المنحوتات الفنية في الكويت حبيسة نظرة المجتمع

على الرغم من وجود حياة فنية وثقافية ناشطة في الكويت، إلا أن عرض التماثيل يصطدم برفض جماعات محافظة، إذ يرى البعض في هذه التماثيل "أصناما".
الجمعة 2018/11/09
لا تكبلوا الفن

 الكويت – أنجز النحات الكويتي سامي محمد تمثالا للشيخ عبدالله السالم الصباح، أول أمير لدولة الكويت، بطول خمسة أمتار في العام 1972، لكن التحفة البرونزية لا تزال حبيسة قاعة مغلقة. فعلى الرغم من وجود حياة فنية وثقافية ناشطة في الدولة الخليجية، إلا أن عرض التماثيل يصطدم برفض جماعات محافظة، إذ يرى البعض في هذه التماثيل “أصناما”.

ويأمل محمد، كغيره من النحاتين، بأن يتغيّر هذا الأمر لتخرج أعمالهم من القاعات، وتعرض في الأماكن العامة، كما هو الحال في دول عربية أخرى.

 

النحت فن كبقية الفنون يحمل رسالة إنسانية، إلا أن المحافظين في الكويت يقبلون كل الفنون، كالسينما والموسيقى والغناء والرسم وحتى الرقص، لكنهم لا يقبلون أن يشاهدوا تماثيل في الساحات والحدائق العامة بدعوى أنها أصنام قد تعيدهم إلى الوثنية، ما دفع بالفنانين إلى استنكار هذا التوجّه في عصر التكنولوجيا.

يقول “أتمنى أن تظهر أعمالي النحتية بحجمها الطبيعي، وتحتلّ مكانها في الساحات والميادين العامة، بدل أن تظل سجينة أحجام بمقاييس مصغرة في ردهة متحف أو صالة عرض، أو صفحة كتاب”.

وأضاف محمد (75 عاما) الذي تعلّم النحت في صباه، “نحن مسلمون ومتديّنون وفي بلد إسلامي”، ولكن “علينا أن نتجاوز هذه الأمور لأن الإنسان يملك عقلا وفكرا ويستحيل أن يرجع إلى عبادة الأصنام”.

وتابع النحات الذي يمارس فن النحت منذ أكثر من خمسة عقود، “لسنا في عصر الجاهلية.. نحن في عصر التكنولوجيا”.

ولا يحظر القانون الكويتي وضع منحوتات وتماثيل لأشخاص في أماكن عامة، ولكن الجدل الذي يثيره هذا الفن يعيق ذلك، إذ يرى كويتيون وبينهم رجال دين وسياسيون إسلاميون نافذون، أن التماثيل التي تشبه أشخاصا قد تعيد التذكير بحقبة عبادة الأوثان.

يقول النحات فهد الهاجري حول مكانة النحاتين في الكويت “لا أظن أننا نحظى بمكانة لائقة على الرغم من قلة العدد، وآمل أن يتغير الحال إلى الأفضل”، مضيفا أن من أبرز الصعوبات التي تواجهه وزملاؤه ندرة معدّات النحت حيث يضطرون لجلبها من خارج الكويت.

ويقول سامي محمد “لا يوجد كثير من النحاتين والسبب يعود لميول الفنان التشكيلي إلى الرسم أكثر من النحت، كما أنّ هناك عوامل أخرى منها الجمهور والاهتمام بهذا الفن، وكذلك الجهات المعنية بالدولة التي عليها تشجيع النحاتين لما لهم من من أهمية في توثيق تاريخ الشعوب، فمثلا الفراعنة تميّزوا بالنحت، والسياسة عندهم اعتمدت على النحت من أجل تخليد تاريخهم الذي نقرأه اليوم… وعلى الرغم من الإمكانات البسيطة في ذلك الوقت، استطاعوا ترك إرث مهمّ”.

ودعا محمد إلى تشكيل جماعة (انعكاس للفن والثقافة) باعتبارها جماعة إنسانية فنية ثقافية، تضمّ فنانين من مختلف اتجاهات التعبير الفني عن الذات والذين يتبعون أساليب تجمع بين التراث والحداثة.

حلم شيخ النحاتين لم يتحقق
حلم شيخ النحاتين لم يتحقق

ونظم مجلس الثقافة والفنون والآداب بالكويت “ملتقى النحت الدولي الأول” بمشاركة نخبة من نحاتي الكويت والعرب والعالم، في شهر مارس سنة 2017.

وقال مراقب الفنون التشكيلية في المجلس، مشعل الخلف، إن إقامة ملتقى دولي للنحت يجمع النحاتين الكويتيين ونحاتي العالم على أرض الكويت، يمثّل “مفخرة جديدة” في تاريخ الحركة الثقافية الكويتية.

