المنتصر خالد منتصر

الخميس 2015/05/28

منذ ثورة يوليو 1952 ومصر تتراجع ثقافيا وإبداعيا وفنيا بسبب التجريف العسكري للبلاد وللنخب، لذلك فإن انتصار اسم مصري على حالة الجفاف ومناخ الجهل أمر يستحق الفرح والامتنان، خصوصا أننا نتحدث عن حالات نادرة، كالمستشار محمد عشماوي ونصر أبوزيد وفرج فودة وغيرهم.

رحلة التنوير في مصر ربما تكون أقسى من غيرها، فنظام يوليو قضى على إرث الليبرالية الملكية وأقام أعمدته على أسس محافظة، وباسم المعارك والتحرر أزيح أهل الكفاءة لصالح أهل الثقة، وتم إلغاء التنوع الغني لصالح الأحادية الفقيرة والمزيّفة، وحين خاض النظام الحاكم حربه ضد المتطرفين اعتمد على مواجهة الجهل بالجهل، أي مواجهة العنف الديني المتطرف بالتخلف الوعظي المتحجر، ومع عجز مؤسسات التعليم والإعلام عن القيام بدورها لضعف القدرات وندرتها ومحدودية الحرية انتهت الثقافة العامة إلى دائرة مغلقة وسوداء، بل يمكن القول إن بعض مؤسسات الدولة والإعلام تشارك في صناعة الجهل وتصديره بصورة منظّمة.

في ظل هذه الأجواء ظهر اسم الدكتور خالد منتصر كمفكر أصيل وإعلامي واع وكاتب يومي رشيق ومؤثر وممتاز، بدأت معاركه بنشر الثقافة الصحية السليمة وتنظيف الإعلام الطبي من الدجل، ثم استمرت معاركه لتنقية الخطاب الديني من الخرافة، وإنقاذ الخطاب السياسي من الجمود والغوغائية.

حين نقرأ خالد منتصر، فنحن نقرأ نصا ثريا ومفتوحا تتكامل من خلاله الروح السليمة مع الجسد السليم بإدارة العقل المتنور، لا خطوط فاصلة بين الصحة والفن والسياسة والدين والفلسفة، وهذه الرؤية الشاملة والعميقة هي ما تميّز خطاب خالد منتصر عن غيره.

معارك منتصر قديمة، بداية من التصدي لوهم الإعجاز العلمي، نشر الثقافة الجنسية الصحيحة في مواجهة خزعبلات العامة، التبشير بالعلمانية في وجه الإسلام السياسي، مجابهة خطاب الإرهاب، تفكيك مشاريع الإخوان والسلفية. ولعل أهم معاركه، هذا العام، الانتصار لدارْوين في وجه شيخ الأزهر بالحجة وبالعلم.

نعم إنه العلم، الكلمة المفتاحية ﻷدبيات منتصر كلها، فأغلب معاركه نشبت غيرة على العلم من تجار الدين وأدعياء المعرفة، ليست هناك مشكلة عند خالد منتصر بأن الإسلام يحرّم لحم الخنزير، لكن مشكلته إسباغ ذريعة علمية كاذبة لهذا التحريم، ولا مشكلة عند منتصر بأن يصوم المسلم، إنما مشكلته بث فوائد صحية للصوم باسم العلم بلا علم.

افصلوا الدين عن العلم، صوموا ﻷن دينكم أمركم بذلك وﻻ تأكلوا الخنزير ﻷن دينكم حرّم ذلك، فربط الدين بالعلم أضر بالدين وبالعلم معا، وربما كانت النتائج أسوأ في الناحية المباشرة من ربط الدين بالسياسة، فتركيب المطلق الديني على المتغير العلمي باب للتشكيك في الدين، وتسويق الدين باسم العلم قد يقصم صحة الفرد نفسه.

ضرب منتصر مثلا واضحا بماء زمزم، فهو رمز ديني وروحاني لا دواء، واستشهد بباحث سعودي هو الدكتور فيصل شاهين أشار في بحث علمي له إلى ضرر ماء زمزم على الكلى، ولعلي أضيف له تصريح الباحثة السعودية خولة الكريع عن أثر زمزم المضاد لعلاجات السرطان.

وفي هذه النقطة، أود تسجيل حقيقة علمية وتاريخية، فمياه زمزم تغيّرت تركيبتها بعد أعمال التوسعة والأنفاق في مكة بسبب قطع بعض عروقها وقنواتها، وتداخل البعض الآخر مع مياه أخرى منها ما هو صالح للشراب ومنها ما هو غير صالح، وبشهادة الباحث سامي عنقاوي هناك فرق واضح وشاسع بين زمزم من نبعه وزمزم التي نشربها بعد التنقية. وهذه الحقيقة ليس القصد من ذكرها الاختلاف مع خالد منتصر.

يتعرض خالد منتصر اليوم إلى حملة شعواء من الجهلة وأنصاف المتعلمين وأدعياء الثقافة ووعاظ الجهل، وبعض هؤلاء للأسف في مواقع عامة يفترض أنها موجهة للتنوير وللتوعية، ولكنه القدر المركب للمثقف المصري الحقيقي، فمعركته مع السلطة الجائرة هي نفس معركته مع المجتمع الأمي والفقيه المتخلف والمثقف الجاهل والإعلامي الأجوف، لذلك وجب التضامن مع خالد منتصر وتحيته.

صحافي سعودي

8