المناسبات الدينية في مصر عبادة وسياسة

الأحد 2014/07/27
لافتات ومعلقات في ظاهرها تهنئة بالعيد وفي باطنها دعوة انتخابية

القاهرة – القوى السياسية المصرية، المدنية منها والدينية، لم تشأ أن تفوّت احتفالات عيد الفطر المبارك دون استغلال سياسي للتجمعات والاحتفالات الجماهيرية، بحثا عن كسب أصوات انتخابية في منافسات الانتخابات البرلمانية المرتقبة.

في عدد من محافظات الدلتا والصعيد، كثف راغبو الترشح من المستقلين من لافتات الدعاية الانتخابية، مستغلين الحدث الديني، ليرفعوا لافتات التهنئة بعيد الفطر المبارك، وحرصوا في الوقت ذاته على تضمين عبارة تقول “مرشحكم لعضوية مجلس النواب القادم”.

لم تقتصر تلك اللافتات على المستقلين، بل أيضا على راغبي الترشح باسم الأحزاب السياسية. ولم تقتصر التحركات الانتخابية لرجال المال والأعمال من النواب السابقين، ومن يستعدون للمنافسة على لافتات ترفع في الميادين العامة والشوارع الرئيسية، فإلى جانب المعلقات استهدفوا أصوات العائلات الفقيرة من خلال حقائب رمضانية تحوى مستلزمات الشهر الكريم من السلع الغذائية المختلفة التي تم توزيعها بكثافة دون أن يغفل موزعوها أن تحمل عبارة “كل عام وأنتم بخير” واسم المرشح المنتظر.

عدد من المرشحين لجأ إلى إقامة الموائد الرمضانية بأحياء شعبية بمحيط دائرته الانتخابية المحتملة في التقسيم الجديد للدوائر الذي لم يقرر بعد، والبعض الآخر تجنب ذلك، حتى لا يظهر بشكل المناقض لسياسات التقشف التي تنتهجها الحكومة، مفضلا أن يقدم المساعدات المالية للأسر الفقيرة مباشرة في شكل صدقات لحشد الأصوات.

جماعة الإخوان تستعد لرفع شعار الإسلام هو الحل والمتاجرة بالعدوان على غزة واستغلال الأطفال ومظاهرات تخرج من المساجد والساحات


التوظيف السياسي


تنظيم الإخوان والتيار السلفي هما، الأكثر احترافية في التوظيف السياسي للمناسبات الدينية، ففي الوقت الذي واصلت فيه جماعة الإخوان تقديم مساعدات للفقراء والترويج لشعاراتها ضمن لافتات التهنئة والمعايدة، فإن التيار السلفي بدأ منافستها في ورقة المساعدات المالية والعينية للفقراء، عبر جمعياته الأهلية، مثل جمعيتي “أنصار السنة المحمدية” و”الجمعية الشرعية” اللتين تقدمان خدمات العلاج بالمجان وخدمات لأسر الأيتام ودروسا للطلبة، لكن تنظيم الإخوان المسلمين والسلفيين تلقيا ضربات موجعة من الحكومة المصرية مؤخرا.

الشيخ محمد عبدالرازق عمر وكيل وزارة الأوقاف لشؤون الدعوة والمساجد، قال لـ”العرب” لقد اتخذنا إجراءات صارمة لمنع استغلال صلاة العيد والمساجد سياسيا، من أي فصيل أو حزب، وقد وضعنا جدولا بالمساجد وساحات الصلاة في العراء على مستوى الجمهورية، وخصصنا لكل مسجد أو ساحة خطيبا أساسيا وآخر احتياطيا خلال صلاة العيد، وهؤلاء الأئمة ملتزمون بخطبة موحدة وضعتها الوزارة موضوعها “العيد آداب ومعاملات”، وليس من المسموح لأي إمام الخروج عنها أو التطرق للشأن السياسي، ومن يفعل ذلك يتعرض للمساءلة القانونية من الوزارة، لافتا إلى وجود 3800 ساحة رئيسية تقام بها صلاة العيد بخلاف ساحات فرعية.

إجراءات وزارة الأوقاف أغلقت الباب أمام دعاة السلفية في استغلال المنابر للاتصال الجماهيري، إلا أن جماعة الإخوان تتحايل على ذلك عبر خطة رسمتها وطورتها للقفز على تلك الإجراءات.

مصدر مطلع كشف لـ”العرب” أن تنظيم الإخوان سيلجأ للصلاة بالساحات العامة والمساجد القريبة من الميادين، ليطلق مظاهرات ومسيرات عقب الصلاة مباشرة، حاملين لافتات تحمل إشارة رابعة وصورا للرئيس السابق محمد مرسي وأخرى حول الحرب في غزة، وبعض اللافتات ستحمل صور ضحايا الأحداث منذ 30 يونيو 2013 في محاولة لكسب التعاطف الشعبي، وسوف يستخدمون الأطفال بكثافة في التظاهرات.

ففي القرى والنجوع في ريف مصر بالدلتا والصعيد، خططت الجماعة لإقامة ساحات صلاة موازية للساحات الرسمية، واقتحام الساحات التي تشرف عليها وزارة الأوقاف عبر ترك الإمامة لمشايخ الوزارة، فيما سترفع جماعة الإخوان لافتات تعود لشعارها القديم الذي استخدمته للمتاجرة السياسية بالدين قبل ثورة 25 يناير 2011، حيث ستحمل لافتاتهم عبارات تهنئة بعيد الفطر مصحوبة بشعار “الإسلام هو الحل” وشعارات أخرى مناصرة لفلسطين وصورا للقدس الشريف.

