بما عرف بالحرب ضد الإرهاب، يصرف المنتظمَ الدوليَّ عن التفكير في إيجاد وسائل جديدة لتعزيز الحوار بين الثقافات، فكانت فكرة التحالف بين الحضارات، التي تبناها الأمين العام السابق للأمم المتحدة، وأنشأ لها مفوضية سامية بقرار منه، وبذلك تعززت فكرة الحوار الثقافي بفكرة التحالف الحضاري، ونشأ عن هذا الربط المحكم تطور إيجابي سيسير اليوم في الاتجاه الصحيح، مما أشاع قـدرا كبيرا من الأمل والتفاؤل، وحفـز على تجديد الثـقة في القيم الإنسانية الخالدة التي انبثـقـت منها الفكرتان الرائدتان: الحوار والتحالف».

وأشاد المدير العام للإيسيسكو في كلمته بما تُوليه المملكة المغربية من بالغ الاهتمام لتعزيز قيم الحوار بين الثقافات والحضارات وأتباع الأديان، ولترسيخ ثقافة التفاهم والتسامح والتعايش بين الأمم والشعوب، حتى أصبحت موئلا للحوار وجسرا للقاء بين النخب الفكرية والثقافية والعلمية العالمية، وموطنـا للإشعاع الحضاري، وللتنوير الثقافي وللتسامح الديني.

وهذا ما عبّرت عنه الرسالة التي وجهها الملك محمد السادس للمشاركين في الندوة قائلا في هذا الصدد: «إننا مقتنعون كل الاقتناع بأن تعزيز الحوار بين الحضارات، واحترام التنوع الثقافي، لا يمكن أن يصبحا واقعا ملموسا على المستوى العالمي، إلا إذا تم ترسيخهما وطنيا، وفسح المجال لتبني أهدافهما النبيلة من طرف كل مواطن. وانطلاقا من الرصيد التاريخي العريق للمملكة، وهويتها الأصيلة، القائمة على التفاعل الإيجابي بين مقومات الوحدة والتنوع، فإن الدستور المغربي الجديد قد كرس المزج المتناغم بين روافد الهوية الوطنية، والتشبث بالقيم الكونية «.

يعتبر هذا المؤتمر، الذي احتضنته فاس خلال الفترة من 30 سبتمبر-أيلول إلى 2 أكتوبر –تشرين الأول 2013، مساهمة متقدمة في دعم أسس حوار الحضارات ولبنة أخرى في بناء علاقات دولية مبنية على الاحترام المتبادل ثقافيا وحضاريا خدمة للأمن والسلم.

ودعوة ندوة فاس إلى الحوار بين الثقافات والحضارات هي فرصة أخرى لترتيب أوراق التعايش والتعاون. ونحن نقيم أعمال هذه الندوة العالمية نجدها في خط سير المملكة المغربية الداعية إلى تدريب الكل على فن العيش المشترك وعلى رأسهم الشباب الصاعد وفعلت خيرا الإدارة المنظمة إذ استغلت وسائل التواصل الجديدة من إنترنيت وفايسبوك وتويتر لإشراك الشباب في تطعيم الندوة بأفكار متجددة حتى يتم تفعيلها بشكل طبيعي بما ينسجم مع الواقع ومتطلبات العصر.

إن العالم الآن تحكمه عدة تحديات وصراعات قديمة ومستجدة ومتنوعة تتمايز خطورتها وتداخلاتها عبر عدة متغيرات منها ما هو اقتصادي وأمني وثقافي وسياسي وطائفي وديني، ما يتطلب بذل أقصى الجهود لابتكار آليات متماشية مع الحدث تتغيا العيش في تناغم في إطار يحكمه الحوار والتعاون المشترك خدمة للجنس الإنساني.

ولنذكّر في هذا الإطار بكلمة العاهل المغربي التي ألقاها عبدالله باها وزير الدولة في حكومة المملكة المغربية خلال: «في عالم مطبوع بشتى التناقضات، وبتوالي الأزمات بمختلف أشكالها، لا ينبغي أن نقف اليوم كمجرد شهود على انبثاق نموذج حضاري كوني جديد، تحكمه العولمة والتكنولوجيات الحديثة، بل يجب أن نكون فاعلين أساسيين فيه. وفي هذا السياق، لا بد لنا من التحلي بالنزاهة الفكرية، والقدرة على الإبداع من أجل تطوير وسائل مبتكرة، لفهم العالم والتأثير فيه، دون الوقوع في الاستلاب، أو الانسياق المرفوض للتعصب ونبذ الآخر ».

وأعرب الملك محمد السادس عن يقينه بأن الحوار البناء والمستمر بين الدول، وتكثيف المنتديات الدولية والجهوية حول تفاعل الثقافات وتعايش الأديان، والعمل على إشراك الشباب والمجتمع المدني في أشغالها، كلها وسائل ستساهم في مواجهة نزوعات التعصب والانغلاق، بطرق سلمية وحضارية، مشددا جلالته على تفادي المقاربات التبسيطية، التي تختزل الانفتاح والتفاعل، في الاستلاب والتنكر للخصوصيات التي تميز كل أمة.

وأضاف أن «تربية شبابنا على الانفتاح والإصغاء والتسامح، وعلى الإيثار وقبول الاختلاف والتنوع، تشكل العلاج الناجع ضد +صدام الجهالات+، وشرطا مسبقا لا محيد عنه، للحفاظ على الأمن والسلام في العالم».

وثمن، في هذا الصدد، «فكرة إشراك الشباب، عبر شبكة الأنترنت، في النقاش وتبادل الآراء حول مواضيع هذه الندوة، انطلاقا من اقتناعنا الراسخ بضرورة استثمار كل الوسائل والقنوات المتاحة، من أجل الإنصات المتواصل للشباب، ولاهتماماتهم وطموحاتهم، باعتبارهم صناع عالم الغد».

ودعا إلى «تجاوز المنظور الفكري الضيق، الذي يعتبر المجتمعات مجرد دول وشعوب، تتعايش أو تتنافس في ما بينها، والارتقاء إلى مفهوم أوسع وأكثر إيجابية، يجعل من الأمم والشعوب مكونات متنوعة لكيان واحد، وهو الإنسانية. وهو ما يقتضي أن يقوم كل مكون بوضع مؤهلاته في خدمة الجميع، في إطار من التكامل والانسجام».

وأبرزت رسالة العاهل المغربي إلى المؤتمر الدولي لحوار الحضارات «أهمية خلق تفاعل إيجابي بين مختلف التعبيرات، التي تشكل الثروة الحقيقية للبشرية، وتعميق الوعي بوحدة المصير، وحتمية العيش المشترك، بعيدا عن كل أشكال الأنانية والتعصب والكراهية العمياء».

من هنا نجد ألا بديل عن الحوار الثقافي والحضاري بين الدول والشعوب تدعيما للتعاون الفعال ومحاصرة لكل مجالات العنف والتطرف. والمملكة سائرة بخطى ثابتة، رغم الإكراهات، في درب تحصين مجتمعها من كل أنواع التطرف والتعصب، بتشجيعها للحوار بشكل سلمي وتدبير الاختلاف في إطار ديمقراطي يحفظ الكرامة والحرية وقيمة الإنسان المغربي.

7