المنافسة تهدد عرش نتفليكس للبقاء في قمة البث التلفزيوني

نتفليكس تحتاج إلى نمو هائل لتغطية نفقاتها بعد تراجع عدد المشتركين، كما أن خدمة البث مجبرة على تطوير محتواها.
الأربعاء 2018/08/01
نتفليكس تحاول أن تقدم عروضا تجذب المشاهد

تعمل شركة “نتفليكس” للبث التلفزيوني والمواد الترفيهية عبر خدمة الاشتراك الرقمي بعد أن سجلت تراجعا مفاجئا في عدد المشتركين في الخدمة، من أجل تغطية نفقاتها ومصاريف الإنتاج، حيث تحتاج إلى نمو هائل للحفاظ على مرابيحها السنوية، أمام تحرك الشركات المنافسة مثل كومكاست وديزني لتقديم عروض أفضل بمحتوى يغري المستثمر والمشاهد معا، على غرار استحواذ موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وانستغرام وسنابشات التي هي على ملكه، وأيضا موقع يوتيوب على اهتمام الأجيال الناشئة.

 لندن – أحدثت نتفليكس، شركة الترفيه المنزلي الأميركية العاملة في مجال بث الفيديو عبر الإنترنت، منذ ظهورها ثورة ضد برامج التلفزيون وتسببت في زعزعة هوليوود بسبب منافستها لدور السينما العالمية، حيث لم يعد المشاهد مجبرا على أن يرتاد صالات السينما لمشاهدة فيلمه المفضل، إذ باستطاعة نتفليكس أن تقدم له العرض في منزله، وباتت هذه الخدمة بمثابة تحد لتاريخ السينما التقليدي فيما يشيد متابعون للمجال الفني بها ويعتقدون أنها تشكل “مستقبل السينما، وعلى السينمائيين الاعتراف بضرورة العصرنة”.

لكن في الأسبوع الماضي جاء دور خدمة الستريمنغ لتتزعزع هي الأخرى، إذ شهدت أسهم إمبراطورية البث الإلكتروني وصانعة الأشياء الأغرب انخفاضا حادا، بعد الفشل المفاجئ المسجل في بلوغ الأهداف المرسومة المتعلقة بعدد المشتركين.

سيل من المحتوى من إنتاج نتفليكس (700 برنامج تلفزيوني و80 فيلما هذا العام وحده) حافظ على اشتراك المعجبين وسمح بأن تظل نتفليكس محبوبة المستثمرين، بيد أن الأرقام المسجلة الأخيرة أحيت الشكوك في نموذج الأعمال لهذه الشركة الأميركية ومدى قدرتها على الاستمرارية والحفاظ على شعبيتها.

أمام هذا الواقع الجديد يتوجب على نتفليكس التغلب على جملة من التحديات إذا أرادت أن تحافظ على إيراداتها المقدرة بـ165 مليار دولار (127 مليار جنيه إسترليني)، وهي التحديات التي يشرحها مارك سويني، الصحافي البريطاني، في تقريره على صحيفة الغارديان.

وتراجعت أسهم نتفليكس بعد أن أثر نمو ضعيف للمشتركين سلبا على الأسهم المرتبطة بالإنفاق على السلع غير الأساسية، وانعكس انخفاض أسهم نتفليكس بدوره على بورصة وول ستريت الأميركية، الأمر الذي دفع الكونغرس الأميركي إلى طلب الإصغاء إلى شهادة رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي).

 ومع ذلك حافظت الشركة على إضافة 5.2 مليون مشترك جديد على المستوى العالمي، ونظرا إلى أرباحها التي قدرت خلال الربع الثاني من العام الجاري بـ380 مليون دولار بما يعادل 0.85 دولار للسهم الواحد، فإن تراجع عدد المشاركين في الخدمة لا يثير القلق ولم تبلغ الخدمة مرحلة الأزمة.

أزمة مالية

تيم موليغان: نتفليكس تحتاج إلى الانتقال إلى أجناس محتوى شركات التلفزيون التقليدية إذا أرادت أن تكون بديلا حقيقيا، وليس مجرد خدمة إضافية
تيم موليغان: نتفليكس تحتاج إلى الانتقال إلى أجناس محتوى شركات التلفزيون التقليدية إذا أرادت أن تكون بديلا حقيقيا، وليس مجرد خدمة إضافية

كان المحللون يتوقعون وصول أرباح الشركة إلى ما يعادل 0.79 دولار للسهم الواحد. وتقوم حجة نتفليكس للاستثمار على البقاء في وضع النمو العالي المستمر والمريح، يعني ذلك الاستمرار في القدرة على كسب مشتركين جدد، موسما بعد موسم، لكن مع تحول المشترك “السهل” في الولايات المتحدة والأسواق الأوروبية الكبرى باتت هذه المهمة صعبة بالنسبة إلى نتفليكس.

