المنافسات الرياضية حروب بيضاء تحولت إلى أفيون للشباب

يتعامل الشباب العرب مع الانتصارات الرياضية كما لو أنها إنجازات وطنية في معارك مصيرية، استطاعت أن تعيد لهم شيئا من الأمل في ظل المشكلات والأزمات التي تحيط بهم من كل جانب، وتوجد رمزا وطنيا مشتركا يؤجل الانقسامات السياسية بينهم لبعض الوقت.
الأحد 2017/11/05
عيون متعطشة للفرح

لندن – “تخيل أن تتقدم لضربة جزاء في الدقيقة الـ95 يمكن أن تنهي انتظار 28 عاما لشعبك المجنون بكرة القدم”، لا يشير المذيع البريطاني جون بينيت فقط في هذا التعليق إلى الموقف الصعب الذي واجهه لاعب المنتخب المصري محمد صلاح في اختبار ربما يكون الأصعب في حياته، بل أيضا ماذا يعني انتصار رياضي لشعب كامل.

بين الانجاز الرياضي وطريقة الاحتفاء به، احتارت وسائل الإعلام العالمية أيهما الحدث الأبرز والأهم، إذ تعامل الشباب المصري مع المنافسة الرياضية كما لو أنها معركة مصيرية، احتشدوا فيها وراء أحد عشر لاعبا، يقودون أحلام وأماني وطموحات هذه الشريحة المنهكة من الإحباطات وسلسلة المشكلات الطويلة والهزائم على كافة المستويات.

على مدى أيّام اجتاحت الاحتفالات جميع أنحاء المناطق المصرية، بعد فوز المنتخب في الثامن من أكتوبر، وللمرة الأولى منذ أعوام، نزل الآلاف للشوارع ذلك اليوم، واحتشدوا في ميدان التحرير الذي يملؤه أفراد قوات الأمن، في ظاهرة لم تشهدها أيّ احتفالات بإنجازات رياضية سابقة، وقد أعرب يورغن كلوب، المدير الفني لنادي ليفربول الإنكليزي، عن دهشته بالجماهير التي احتشدت بأعداد كبيرة في المدرجات، وقال “لم أشاهد مثل تلك الاحتفالات الجماهيرية من قبل”.

كرة القدم أكثر من لعبة

يفسر متخصصون بمتابعة سلوك الجماهير الرياضية بأن كرة القدم ربما للبعض لعبة، بينما هي للبعض الآخر تعتبر حلا ناجعا وسحريا للعلاج من الأمراض، ويستشهدون بدراسة أميركية جرت في عام 2008 وجدت أن أنسب حل لإيقاف نوبات الزهايمر للمريض هو استعمال ذكرياته مع كرة القدم. وقد كانت النتائج مبشرة، حتى أنه في كل دار للمسنين توجد شاشات عرض لمتابعة المباريات في كل أوروبا.

وفي عام 2007 أخذ فوز المنتخب العراقي لكرة القدم بلقب بطل آسيا بعدا إنسانيا أشاد به كبار الرياضيين والسياسيين في العالم.

وقال رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم الأسبق جوزيف بلاتر “إن الإنجاز الذي حققه المنتخب العراقي بفوزه ببطولة آسيا يوضح أن كرة القدم لها قدرة كبيرة على توحيد الناس فهي تعزز المشاعر الوطنية لأناس عانوا من الحروب الطائفية لأعوام طويلة”.

النزعة الرياضية لا تقتصر على الانتصارات، ففي حالة الهزيمة أيضا تنقلب الأمور كما لو أنها كارثة وطنية

وعبارة “توحيد الناس” هي جوهر المشكلة والقضية الأساسية التي تختصر أوجاع الشباب في المنطقة العربية، كما يراها محمد سعيد من مصر، وهو طالب في كلية الإعلام جامعة القاهرة.

ويرى سعيد أن احتفالات المصريين بالتأهل لكأس العالم في مصر بهذه الطريقة، تشير إلى مدى تعطش الشباب للفرح، وهو بمثابة تعويض عن الهزائم اليومية التي يعيشها، فتحول الانجاز الرياضي إلى انتصار وطني لدرجة أن البعض على مواقع التواصل الاجتماعي، طالب بالاحتفال به كمناسبة وطنية.

وأضاف سعيد في تصريحات لـ”العرب”، أن “الإنجاز الأهم بالنسبة إليّ هو توافق الشباب وتوحيدهم وراء رمز وطني معين في زمن الانقسامات السياسية التي تعيشها البلاد، والابتعاد ولو مؤقتا عن تراشق الاتهامات والشتائم بين مختلفي الرؤى على المواقع الاجتماعية”.