وعلى الرغم من رفض البعض فن النحت وجوانبه الجمالية، هناك بعض الشباب الذين يعتبرون امتدادا لفن النحت في المنطقة بشكل عام، فالشاب زيد العبيد مثّل مع أبناء جيله طليعة جديدة تحمل فن النحت لفضاءات جديدة بما لديهم من أعمال تشكل إضافة حقيقية قادرة على تقديم ثقافة بلدهم في معارض أجنبية، كما فعل العبيد في دول عديدة منها البحرين وقطر وإيطاليا وإسبانيا وأوكرانيا والصين.

وتضمّ الكويت عدة متاحف أهمّها المتحف الوطني الحكومي، إضافة إلى متاحف خاصة بينها متحف الآثار الإسلامية الذي يحتوي على مقتنيات إسلامية نادرة.

وفي متحف الفن الحديث في الكويت الذي افتتح عام 2003، لا تزال تماثيل صنعها فنانون كويتيون حبيسة القاعات المغلقة. أمّا تمثال الشيخ عبدالله السالم الصباح فيقبع في قاعة مغلقة في مقر صحيفة كويتية توقّفت عن الصدور.

ورأى النحات الشاب بدر فاضل علمدار (42 عاما) أن “خوف” المسؤولين من التصادم مع المتشدّدين هو ما يحول دون وضع هذه التماثيل في الساحات العامة، مضيفا أنه هوجم مرارا بسبب أعماله الفنية.

وكان النائب الكويتي السلفي محمد هايف المطيري كتب على حسابه عبر تويتر في سبتمبر الماضي أن التماثيل “وتسمى بالمجسّمات أخذت تغزو جزيرة العرب حتى وصل التساهل لإنشاء معابد في بعض دول الخليج وفِي الكويت”. وتابع “هي خطوات منكرة (…) ويجب على وزير التجارة منعها”.

وأثير جدل كبير في الكويت سبتمبر الماضي مع المطالبة على وسائل التواصل الاجتماعي بإغلاق أبواب متجر يقوم بطباعة ثلاثية الأبعاد لتماثيل صغيرة عن طريق تكنولوجيا حديثة.

وزار النائب أحمد الفضل المقرّب من الحكومة المتجر ونشر تسجيلا مصوّرا أعرب فيه عن غضبه جرّاء المطالبات بإغلاق المتجر. وقال في الفيديو، وهو يشير إلى الرفوف الفارغة “سأطلب الآن أن يصنعوا لي صنمي الخاص، وسأضعه في مكتبي في مجلس الأمة، وسأنتظر لأرى من سيعلّق على هذه الأمر”.

وتابع “أريد أن أعرف إلى متى سيستمر هذا التخلّف (…) المفروض ألاّ ترضخ لهؤلاء الأشخاص بل أن تواجههم فنحن بلد حريات وقانون. بعد 1400 سنة تقولون أصناما؟ عليكم أن تجلسوا في كهف وتبقوا فيه”.

في العقدين الأخيرين، أقدم متشدّدون في عدة دول إسلامية على تدمير تماثيل للأسباب ذاتها، وبينهم حركة طالبان في أفغانستان في العام 2001، وتنظيم داعش أثناء سيطرته على مدينة الموصل العراقية في العام 2015.

واضطرت السلطات القطرية في 2013 إلى إزالة تمثال “نطحة زيدان” للفنان الفرنسي الجزائري عادل عبدالصمد بعد أقل من شهر من وضعه على كورنيش الدوحة، بعد جدل حول نصب التماثيل التي اعتبرها البعض “أصناما”. في المقابل، تستضيف دولة الإمارات المجاورة عدة متاحف تضم تماثيل لأشخاص. كذلك، تعرض الكثير من الدول العربية، وبينها العراق ومصر ولبنان، تماثيل في شوارع مدنها وفي الساحات العامة لشخصيات سياسية وحتى لفنانين.

حتى أن السعودية المحافظة، استضافت في سبتمبر الماضي معرضا للفن الصيني ضمّ تماثيل لمحاربي “تيراكوتا”. بالنسبة للأمين العام المساعد لقطاع الفنون في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الحكومي الكويتي، بدر الدويش، فإن هذه الخطوات الانفتاحية تدعو إلى الأمل بحدوث تغيير في بلده.

وقال، إن المجتمع الكويتي قد “يتعوّد على المنحوتات في المستقبل”. ويحمل النحات سامي محمد الأمل ذاته، ويقول، “لا يمكننا أن ننفصل عن العالم”.

20