المناطق الحدودية الجزائرية "دولة" داخل الدولة

تغاضي المسؤولين عن التهريب عبر الحدود أسفر عن نشوء اقتصادٍ موازٍ.
الأربعاء 2020/09/23
التهريب والإرهاب صنوان لا يفترقان

يتقاطع في الجزائر التفاوت الجغرافي مع اللامساواة الاقتصادية، حيث تعاني العديد من الولايات الواقعة في أقصى شمال شرق البلاد، على الحدود مع تونس، من تهميش اجتماعي واقتصادي عميق، ومن غير المحتمل، بحسب المراقبين أن يتغير هذا الوضع في المستقبل القريب.

الجزائر - تطرح مسألة الأنشطة الخفية في المناطق الحدودية الجزائرية معضلة كبيرة للسلطات حتى أن البعض يشبهها بأنها “دولة داخل الدولة”، إذ أن عمليات التهريب على الحدود الجزائرية وخاصة مع تونس ازدهرت وباتت خارجة عن السيطرة، إما بموافقة الدولة لكسب السلم الاجتماعي أو أنه تقصير من أجهزة الأمن.

وترجّح دالية غانم، باحثة مقيمة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، أن يستمر إهمال مثل هذه المناطق النائية وأن يزداد سوءاً بما أن الجزائر تعاني من حالة انتقالية دائمة. وفي هذا السياق، كان في وسع النظام إعادة إنتاج وتجديد نفسه، وإن من غير تغيير حقيقي، منذ استقلال البلاد في العام 1962.

ولكن المعطى الآخر، الذي لا يقل أهمية، يتمحور حول اهتمام المراقبين بمسألة تحرك المجموعات الجهادية على الحدود، وقد كانت السنوات الأخيرة شاهدة على تنقل عناصر من الجزائر إلى تونس، فقد تمكنت القوات الأمنية التونسية في 2015 من القضاء على عناصر إرهابية من كتيبة عقبة بن نافع وعلى رأسهم خالد الشايب المكنى بـ”لقمان أبوصخر”.

وقد أعاد حديث الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، عن الصدام المحتمل بين الأغنياء والفقراء في بلاه بشكل مستفيض واعتباره “قنبلة موقوتة”، للواجهة المشاكل والصعوبات التي تعيشها الجزائر، والناجمة أساسا عن فوارق اجتماعية تسببت بها عوامل عدة أبرزها هشاشة الاقتصاد وارتكازه على ريع النفط، واضمحلال دور الدولة الرقابي.

ويعد تأكيد تبون، في مقابلة إعلامية له في يوليو الماضي، على أن بلاده “تملك كفاءات على جميع المستويات”، وأن “الدولة لن تكون قوية وعادلة إلا بالقانون”، إلا أن ذلك يعني أن ثمة أشياء يجب أن تتغير في هذا البلد حتى تتحقق النهضة التي ينشدها الجميع، وتسد الباب أمام عودة “الأمراض الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية”.

وقبل سنوات قليلة فقط، روّج النظام السياسي في عهد الرئيس المخلوع عبدالعزيز بوتفليقة، للعديد من الشعارات الرنانة منها “جزائر العزة والكرامة”، و”إرفع رأسك يا أبي” في إشارة إلى النخوة والعزة التي عرف بها الشعب الجزائري.

دالية غانم: إهمال المناطق النائية سيستمر، فالجزائر في حالة انتقالية دائمة
دالية غانم: إهمال المناطق النائية سيستمر، فالجزائر في حالة انتقالية دائمة

لكن الممارسات والسلوكيات اليومية لفئة من الحكام والمحكومين أظهرت حجم الهوة بين الشعارات المرفوعة والحقيقة على الأرض المشفوعة بالقرائن والبراهين.

والنتيجة أن العشرات من كبار المسؤولين ورجال الأعمال والمئات من الموظفين من درجات سفلى تم جرهم إلى القضاء ثم الزج بهم في السجن بدعوى التورط في قضايا فساد، على رأسها تبديد المال العام والتلاعب بقوت الشعب الذي يتواجد أكثر من ربعه عند مستوى خط الفقر، بحسب البيانات الرسمية للحكومة.

وبعد الإطاحة بنظام عبدالعزيز بوتفليقة، لا يزال تشكيل الدولة في الجزائر عملية متواصلة، وخير دليل على ذلك الوضع في المناطق الحدودية الشمالية الشرقية من البلاد.

وتقول غانم إنه مع سماح المسؤولين الجزائريين في المناطق الحدودية بتهريب الوقود وبعض السلع الأخرى عبر الحدود مع تونس، ومع تبديد المهربين للتهديدات الأمنية حتى وهم يقومون بتجارتهم غير المشروعة، فإن الطرفين، أي المسؤولين والمهربين، اللذين يفترض أنهما خصمان، يكملّان في الواقع بعضهما البعض.

وترى المحللة الجزائرية، التي تتمحْور أبحاثها حول العنف والتطرّف السياسيين والتعصّب والإسلاموية والجهادية، مع تركيز خاص على الجزائر وعلى انخراط النساء في التنظيمات الجهادية، أن هذه العلاقة غير المعتادة تعزّز تدخّل الدولة في سبل عيش المواطنين حتى وهي تتلاعب بسلطة الدولة.

ومن بين النقاط الرئيسية التي تستدعي الانتباه، التفاعل بين سلطات إنفاذ القانون وبين المهربين، ما يدفع إلى التساؤل حول الحكمة التقليدية المتعلقة بالسلطة المركزية في دولة حديثة وحدوية.

وفي الجزائر، ظهر التهريب كجزء لا يتجزأ من عملية تشكيل الدولة المتواصل. ولكن إهمال الدولة ونقص الوظائف أبقيا معظم البلديات في المناطق الحدودية في شمال شرق الجزائر في حالة فقر وتخلّف. ونتيجةً لذلك، ضرب التهريب جذوره العميقة وبات بالنسبة إلى بعض العائلات مهنة تتوارث من جيل إلى جيل.

وقد أسفر تغاضي مسؤولي إنفاذ القانون عن التهريب عبر الحدود، مع الوقت، عن نشوء اقتصادٍ موازٍ، يشكّل اليوم معظم التجارة بين الجزائر وتونس.

وبالنسبة إلى سكان المناطق الحدودية الجزائرية، يوفّر تهريب السلع المحظورة من وإلى تونس مهنة هي في آن مبررة ومربحة، فالمهربون أنفسهم لا يعتبرون الحدود نقطة نهاية بلادهم وبداية بلاد أخرى، بل يُطلون عليها بكونها حاجزاً مصطنعاً من الضروري التحايل عليه.

ومن وجهة نظر السلطات المحلية، يعمل التهريب كصمام أمان يخفّف من بعض الضغوطات الاقتصادية التي يشعر بها سكان الأقاليم الشرقية المهملة. علاوةً على ذلك، يعزّز المهربون جهود الأجهزة الأمنية لإبعاد التهديد الثلاثي للمخدرات والأسلحة والجهاديين.

وبمعنى ما، فإن التحالف الضمني الذي تم تشكيله بين المهربين والسلطات المحلية يطمس التمييز بين ما هو قانوني وغير قانوني ويمحو النقاط على طول الحدود بين الجزائر وتونس.

أما في ما يتعلق بالصورة الأكبر، فهو يمنح الأطراف التي كان يفترض أن تكون هامشية، سواء المهربين العاملين في الظلال أو مسؤولي الحدود الوضيعين، القدرة على التحايل على السياسة العامة للدولة بطريقة منظمة ومستدامة.

7