المنتحلون

بالطبع، لا ترتبط ظاهرة السرقة الأدبية فقط بالكِتاب، بل إنها تكاد تجتاح كل مجالات الإبداع، سواء التشكيلي منه، أو المسرحي، أو السينمائي، أو الموسيقي.
السبت 2018/09/01
السرقات الأدبية تهمة تظل تلاحق الكتاب حتى لو كتبوا أجمل الأشياء (لوحة: بهرام حاجو)

تصلح حالة افتضاح السرقة الأدبية التي تورطت فيها مؤخرا كاتبة مغربية غير معروفة اسمها فاطنة الغزالي، لأن تكون موضوع رواية بوليسية أو فيلم سينمائي شيق. فكل توابل الحكاية ومتعتها توفرت في الحالة، حيث اجتمعت، لأول مرة ربما، شخصيتان متكاملتان، وهما السارقة والكاتب الشبح، الذي ورط الكاتبة عن طريق بيعها رواية لكاتب آخر، سبق نشرها.

وإذا كان ما أقدمت عليه السيدة المذكورة قد يشوش قليلا أو كثيرا، حسب ما ستؤول إليه القضية، على الوهج الذي صار يطبع الأسماء المغربية المبدعة، داخل المغرب وخارجه، فإن حالة السرقة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة. كما أن ظاهرة السرقة الأدبية كانت وستظل تطبع كل الجغرافيات الثقافية، ضدا على كل مبادئ احترام ملكية الإبداع والأفكار التي يفني الكثيرون أعمارهم في صناعتها.

ولذلك، لا يبدو غريبا أن تصل لعنة الاحتيال، أسابيع فقط قبل اكتشاف السيدة المذكورة وهي في حالة تلبس، إلى رجل سياسي، هذه المرة، وهو وزير العمل  التشيكي، الذي اضطر إلى الاستقالة من منصبه، بعد اكتشاف صفحات مسروقة بكاملها في بحثه للإجازة. أما الطريف، فهو أن تعيين الوزير المذكور كان قد تم بعد استقالة وزيرة أخرى، بسبب نفس التهمة.

وإذا كان هؤلاء وغيرهم يمتلكون جرأة الإقرار بالخطيئة، التي لا تُغتفر في جميع الأحوال، يختار آخرون الدخول في الصمت إلى أن تمر العاصفة، وإن كانت العواصف لا تمر بيسر في مثل هذه المواقف.

 ولعل حالة الباحث الجزائري حفناوي بعلي خير دليل على ذلك، حيث غاب الرجل عن الأنظار، بعد أن فضح الكاتبُ عبدالله السمطي سرقاته التي شغلت نصف كتابه الفائز بجائزة الشيخ زايد للكتاب، ربما حتى لا يجد نفسه مرغما على إرجاع مبلغ الجائزة، الذي لن يستطيع في جميع الأحوال إعادة الكاتب إلى حياة الإبداع. في مقابل ذلك، أذكر أن شاعرة فلسطينية، أحجِم عن ذكر اسمها إشفاقا عليها، تستمر في تفريخ دواوينها الشعرية ودراساتها النقدية، رغم كونها قد أقدمت على الاستيلاء على نص شعري لي كاملا، دون حياء.

بالطبع، لا ترتبط ظاهرة السرقة الأدبية فقط بالكِتاب، بل إنها تكاد تجتاح كل مجالات الإبداع، سواء التشكيلي منه، أو المسرحي، أو السينمائي، أو الموسيقي. كما صارت العادة أن تلاحق التهمة، من باب الحقيقة أو الافتراء، أغلبَ الأعمال الكبرى والناجحة. ولذلك، لا يبدو غريبا أن يجد، على سبيل المثال، جايمس كامرون مخرج فيلم أفاتار الشهير، الذي حقق أكبر إيرادات في تاريخ السينما العالمية، نفسه مضطرا خلال الأيام الأخيرة لتأكيد ملكيته لفكرة الفيلم في ردهات المحاكم.

أشفق على الكُتاب والفنانين الذين يتورطون في السرقات الأدبية، لأن اكتشافها يمحو كل الأشياء الجميلة التي قد يكونوا أبدعوها ، ثم لأن التهمة تظل تلاحقهم حتى لو كتبوا أجمل الأشياء.

15