ويشير ريشارد براوتون المحلل في دار أمبير للنشر إلى “أن التحدي الكبير أمام نتفليكس هو الحفاظ على النمو على المستوى العالمي”.

ويتعين على نتفليكس أن تعمل بجد أكبر لكسب مشتركين جدد، وتعني طبيعة انخفاض تكلفة خدمة البث التدفقي -ستريمنغ- (يتكلف اشتراك الامتياز 9.99 جنيه في الشهر في المملكة المتحدة و13.99 دولارا في الولايات المتحدة) أنها تحتاج إلى نمو هائل لتغطية تكلفة المحتوى الذي تقدمه.

وتنتقي نتفليكس البرامج والأفلام التي تثق في قدرتها على جذب الحرفاء والمشتركين الجدد، وهو ما يحفزها على إنتاج محتوى سينمائي أو تلفزيوني جذاب يغري الجماهير.

وبلغت ميزانية المحتوى لدى نتفليكس العام الجاري 8 مليارات دولار، حيث يكلف جلب نجم من هوليوود مثل ويل سميث لفيلم خيال علمي مثل “برايت” الكثير من المال، وفي السنوات الأخيرة تم الترفيع فيها بمبلغ مليار دولار في السنة. وهكذا علقت نتفليكس في دائرة إنتاج مكلفة.

وتحاول الخدمة استقطاب المشاهير المؤثرين في عالم الفن والسياسة، ومؤخرا أبرم الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وزوجته ميشال اتفاقا مع نتفليكس على عدة سنوات لإنتاج أفلام ومسلسلات وأعمال وثقائية لحساب هذه المنصة من أجل بث الأفلام مباشرة عبر الاشتراكات.

ولم يتم الكشف عن قيمة العقد إلا أن الصحف الأميركية المتخصصة قارنته بعقدين رئيسيين أبرمتهما نتفليكس أخيرا. فقد تمكنت المنصة من استقطاب المنتج الناجح راين وري بدفع 300 مليون دولار على خمس سنوات فضلا عن المنتجة شوندا رايمس، بدفع مئة مليون دولار على أربع سنوات.

كما أعلنت خدمة البث التلفزيوني عبر الإنترنت في أبريل الماضي أن سوزان رايس المستشارة السابقة للبيت الأبيض لشؤون الأمن القومي وسفيرة الولايات المتحدة السابقة لدى الأمم المتحدة وافقت على الانضمام إلى مجلس إدارة الشركة، ما أثار استياء المحافظين.

وقالت رايس “أنا سعيدة جدا بالانضمام إلى مجلس إدارة نتفليكس، وهي شركة عصرية أحترم بعمق قياداتها وإنتاجاتها ذات الجودة العالية وثقافتها المتميزة”.

 ويبدو أن رهان نتفليكس على الشخصيات المرموقة يكلفها مصاريف ضخمة، إذ أنها تكافح من أجل جسر الهوة بين العائدات وتكلفة المحتوى المتنامية، وتقدر مؤسسة أمبير للنشر مصاريف نتفليكس الإجمالية بين 30 و33 مليار دولار، وثلث ذلك المبلغ ديون في حين أن معظمه التزامات برمجة.

وارتفع جبل ديونها من 300 مليون دولار في مارس 2016 إلى قرابة 9 مليارات دولار في نهاية الربع الثاني من هذا العام. وفي أبريل الماضي أصدرت سندها الخامس خلال ثلاث سنوات، وهو ما أضاف 1.9 مليار دولار دينا جديدا.

وأعلنت نتفليكس عن أرباح ينتظر أن تكون في حدود مليار دولار للعام الجاري، ويرجع ذلك إلى قدرتها على توزيع تكاليف إعداد البرامج على عدة سنوات. وستكلفها تعهداتها الإجمالية لإعداد واقتناء تراخيص المحتوى التلفزي والسينمائي 18 مليار دولار على مدى السنوات القليلة القادمة، ولديها أيضا تكاليف بين 3 و5 مليارات دولار تتوقع دفعها وتتعلق “بصفقات إنتاج الأفلام التقليدية أو اتفاقيات الترخيص لمسلسلات تلفزيونية معينة لا يعرف عدد المواسم التي ستبث فيها”.

