المنتحرون.. استفهام وتعجب

السبت 2013/12/21
التأنيب واللوم يؤديان إلى العقاب وإيقاع الأذى بالنفس

القاهرة ـ كنا نسمع ونقرأ في وسائل الإعلام المختلفة عن حالات انتحار شبه يومية في مجتمعات غربية، كنا لا نستغرب حدوثها لبعد الغرب عن الإسلام.. أما الغريب أن يحدث هذا في مجتمع إسلامي، والغريب حقا أن يحدث بين فئة في عمر الزهور، في حين نرى كبار السن متمسكين بالحياة إلى آخر لحظة.

الحالة الأولى لفتاة عمرها 20 سنة رفضت كتابة اسمها قالت: عندما كنت في آخر مراحل الثانوية العامة، كنت أعاني من ضغوط نفسية شديدة، تدهورت يوما بعد يوم بسبب إلحاح الأسرة على الحصول على أعلى الدرجات و قدراتي ونفسيتي لا تسمح لي بالتركيز والمثابرة على الدراسة، مما دفعني إلى محاولة الانتحار؛ وذلك بتناول عدة أنواع من الأقراص الطبية، ونقلت على إثرها إلى المستشفى وأنا في حالة سيئة جدا؛ وأجريت لي الإسعافات اللازمة ، وبعد خروجي من المستشفى وإلى الآن لم أزل أعاني من اضطرابات في الدورة الدموية والقلب نتيجة لتناولي هذه الأقراص.

حالات نفسية صعبة


حالة أخرى هي حالة “نادية..” في سن 18 عاما تقول: بدأت قصتي ومعاناتي عندما تجاوز وزني المعدل الطبيعي، فقد حاولت بشتى الطرق أن أقلل من هذا الوزن ولكن دون فائدة، وأصبحت في حالة نفسية سيئة للغاية، وكانت إحدى صديقاتي قريبة مني تخفف من معاناتي وتهون من وطأتها، وكانت تقف إلى جانبي في أية مشكلة أصادفها، فقد أحببتها حبا كبيرا إلى درجة أنني لم أستطع الاستغناء عنها أبدا، فهي مهربي وملاذي عندما أحس بأي ضيق، وقدر الله بأن تتزوج وبعد زواجها افتقدتها كثيرا وأصبحت في حالة سيئة للغاية حيث صرت أبكي كل ليلة وأمرّ بلحظات ضعف، حاولت الانتحار لولا لطف الله وتدخل الأهل في اللحظات الأخيرة.

شاب عمره 25 عاما.. تروي أخته تفاصيل الحادث تقول: جاء مجموعة من أصدقاء أخي يريدون مقابلته والتحدث إليه مع العلم بأن أخي قطع علاقته بهم لفترة من الزمن؛ لأنهم أصدقاء سوء، على حد قوله، وكانوا مصرين على التحدث معه ولو لفترة بسيطة، وبعد مقابلة أخي لهم والتحدث معهم، طلب مني الخروج من غرفته بحجة تغيير ملابسه، ولكن أخي قفل الباب على نفسه ولم يخرج مما دفعنا إلى كسر الباب، لنجده معلقا في المروحة منتحرا، ومات وسره معه، ويقول لنا بعض الناس: إن هؤلاء الأصدقاء جلسوا لفترة أمام المنزل في انتظاره وبعد ذلك ذهبوا دون رجعة.

حالة أخرى لشاب متزوج منذ عدة أشهر يروي أهل هذا الشاب قصته: كان السبب الرئيسي لإقدامه على الانتحار تراكم الديون عليه ومطالبة بعض الناس بحقوقهم، والمشكلات العائلية مما دفعه إلى الانتحار؛ بشنق نفسه ولكن تم إنقاذه في اللحظات الأخيرة وهو في حالة صحية سيئة؛ وتم عرضه على طبيب نفسي بعد خروجه من المستشفى وإلى الآن لا يزال يعاني من مضاعفات وتدهور في حالته الصحية بسبب ما أقدم عليه.

طرق العلاج والوقاية


تقول الدكتورة صفاء إسماعيل مرسي أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة: هناك نوعان من إيذاء النفس: طرق مباشرة وطرق غير مباشرة، ومن الطرق غير المباشرة اللجوء إلى بعض السلوكيات التي قد تؤذي بها الفرد نفسه على المدى القريب أو البعيد مثل التدخين، القيادة السريعة، أو الأكل بشراهة، مما يؤدي إلى البدانة ومضاعفاتها وتعاطي المخدرات والمسكرات أو إيذاء الآخرين والاعتداء عليهم بالقول أو الفعل.