وقال المصدر إن هناك تعليمات صدرت لعناصر التنظيم بالتواجد أمام الساحات بالمناطق الريفية والعشوائية لتقديم التهنئة للقادمين للصلاة، وإعداد لافتات لا يتم تعليقها لرفعها بواسطة متظاهرين حال إزالة اللافتات المعلقة من قبل السلطات، أو منع الملصقات، على أن يلي الصلاة مباشرة خروج مسيرات من الساحات تطوف الشوارع المجاورة للتنديد بعزل الرئيس السابق محمد مرسى والتنديد بثورة 30 يونيو التي يصفونها بـ”الانقلاب”.

وحول تعامل وزارة الأوقاف مع مخطط اقتحام الساحات بالملصقات واللافتات، قال وكيل الوزارة لشؤون الدعوة والمساجد، لقد أصدرنا تعليمات مشددة للعاملين على خدمة المساجد وأمنها، بإزالة أي ملصق أو لافتة، فضلا عن منع لصقها من البداية، وتحرير محاضر لكل من يتجاوز أو يستغل المساجد والساحات في الدعاية السياسية، سواء كانت جماعات محظورة أو أحزابا مرخصا لها العمل في السياسة، مؤكدا أن المسجد للدعوة لله فقط وليس للتنافس السياسي.

وعن احتمال اعتلاء عناصر مسيسة للمنابر أو الخطابة بالساحات بالقوة، قال الشيخ محمد عبدالرازق لـ”العرب” حدث ذلك في بعض المساجد مؤخرا، والوزارة تعاملت مع تلك الحالات بحزم، وتم تحرير محاضر ضد هؤلاء المشايخ غير المرخص لهم بالخطابة، وأحيلت المحاضر للنيابة العامة للتحقيق، وسنتصدى لمثل هذه الحالات بالقانون وعلى وجه السرعة، أما في حال مخالفة أحد الدعاة المكلفين من الوزارة وإقحام السياسية في خطبته، والترويج لأي فصيل فسيتم إحالته للتحقيق الإداري بالشؤون القانونية بالوزارة، وتتدرج العقوبات من لفت النظر حتى الفصل وفقا لحجم المخالفة وطبيعتها.

خطبة موحدة ودعاة أساسيون واحتياطيون في كل مسجد وساحة وحظر الشعارات والدعاية السياسية وإحالة المخالفين للنيابة


تجاوزات


جماعة الإخوان، الموضوعة على قوائم الجماعات الإرهابية بقرار من الحكومة المصرية، تسعى لتجاوز الإجراءات الحكومية، سعيا لمكاسب سياسية في تلك المناسبة الدينية، وتخطط لتحقيق عدة أهداف، أولها استغلال العيد لكسب التعاطف عبر تظاهرات بالمدن الرئيسية تنتهى باحتكاك مع الأمن والمتاجرة بالخسائر البشرية، وآلية أخرى لكسب التعاطف تتعلق بالتجارة بالأطفال وإظهار ألمهم لغياب ذويهم خلف القطبان في العيد، والهدف العودة للتواصل الجماهيري بعد لفظ الشعب لهم، عبر برقيات تهنئة يوزعونها على المنازل بالأماكن التي يحظون فيها بتواجد.

الاستغلال السياسي للمناسبات الدينية لم تكن الأحزاب والتيارات المدنية بريئة منه على الإطلاق، فسعت أحزاب ليبرالية لاستغلاله لكن عبر آليات اتصال جماهيري أقرب منها للعمل العام وأنشطة مشروعة خارج دائرة المساجد، فحزب المصريين الأحرار الليبرالي نظم عددا من الدورات الرياضية الرمضانية، ومسابقات لحفظة القرآن الكريم وزع خلالها جوائز مالية وعينية عليهم، وخطط عبر إدارة العمل الجماهيري بالحزب للدفع بعناصره أمام الساحات الشعبية، لتوزيع هدايا.

محمود العلايلي السكرتير العام المساعد لحزب المصريين الأحرار، قال لـ”العرب” إن نشاط حزبه الرمضاني وفي عيد الفطر، نشاط سياسي مشروع، والتواجد وسط الجماهير مطلوب، طالما لا يعتلون منبرا، ولا يستخدمون شعارات دينية، والأمر لديهم منافسة على التواجد وسط الجماهير بفاعليات رياضية وأنشطة خدمية.

أحمد بان، الباحث في شؤون جماعات الإسلام السياسي، قال لـ”العرب” إنه بطبيعة الحال هناك أعياد للمسلمين شرع فيها الاحتفال، أما التوظيف السياسي بالطرق التي تلجأ إليها تيارات الإسلام السياسي والأحزاب، فهي أساليب تعني المتاجرة السياسية، ومحاولات إعطائها دلالات أوسع من دلالات المناسبات، لاستدرار عواطف الجماهير الدينية، والاختفاء خلفها لتحقيق أهداف سياسية، وإخراج تلك المناسبات عن معانيها للتربح سياسيا.

وأضاف أن ما يحدث من بعض المجموعات من رفع شعاراتهم في الساحات واستعادة لافتات شعار الإسلام هو الحل، متاجرة واستغلال للمناسبات الدينية يتطلب علاج نقاط القصور والثغرات في المؤسسة الدينية الرسمية.

5