وتتوقع نتفليكس تدفقا حرا سلبيا للسيولة بين 3 و4 مليارات دولار هذا العام، وهو ما يعني أن المبلغ الذي تدفعه على المحتوى والتسويق وتكاليف أخرى عام 2018 سيتجاوز ما تجنيه من عائدات المشتركين (16 مليار دولار) بثلاثة مليارات دولار على الأقل.

المنافسون بالمرصاد

الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وزوجته ميشال آخر المنضمين إلى فريق نتفليكس
الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وزوجته ميشال آخر المنضمين إلى فريق نتفليكس

في الأيام الأولى لبناء إمبراطورية بث بتقنية ستريمنغ تمكنت نتفليكس من الحصول على حقوق البرامج التلفزيونية والأفلام بثمن رخيص، ولم يتمكن أصحاب الحقوق والمنافسون المستقبليون من تحديد الإمكانيات العالمية لحقوق الاشتراك في الفيديوهات حسب الطلب، ومن ثم ازدهرت نتفليكس.

لكن في الوقت الحالي ارتفعت قيمة هذه الحقوق بشكل كبير وهو ما زاد في ميزانيات المحتوى لدى نتفليكس وغذى نزوعها إلى إنتاج محتواها الخاص بها.

وصممت هذه الاستراتيجية أيضا لتساعد على المحافظة على شعبية نتفليكس بما أن بعض الشركاء يسحبون المحتوى لأنهم أصبحوا يرون أن نتفليكس باتت خطرا يهدد طموحاتهم.

وفي العام الماضي قالت شركة دزني بأنها ستسحب كل محتوياتها من نتفليكس في الولايات المتحدة في الوقت الذي تحاول فيه إطلاق خدمتها المنافسة الخاصة بها.

وقدمت ديزني عرضا بقيمة 71 مليار دولار لشراء فوكس المملوكة من قبل روبرت ميردوخ والتي تضم الأستوديو الذي كان وراء أفلام من قبيل” اكس-مان وديدبول وبرامج تلفزيونية مثل “ذي سيمبسونس” للسيطرة على المحتوى الأكثر قيمة لتزويد خدمتها والمزيد من سد المنافذ على نتفليكس.

واضطرت ديزني إلى تحسين عرضها الشهر الماضي بعد أن قدمت كومكاست -أكبر شركة في قطاع تلفزيون الكابل في الولايات المتحدة- عرضا قيمته 66 مليار دولار للاستحواذ على حقوق سلاسل الأفلام والعروض التلفزيونية الشهيرة لفوكس مثل “الرجال اكس” و“عائلة سمبسون”.

كانت المزايدة بين كومكاست وديزني جزءا من معركة أكبر في قطاع الترفيه في الوقت الذي تنفق فيه شركات الإعلام عشرات المليارات من الدولارات على صفقات للتنافس مع نتفليكس وأمازون.كوم.

وحصل عرض ديزني، الذي يتضمن مبالغ نقدية وأسهما، بالفعل على موافقة الجهات التنظيمية الأميركية. وفي اتفاق مع وزارة العدل الأميركية قالت ديزني إنها ستتخارج من 22 شبكة رياضية إقليمية تابعة لفوكس.

وعلى الرغم من أن الميزانيات الضخمة المتوفرة لنتفليكس -حيث تكلفت السلسلة الأولى من “التاج” 100 مليون دولار، وفتحت عصرا ذهبيا جديدا للتلفزيون- تسببت كذلك في استثمار مكلف للمواهب الممتازة على الشاشة وخارج الشاشة بسبب احتدام المنافسة من أمازون وأبل.

ويعلق تيم موليغان المحلل في مؤسسة “ميديا ريسارتش” قائلا إن “نتفليكس قامت باستثمارات ضخمة وتسببت في تضخم سوق الدراما المكتوبة، بيد أن هذا ميدان فقاقيع تقليدي”.

وتبلي نتفليكس بلاء حسنا في تنافسها مع شركات التلفزيون التقليدية حيث كشفت بي.بي.سي في وقت سابق من هذا العام أن الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عاما يقضون وقتا أطول مع خدمة ستريمنغ الأميركية في الأسبوع مقارنة بما يقضونه مع كل القنوات التلفزية لبي.بي.سي بما في ذلك بي.بي.سي أي بلاير.

وحققت البرامج الموجهة للشباب مثل “الأشياء الأغرب” و”ثلاثة عشر سببا” نجاحات كبرى لكن نتفليكس تواجه البعض من الضغوط الناجمة عن التحول السريع في عادات المشاهدة بين الأجيال.

