المنتج السينمائي عروة نيربية يعلن انتصار الثورة السورية

الخميس 2014/12/04
فيلم "ماء الفضة" أحد نتاجات عروة نيربية السينمائية

دمشق - حملة دولية هائلة تلك التي اشتعلت للمطالبة بإطلاق سراح المنتج عروة نيربية من سجون الأسد، الذي انتقل بعدها إلى القاهرة ثم إلى برلين ليتابع عمله في إنتاج الأفلام التسجيلية، نيربية أحد مؤسسي مهرجان السينما التسجيلية في دمشق “doxbox” ومن أهم الناشطين في مجال السينما السورية الحرة خارج قبضة النظام، كان لـ”العرب” اللندنية الحوار التالي معه عن شؤون السينما والحرية والثورة.

يصف عروة نيربية نفسه أينما حل بأنه سينمائي سوري فقط، إذ عمل في مجالات أخرى عديدة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، لكنها جميعا لا تعرّف به بقدر ما يعرّف به حكم الضرورة السوري الراهن.

يعيش اليوم، بين سفر وسفر إذ لم يكن الخروج من سوريا قراره الحرّ، فقد أجبر عليه مثل ملايين السوريين، يقول عن ذلك: «رغم الشوق والتشتت والاضطرار المستمر للتنقل في السكن، سمحت لي مهنتي بأن أساهم بشكل يرضيني أكثر مما كنت سأفعل، لو كنت مضطرا للاختباء في شقة ما في أي مكان بسوريا، أو لو أني كنت محتجزا في قبو معتقل أسدي، أو في معتقل لأية قوة ظلامية متطرفة أخرى. أغلب السوريين اليوم يحاولون ما يستطيعون، وأنا مثلهم، أحاول وأفشل وأنجح، وأعمل على أن أساهم أفضل كل مرة».

هناك نشاط سينمائي يدور خارج سوريا بالمقارنة مع ذلك الذي يحصل داخلها والآراء تتضارب حولهما، لكن نيربية يرى غياب الحدود حقيقة لسوريا اليوم، بالمعنى الفكري والإبداعي-الثقافي.

التقسيم إلى داخل وخارج كان كذبة من نظام الأسد منذ بداية الثورة، فالسوريون سوريون، سواء كانوا اليوم خارج الوطن أم داخل حدوده السياسية. ثم يتساءل هل مخيم الزعتري في الأردن بالفعل أم هو جزء عضوي من حكاية السوريين وبلدهم؟ سوريا حيث يكون السوريون.

عروة نيربية: لا حدود ثقافية لسوريا الآن، والعمل السينمائي يحتاج إلى حرية مطلقة

ويضيف: «ما يمكن التعويل عليه هو الحرية، الحرية التي في السينما، وتلك ما زالت مستحيلة في مناطق تسلّط النظام ورقابته الأمنية بينما هي ممكنة حتى في أسوإ مناطق تسلّط المعارضة، وإن كانت ثمّة مجازفة بالتأكيد في مناطق تسلّط المستبدين الجدد من الأخيرة».

ويضيف أن: «لا تعويل على سينما يوافق عليها نفس الأشخاص الذين يوافقون على القصف بالبراميل أو على قتل البشر تحت التعذيب».

نيربية من مؤسسي مهرجان “DOX BOX” للأفلام التسجيلية، ويرى أن للتجربة أثرا مذهلا على السينمائيين أولا، ويضيف أنها: «فتحت في القلب أيمانا جديدا بقدرتنا، كسوريين، وكأشخاص، على تجاوز إحساس مزمن بالعجز وباستحالة القيام بالفعل الحرّ ضمن الشرط الاستبدادي».

يمكن للمرء بلا شك أن يتحدّث مطولا عن المهرجان، بعروضه الجماهيرية وبنشاطاته التخصصية وعن تجربته مع رقابة المؤسسة السينمائية الأمنية، ورقابة بارانويا النخب المثقفة في دمشق أيضا.

يرى نيربية أن السينما المستقلة في العالم العربي، وفي سوريا خاصة، تشبه واقع “المعارضة السورية”، بكل فروعها وفئاتها العمرية.

أي أن التشتت والتناحر والكذب والمنافسة العنيفة هي سمات يومية متجذرة فيه. لعل هذا يأتي من ثقافة الفساد والاستبداد، لكن هو أيضا نتيجة لغياب الصناعة، لكون العمل السينمائي، مثلما كان العمل السياسي المعارض وما زال، يفتقر إلى فرصة أن ينجح أو يفشل، ولفرصة الامتحان الحقيقي أمام جمهوره الحقيقي، في صالات ومع شباك تذاكر، أو حتى على محطة تلفزيون أو إنترنت.

ويضيف: «وصلنا إلى حيث “النقد” في أغلبه هو مجرد عملية انتقامية، مديح أو ذم، تحالف أو عداوة، وليس عملا جديا صعبا ومليئا بالتحدي والمسؤولية».

يرى نيربية أن الثورة السورية انتصرت وانتهى الأمر، من منظور تحريرها لقلوب السوريين ولأصواتهم، وإطلاقها لجيل جديد من المبدعين، الخارجين على أعراف سابقة صنعتها تقاليد استبداد سياسي وثقافي، وعلى مركزية الدولة والثقافة.

يقول: «لا عودة إلى أيام الأسد بعد اليوم، لا بخليفة داعش ولا بأي ليبرالي جديد يريد جعل الوطن استثمارا، ولا بسواهما، الخيال تحرّر، هذه تمّت». لا يحدث في سوريا أو عنها اليوم شيء لا يتناوله النقد السوري الجديد، وهذا أساس السينما التسجيلية، حرية النقد وعدم المساومة على الرأي الحرّ.

يقول نيربية: «سنعْلق في سنوات -وربما عقود- من إعادة إنتاج التجربة السورية بآلامها وأحلامها، في أفلام وأفلام، سنتعب العالم بأفلامنا وسنجد أنفسنا في لحظة ما مضطرين للبحث عن سينما أخرى، تتحدث عن حياة غير حياة الثورة وغير حكايات المجازر والاعتقالات والحرب».

ولكن، السينما الحقيقية لا تذهب، هي تصبح جزءا من التعبير اليومي لمجتمع، منذ لحظة اكتشافه لها. جيل شاب جديد من السينمائيين أعلن عن نفسه مؤخرا، وسيكون عليه هو أن يتابع ويجيب على السؤال، بعد أن يجاهد نفسه في التعلم ويحصن نفسه من السقوط في التقدير المرضي للذات.

16