المناهج الدراسية في مصر خارج العصر وتحض على التكفير

تردد الحكومة المصرية رغبتها في تجديد الخطاب الديني في مناسبات عدة، وفي نفس الوقت تغفل مناهج دراسية ترسخ مسوغا للجهاد والاسترقاق والتكفير والقتل حرقا في مناهج التربية الدينية للتعليم العام ومناهج فقهية مقررة لطلاب التعليم الأزهري، وهو ما يقود إلى فشل حكومي في حسم قضية محورية تصم المجتمع بالتشدد.
الثلاثاء 2016/09/27
حيرة بريئة أمام قصف المتشددين الذي لا يتوقف

القاهرة - يسارع المسؤولون العرب إلى تبني خطط لتجديد الخطاب الديني في بلادهم، لكن قليلين فقط من يدركون أن أي تجديد مؤثر يبدأ من المناهج الدراسية.

واختصر قرار العاهل المغربي الملك محمد السادس بمراجعة كتب التربية الإسلامية، وتغيير مسمّاها إلى “التربية الدينية” وحذف ما يحضّ على العنف ونبذ الآخر، الطريق كثيرا نحو تعميم خطاب ديني أكثر تسامحا.

وجاء القرار ليختتم خطة طويلة الأمد كانت تهدف إلى تحرير المساجد المغربية من سيطرة السلفيين، بالإضافة إلى الحيلولة دون تمدد الأفكار المتشددة في المجتمع.

وفي مصر تبدو المؤسسات الدينية التي تعوّل عليها الحكومة في تجديد الخطاب عاجزة عن تقديم لغة مختلفة لمناهج تتسم بالتشدد الديني في التعليم العام والأزهري، وفقا لخبراء في التعليم.

وتضم هذه المناهج دروسا جامدة ونصوصا وقصصا تبعث على التطرف وتغذية العنف والكراهية ضد الآخرين. لكن المؤسسات التعليمية المصرية لا تبدو مهتمة كثيرا بدعاوى تغيير المناهج، وتعتبرها “هجوما غير مبرر”.

وفي كتاب التربية الدينية، المقرر للصف الرابع الابتدائي من التعليم العام، يؤكد مؤلف الكتاب أن “غير المسلم يعني كافرا”، وهو ما يرسّخ في أذهان الأطفال نبذ كل ما يختلف مع العقيدة الإسلامية.

وفي كتاب آخر بعنوان “الاختيار لتعليل المختار في فقه أبي حنيفة”، مقرر للصف الثالث من التعليم الثانوي الأزهري، يقول المؤلف عند حديثه عن الفتوحات “إذا فتح الإمام بلدة عنوة إن شاء قسمها بين الغانمين، وإن شاء أقر أهلها عليها ووضع عليهم الجزية وعلى أراضيهم الخراج، وإن شاء قتل الأسرى أو استرقهم أو تركهم ذمة للمسلمين، ولا يفادون بأسرى المسلمين ولا بالمال إلا عند الحاجة، وإذا أراد الإمام العودة ومعه مواش يعجز عن نقلها ذبحها وحرقها وحرق الأسلحة”. والكتاب من تأليف عبدالله بن محمود بن مودود بن محمود أبي الفضل مجد الدين الموصلي، الذي توفي عام 683هـ، ويبلغ عدد صفحاته 1156 صفحة. وبالإضافة إلى النصوص الفقهية، ترسخ النصوص غير الدينية أفكارا عدائية أثارت ضجة واسعة.

آمنة نصير: لا تجديد للخطاب الديني دون تحديث جميع المناهج الدراسية وإزالة النصوص المتشددة منها

وقبل ضجة إعلامية واسعة، كان طلاب الصف الثالث من الابتدائي يدرسون في كتاب اللغة العربية قصة تحكي صراعا بين العصافير والصقور انتهى بوضع العصافير خطة لاستدراج الصقور ودعوتها لتقدم لها فراخها الصغار داخل خيمة كقرابين، ثم تركوها داخل الخيمة، وخرج ملك العصافير ووزراؤه منها، قبل أن يأمر الملك بإشعال النيران فيها وقتل الصقور حرقا.