ووجد البحث الذي قامت به بي.بي.سي أن أكثر من 80 بالمئة من الأطفال يذهبون إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل من أجل المحتوى حسب الطلب (ويذهب نصفهم الى نتفليكس أيضا). وفي الأسبوع الماضي كشف منظم وسائل الإعلام “أوفكوم” أن من أعمارهم بين 16 و34 عاما يشاهدون قسطا أكبر من المحتوى الذي لا يبث على الهواء (مثل خدمات ستريمنغ والبرامج التلفزيونية المتداركة والبرامج حسب الطلب) مقارنة بالبرامج التلفزيونية المبرمجة التقليدية. ومرة أخرى يوتيوب هو الرابح الأكبر إذ يستحوذ على أعلى نسبة من المشاهدة التي لا تبث على الهواء ضمن هذه الفئة العمرية.

وكشف بحث بي.بي.سي أن الأطفال بين سن الخامسة والخامسة عشرة يقضون وقتا أطول كل أسبوع على الإنترنت (15 ساعة و18 دقيقة في المتوسط) من الوقت الذي يقضونه وهم يشاهدون التلفزيون التقليدي أو التلفزيون عن طريق تقنية ستريمنغ (14 ساعة).

وتتنافس كل وسائل الإعلام حاليا لجذب المتلقي والمشاهد، ونلاحظ على شبكة الإنترنت أن انستغرام وسنابشات اللذين على ملك فيسبوك هما المهيمنتان حاليا على اهتمام الأجيال الأصغر سنا.

وتجدر الإشارة إلى أن من الأسباب الأساسية للنمو السريع الذي حققته نتفليكس معلوم الاشتراك الرخيص الذي تضعه على ذمة حرفائها، إذ أن قيمة 7.99 جنيه إسترليني في الشهر يراها كثيرون صفقة رابحة للنفاذ إلى نطاق واسع من المحتوى وجلب المزيد من المشتركين.

وكشفت مؤسسة أوفكوم أن المشتركين في خدمات ستريمنغ مثل نتفليكس وأمازون تجاوزوا أعداد المشتركين في خدمات التلفزيون، في مقابل الوسائل التقليدية مثل سكاي وفيرجن ميديا لأول مرة، بيد أن طبيعة التكلفة المنخفضة لنتفليكس تعني أن المشتركين يختارون في الغالب اعتمادها كخيار إضافي، فغالبا ما يحافظ المشاهدون على اشتراكهم التلفزيوني الأساسي الذي هو أغلى، لكنه يوفر محتوى أوسع مثل مباريات كرة القدم الحصرية وخدمات الأخبار.

ويعتقد بعض المحللين أن نتفليكس تحتاج إلى تطوير المحتوى الذي تقدمه وتصبح أشبه بشركات التلفزيون التقليدية من أجل أن تصبح خدمة “يتوجب امتلاكها”.

ويقول موليغان “نتفليكس هي المشوش على التلفزيون يشاهدها الجميع ليروا ما يفعلون لاحقا، وللانتقال إلى المستوى الموالي هم في حاجة إلى إضافة الأخبار العالمية والرياضية للمحتوى المعروض”.

لكن من شأن تطوير الخدمة أن يبرر الزيادات في تكاليف الاشتراك التي لا مفر منها، ويتعين على نتفليكس اعتمادها بينما تناضل باستمرار من أجل تغطية نفقاتها.

وتجرب الشركة حاليا اشتراك “الخارق” ذي الدقة العالية في أوروبا بتكلفة بين 16.99 و19.99 يورو شهريّا في ألمانيا وإيطاليا، مع العلم أن شركات التلفزيون التقليدية بمقابل مثل سكاي التي بنت مشروعها في الأصل على حقوق البث الحصري للرابطة الأولى توظف مبالغ اشتراك تصل إلى 100 جنيه إسترليني، بالرغم من أن ذلك يضم أيضا تكاليف خطوط الهاتف الأرضية ونطاق الإنترنت الواسع.

وأوضح موليغان أن الاستراتيجية طويلة المدى لدى نتفليكس تتمثل “في ضرورة زيادة عائداتها المالية من المشتركين، فهي تحتاج إلى الانتقال إلى أجناس المحتوى المختلفة لتكرار رحلة شركات التلفزيون التقليدية بمقابل”. وختم بقوله “إنها تحتاج إلى سلسلة كاملة من المحتوى إذا أرادت أن تكون بديلا حقيقيا، وليس مجرد خدمة إضافية”.

12