وأشار إلى حادثة تعبّر بشكل واقعي عمّا يعنيه هذا الإنجاز للبعض قائلا “سأموت من الفرحة ليست مجرد كلمة، لكنها أصبحت حقيقة مع قصة عم صلاح الذي توفّي في ملعب المباراة بسبب فرحته بهدف تأهل مصر لكأس العالم”.

ويؤكد علم النفس أن المنافسات الرياضية هي “حروب بيضاء وبريئة، تبحث عن متنفسات سلمية ومشروعة للطاقة، لكن انتصاراتها، وكذلك هزائمها ليست بديلة عن التاريخ”.

ويميز الباحث المغربي في علم النفس، مصطَفَى شكدالي، بين كرة القدم ونزعة كرة القدم، ويعطي مثالا في الحالة المغربية “حينما نقول إن أحد عشر لاعبا يمثلون أكثر من ثلاثين مليون مغربي، فإن في ذلك شيئاً من المغالطة، لا تبقَى معه المسألة منسحبة على فريق كروي من عدة لاعبين فقط، بل تتخطاه إلى دولة في مواجهة أخرى”.

ويضيف شكدالي، “خير دليل على ذلك؛ ألقاب الفرق، خاصة الأفريقية منها، وهي أسماء الحيوانات والمحاربين، على نحو نجد معه أنفسنا إزاء حرب رمزية تنتفي معها الروح الرياضية، في ظل اشتغال وسائل الإعلام على إبراز النزعة الطاغية، دونَ الرياضة، التي تبقَى غائبة في نهاية المطاف”.

ويرى أن المحصلة هي دغدغة مشاعر الشعوب وعواطفها، إلى مدى يمكن معه القول إن كرة القدم حلت مكان كثير من الأيديولوجيات، وأصبحت بمثابة أفيون للشعوب، وبالتَالي يجب النظر إلى الظاهرة في بعدهَا النزعوي لا الرياضي الصرف.

وذهب الباحث إلى اعتبار أنَّ “الحديث عن جمهور كرة القدم يضعنا، أمام جمهور يبحث في العمق عن فرح، حتى وإن كانَ فرحاً زائفاً، فالمتحدث يقول ‘لعبنا’ بدل ‘لعبوا’، ويتحدث بصيغة الجمع في حين أنه ليس المعنيّ المباشر باللعب وإنما اللاعبون، وهذه الإحالة علَى الانتماء بها مغالطة كبيرة جدا”.

ويوافق مازن خريج علم الاجتماع من مصر، على أن الألعاب الرياضية أحيانا، تقوم بدور “المخدر الاجتماعي الذي يخفف من أعباء المشكلات على الشباب”.

السياسة تقتنص الفرصة

ويقول في تصريحات لـ”العرب”، “نواجه حاليا ظاهرة لدى البعض من الشباب، وهي البحث عن ‘المخلّص’ في شخصية الزعيم أو القائد أو الحاكم للالتفاف حوله، لكن انتقال هذه الصورة إلى نجم كرة القدم، بين ليلة وضحاها، بعد الإنجازات الرياضية الأخيرة، يشير إلى أن هناك مشكلة فعلية لدى الشباب، الذين يبحثون عن أيّ إنجاز يمثلهم وكأنه تحقيق لحلم شخصي لكل منهم، في ظل حالة اليأس والإحباط، والظروف الاجتماعية والسياسية الصعبة، ومعاناة البلاد من الهجمات الإرهابية المتكررة”.

المتنفس الوحيد

ورأى مازن أن طريقة احتفال الشباب ليست أمرا مبالغا به، لأن الانتصارات الرياضية تبدو المتنفس الوحيد في هذا الوضع.

وتعتبر الحالة المصرية أشبه بالعامة في المنطقة العربية مع اختلاف النسبة بين دولة وأخرى، حيث انتقلت عدوى المهرجان الرياضي من مصر إلى أغلب الدول العربية، وأثارت شهية الكثيرين بمن فيهم السعوديون الذين سبقوا المصريين بالتأهل لكأس العالم، واعتبروا أن الإنجاز الرياضي تضاعف بالنسبة إليهم مع تأهل الفريق المصري، وضج موقع تويتر الأكثر شعبية بين الشباب في السعودية بصور وأشرطة فيديو تشير إلى حالة التضامن هذه.

وعلق الكاتب السعودي سلمان الدوسري على حسابه في موقع تويتر قائلا “لم تكن مباراة فحسب.. لم تصل مصر في كاس العالم فقط، بل داوت جروحها، واصلت صمودها، هزمت خصومها…إنها مصر، لا تنكسر وإن أجرموا في حقها”.

بدوره يرى خالد الشمري‏ أن الأوضاع مختلفة بعض الشيء، بين مصر والسعودية، لهذا كانت طريقة احتفاء الشباب مختلفة، لكنه أكد أن حالة التضامن الجماهيري السعودي مع مصر، تمثل انعكاسا للتوافق الشعبي والسياسي بين البلدين، لا سيما مع إعلان الحرب المشترك على الإرهاب. وأضاف أن الرياضة تساهم بتقوية الروابط بشكل حقيقي.