الظروف الاجتماعية وأساليب التنشئة داخل الأسرة إلى إيقاع الأذى بالنفس مثل المعاملـة السيئـة من قبـل الوالدين

أما الطرق المباشرة لإيذاء النفس، فتندرج ضمنها محاولة الانتحار عن طريق تناول جرعات كبيرة من العقاقير بقصد إزهاق الروح، أو التعرض لغازات سامة، أو محاولة قطع شرايين اليد باستخدام آلة حادة، وهنا في كل تلك المحاولات يقصد الإنسان أن ينهي حياته؛ وعادة يكون الإنسان تحت تأُثير حالة غير طبيعية مثل المرض النفسي أو الاكتئاب الشديد. وقد يتعاطى المريض بعض المواد المخدرة أو أنه يعاني من مرض عضوي مزمن أدى به إلى الاكتئاب أو تكمن تلك الحالة غير الجادة بقصد لفت الانتباه أو الشفقة ولجعل الآخرين يشعرون بما يمر به هذا الشخص من مشكلات نفسية أو عائلية تحتاج إلى حل؛ وعادة ما نجد هذا بين الإناث في عمر الشباب، ممن يعانين من مشكلات عائلية أو اضطرابات في الشخصية ويحتجن إلى المساعدة.

وعن طرق تشخيص المريض تقول الدكتورة صفاء مرسي: منذ حضور المريض إلى المستشفى إما كحالة طارئـة وإما في العيادة النفسية يتم تقييم المريض لمعرفة الظروف التي سبقت عملية إيذاء النفس؛ كالظروف العائليـة المادية والحالة النفسية ونوع شخصية المريض والتاريخ المرضـي لوجود مـرض نفسي عنـد المريـض أو أسرتـه، وكذلك وجـود تاريخ مرضي لتعاطي المخدرات، ومن أهم العوامل التى يتـم السؤال عنهـا، الحالـة النفسية للمريض والأسرة التي يعيش فيهـا، لأنها من العوامـل الوقائية الهامـة جدا، في موضـوع إيذاء النفـس ويتم العلاج حسب الحالة.

كما يشار إلى أن العلاج يتم من خلال العلاج النفسي وعمل جلسات نفسية لتحليل الأسباب والدوافع والعمل على علاجها بإشراك الأسرة في هذا العلاج، أما العلاجات الأخرى فتتمثل في العلاج الدوائي في حال الضرورة. أما الدكتور علاء النجار أستاذ علم النفس في جامعة القاهرة فيقول: هناك أسبـاب تتعلق بالفرد ذاته مثل الإحباط والفشل أو إصابته بأمراض نفسية، وأحيانا يلجأ الفرد إلى عقاب نفسـه، نقمة على مـا حصـل له؛ وأحيانا تؤدي الظروف الاجتماعية وأساليب التنشئة داخل الأسرة إلى إيقاع الأذى بنفس الفرد مثل المعاملـة السيئـة من قبـل الوالدين أو إدراك الفرد بأنه سبب المشكلات التي تعانيها أسرته ولا نستطيع أن نعمم كل العوامل على الأفـراد؛ لأن كـل فـرد يقوم بإيذاء نفسه تكون لديه أسبابه الخاصة في ذلك.

وللوقاية من إيذاء النفس ينصح الدكتور علاء النجار الفرد باللجوء الدائم إلى الله سبحانه وتعالى في كل مشكلة يتعرض لهـا، مع البعد عن الوسواس الذي يقود الشخص إلى طريق التأنيب واللوم ومن ثم العقاب وإيقاع الأذى بالنفس.

والسلوك هو ما يصدر عن الفرد من استجابات تجاه المواقف الخارجية، وقد يكون المثير لهذه الاستجابات من داخل الفرد نتيجة هذا السلوك، وقد يقع رد فعل هذا السلوك خارج حدود الفرد، أو عليه هو نفسه، فإذا ترتب على ما يقوم به الفرد من استجابات بعض الآثار على ذات الفرد، سواء كان ذلك سلبيا أو إيجابيا؛ نعرف أننا نؤذي أنفسنا إذا عرفنا أن نتيجة ما نقوم به من سلوك تنعكس علينا بالضرر، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها: التدخين الذي يترتب عليه إيذاء الفرد كتدمير جسده صحيا، وتدمير ماله، وأقصى أنواع الإيذاء الذاتي هو الإيذاء الجسدي كمدمن المخدرات الذي قد تنتهي به تلك الحالة إلى الانتحار، كما أن هناك من الأمراض النفسية، ما يؤدي إلى الانتحار ومنها الاكتئاب.

21