وقالت وسائل إعلام محلية إن هذه القصة تسوغ العقاب عبر القتل حرقا بعدما قتل تنظيم داعش في سوريا طيارا أردنيا حبيسا في قفص حديدي عبر إشعال النيران فيه مطلع العام الماضي. وتم إلغاء هذا الدرس من المدارس المصرية لاحقا.

وتقول آمنة نصير، عضو البرلمان المصري وأستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الأزهر، “إنه لا تجديد للخطاب الديني دون تحديث جميع المناهج الدراسية وإزالة النصوص التي تربي النشء على التطرف ونبذ الآخر وتثير الفتن بين أبناء المجتمع، فعندما يتعلم الطالب أن زميله المسيحي شخص كافر ويقرأ في كتب أخرى أن الكفار أعداء الإسلام تجب مواجهتهم، فمن الممكن أن يربط هذا بذاك وتترسخ بداخله فكرة أن مواجهة المسيحي واجبة وأنه مواطن بلا حقوق. أين إذن الوسطية والسماحة واحترام الآخر؟”.

وأضافت نصير لـ”العرب” أنه “لا يمكن الحديث عن تجديد للخطاب الديني لاستهداف فئات محددة من المجتمع (الشباب وكبار السن مثلا)، دون الأخذ في الاعتبار الأبناء الصغار الذين يكبرون على ما تربوا وتعلموه من أفكار قد تقودهم إلى الانضمام إلى جماعات متطرفة”.

وتحضّ الكثير من المناهج الدراسية، خصوصا في المعاهد الأزهرية، على “الجهاد ضد أعداء الإسلام”، وتضفي مسوغات شرعية مدعومة بأحاديث نبوية وآيات قرآنية وقصص من التراث الإسلامي.

ويقول باحثون ومثقفون إن الكثير من المناهج الدراسية في مصر مازالت تضم نصوصا حول الأحكام المتعلقة بالرق والاسترقاق والذمة والجزية على غير المسلمين وعقوبة الردّة. وقالوا إن هذه النصوص كانت سببا في حدوث هجمات في البعض من القرى ضد الأقباط وممتلكاتهم.

وقالت هناء صلاح، التي يدرس ابنها في المرحلة الإعدادية بالتعليم العام في القاهرة، إن ابنها “بات يخاف من الإقدام على قراءة كتاب التربية الدينية لما يحتويه من نصوص جامدة ومتحجّرة لا تعبّر عن الحياة العصرية”.

وغالبا ما يتسم معلمو التربية الدينية بالتجهّم والتعامل بجفاء مع الطلاب، إذ يتم إجبار الطلاب على حفظ آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية، بينما يغيب الحديث في أغلب الوقت عن الأخلاق والسماحة التي تقرها الأديان السماوية.

وقالت هناء صلاح لـ”العرب” إنها “تخشى أن تكون كراهية الطالب لما تحويه المناهج التعليمية الدينية من انغلاق بداية لطريق الإلحاد والتمرد على الدين، لا سيما وأن الخوف من هذا المحتوى التعليمي وصل إلى حد المرض، إذ تزخر قصص التراث الإسلامي بعدد القتلى وسفك الدماء والتعامل بالعنف مع معارضي العقيدة الإسلامية”.

لكن محمد كامل، وهو معلم لغة عربية وتربية إسلامية، دافع عن “جمود المعلمين” في شرح النصوص الدينية، واتهم المناهج نفسها بأنها “لا تواكب العصر”، وبالتالي فالمعلم مجبر على تقديم هذا المحتوى للطلاب دون تغييره.

وأكد أن الدروس الدينية لم تعد مرتبطة بالواقع ومنها ما يحض على “القتل والحرق”، وبعضها يعلّم الطلاب أخذ الحق بالقوة وليس بالقانون، وبينها ما يتنافى مع سماحة الإسلام ويروج بشكل غير مباشر إلى “أن الإسلام انتشر بالمعارك والسيوف”.

وأشار لـ”العرب” إلى أن ما تسوقه البعض من الدروس من الحث على قتال الكفار، يدفع الطالب في هذه السن الصغيرة إلى تصور أنه مع كل انتقام من المخالفين لشريعته، فإنه يجاهد في سبيل الله.

17