وعزز وجهة النظر هذه، تعليق لأحد الشباب قال “رغم أن منتخبي السعودية تأهل لكأس العالم بس الحقيقة دمعت عيني لمنتخب مصر أمّ الدنيا الأبطال. إن فرحتنا مشتركة بتأهل السعودية ومصر تأهلت لكاس العالم والهلال السعودي لنهائي كاس أسيا والأهلي لنهائي أفريقيا”.

وعلى الضفة الأخرى كانت الحالة السورية هي الاستثناء، فقد كسرت كل القواعد ابتداء من المنافسات الرياضية نفسها إلى الجمهور المتابع، فرغم عدم نجاح المنتخب السوري في التأهل لكأس العالم، إلا أنه بلغ التصفيات النهائية لأول مرة في تاريخه في ظروف تعتبر استثنائية، ونظر إليه السوريون على أنه إنجاز بحد ذاته.

لكن المفارقة أن ما اعتبر انتصارا أو إنجازا لقي إشادة واسعة وتضامنا من قبل المتابعين والشباب العرب الذين قالوا إن المنافسات الرياضية لا علاقة لها بالسياسية، بينما انقسم السوريون أنفسهم حول الحدث، وحتى المعارضين للنظام أيضا انقسمت آراؤهم بشأن تشجيع المنتخب، ومن يمثل.

ويقول سامر وهو شاب مقيم في دمشق، “المنتخب السوري يمثل كل السوريين ولا نريد أن نقحم السياسة في الرياضة، هي فرصة لتوحيد السوريين بعد كل هذه الانقسامات، والشباب متعطشون لجرعة أمل وفرح مع كل هذا الوجع والألم الذي نعايشه يوميا”.

الخسارة تكشف غياب الثقافة الرياضية ومفهوم الربح أو الخسارة المعتادة في هذه المنافسات، ومدى هشاشة الشباب النفسية، وعدم قدرتهم على الاعتراف بالأخطاء بطريقة حضارية

من جهته، يقول فراس وهو سوري مقيم في السويد، إنه لا ينتمي لأيّ جهة سياسية، لكنه لم يستطع الشعور بالفرح والتفاؤل ولا يعنيه أيّ انتصار رياضي في الظروف البائسة الحالية في سوريا، رغم كل الضجيج الذي أثير حول الموضوع.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، “عندما سمعت بالاحتفالات في سوريا وكم قتل أناس خلالها، تمنيت أن لا يربح المنتخب، حتى لا يزيد إطلاق الرصاص الطائش والقتلى مع زيادة الفرح، شبعنا من الموت ولا نحتاج موتا إضافيا بطعم الانتصار الرياضي”.

وتابع “لو كان الوضع طبيعي أكيد أتمنّى أن يكون اسم بلدي في المقدمة، لكن الاحتفالات بمثابة الضحك على الذقون، وهناك أشياء أهم من الرياضة نحن بحاجة إليها، والعمل عليها”.

تسييس الرياضة

من جهتها قالت لينا، “كان مزعجا ومثيرا للاستياء تدخل السياسة في الرياضة، كنا نتمنى لو بقي المنتخب السوري لكل السوريين، لكن النظام سيّس الموضوع لصالحه، وتعامل معه كما لو كان إنجازا عسكريا، فسرق من السوريين فرحتهم”.

ولا تقتصر النزعة الرياضية على الانتصارات، ففي حالة الهزيمة أيضا تنقلب الأمور كما لو أنها كارثة وطنية، وفق ما يرى طارق من تونس.

ويقول “يتعامل الشباب العرب مع حالة خسارة الفريق على أنها هزيمة حرب أو فضيحة كبرى، وتنصب المشانق ويبحث الجمهور عن أكباش الفداء من المدربين أو اللاعبين، ولا وجود للروح الرياضية إلا في وسائل إعلام الفرق المنتصرة”.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، “الخسارة تكشف غياب الثقافة الرياضية ومفهوم الربح أوالخسارة المعتادة في هذه المنافسات، ومدى هشاشة الشباب النفسية، وعدم قدرتهم على الاعتراف بالأخطاء بطريقة حضارية”.

ويرى محمد من تونس، أن الروح الرياضية في الملاعب غائبة تماما، وهي نتيجة طبيعية للإحباط الاجتماعي الذي يشعر به الشباب مع المصاعب الأخرى وفقدان الأفق والحلول.وأضاف، طريقة التعامل مع المنافسات الرياضية والربح والخسارة هي انعكاس مباشر للسلوك الاجتماعي في الشارع والجامعة والمدرسة وأماكن العمل، ولا يتعلق الأمر بالرياضة بشكل منعزل.

19