المنسيون.. كبار السن يتجرعون معنى أرذل العمر

الأحد 2016/04/10

ماذا يعني أن تسافر خارج سوريا؟ بهذا السؤال كنت أتحدى نفسي وأنا أنتظر على الحدود السورية اللبنانية (العريضة) مع ثلّة من السوريين المغادرين والهائمين على وجوههم هربا من الألم السوري والمأساة السورية التي لم تترك سوريا إلا وأفسدت حياته، كنّا ثلّة من السوريين ننتظر على الحدود السورية اللبنانية أن يستيقظ الضابط من نومه الهانئ ليدقق في أوراقنا، وبدا مقصودا وواضحا ضجر وانزعاج اللبنانيين من السوريين الذين سيعبرون الأرض اللبنانية المزينة بهضاب القمامة ليتجهوا إلى مطار رفيق الحريري ويسافر كل منهم إلى وطن بديل.

ما استوقفني على الحدود ليست المعاملة الجافة المتأففة للموظفين اللبنانيين مع السوريين، فقد اعتدنا عليها، لكن أذهلني العدد الكبير لكبار السن من السوريين، وأعمارهم فوق الخامسة والسبعين أو الثمانين، هؤلاء اضطروا إلى النزوح لأن لم يعد لديهم أحد يحترم شتاء عمرهم ولا يبالي بهم، بل البعض يضجر ويعتب على القدر أنه أطال في عمره فيما الآلاف من الشبان السوريين بعمر الورود يستشهدون.

كان هؤلاء العجائز الطيبون يشعرون بالخجل كما لو أنهم يريدون أن يعتذروا لكل من حولهم أنهم لا يزالون أحياء، وكما لو أنهم يقدمون مثلا حيا أن عمرهم هو أرذل العمر. سمح لنا الوقت المهدور بانتظار استيقاظ الضابط أن نتحدث ونتعارف، أحدهم في الثمانين من عمره يعاني من رجفان دائم في يديه، لديه خمسة أبناء كل منهم هجّ إلى وطن بديل، قال لي “كنت أسكن في شارع الحميدية في حمص متعايشا وسعيدا مع ذكرياتي وكان أولادي يزورونني باستمرار، ثم فرّوا واحدا تلو الآخر لما بدأت الحرب في سوريا، وصرت وحيدا لكنني بقيت أشعر بالأمان في بيتي، حتى هدمه صاروخ هبط من السماء ولا أعرف من أيّ جهة متقاتلة! واضطررت أن أنتقل إلى قرية مرمريتا حيث تملك ابنتي بيتا هناك، وعشت غريبا وحيدا أبكي على البيت الذي عشت فيه عمري وربّيت أولادي في الحميدية في حمص، وبلغ بي المرض والتقدم بالعمر حدا جعلني مضطرا أن أطلب معونة من حولي، لكن عجوز مثلي وفي هذه الحرب المجنونة يبدو عبئا على الآخرين، كما لو أنهم يتعجبون من قدرتي على الاستمرار في الحياة أو كما لو أنهم يعاتبون الموت لماذا لا يحصد أرواح العجائز، كانت هذه المشاعر تصلني وأمتصها بابتسامة عاذرا الناس، لأنّ الألم السوري صار فوق قدرة البشر على التحمل، كما لو أن معنى الحياة في سوريا هو الألم المجرد ذاته، مثل أسطورة سيزيف يتكرر كل يوم إلى ما لا نهاية. وقرر أولادي أن أقضي ما تبقى من عمري في باريس برعاية ابني، رفضت بإلحاح في البداية فأنا أريد أن أموت في وطني، في سوريا الحبيبة وأريد أن أدفن تحت أنقاض بيتي في الحميدية، لكن صار أولادي يتعاملون معي كقاصر يجب أن يقرّروا عنّي شكل أيامي المتبقية، وها أنا أمتثل لرغبتهم وسأسافر إلى باريس، عجوز في الثمانين من عمره ماذا سيفعل في باريس؟ والكل مطحون في دوامة العمل وأنا سأبقى وحيدا في البيت كحيوان أليف".

تحدثت باستفاضة عن الرجل العجوز من حمص والذي اضطر إلى النزوح إلى قرية مرمريتا السورية ثم ليسافر – كما لو أنه يُشحن كطرد غير مرغوب فيه- إلى باريس لأنه لا يزال يعاند الموت ويحيا، تحدثت عنه لأنه يمثل شريحة كبيرة متكاثرة ومتنامية من السوريين العجائز الذين نزح أولادهم وأحفادهم هاربين من وطن صار عنوانه "مأساة القرن". بعضهم غرق في البحر وبعضهم يذرع الآفاق سدى باحثا عن طريقة للتسلل إلى وطن يعامله كإنسان، والبعض متلهّف لضم شمل أسرته، والبعض مكتئب لأنه فُصل من العمل لمجرد أنه سوري الجنسية، وكلهم تركوا أهلهم العجائز خلفهم، ربما هول المأساة أنساهم أنّ لهم أهلا.

كنت ألاحظ تلك الظاهرة الخطيرة واللاإنسانية في كل المدن السورية، أهل ربوا وتعبوا وانتظروا حفنة حنان من أولادهم ومن القدر لكن المأساة السورية أرادت أن تجرّعهم حتى الثمالة معنى أرذل العمر، فصاروا يخجلون حتى من الشكوى وحتى من ذرف بعض الدموع على ألمهم من خسران أولادهم وبيتهم وربما صار أملهم الوحيد لحظة موت مُشرّفة، فالموت بالنسبة إليهم أرحم من حياة الذلّ وخسارة الأولاد، وأن يضطروا وهم قد تجاوزوا عقدهم الثامن أن يرحلوا إلى بلاد غريبة حيث يقضون ما تبقّى من عمرهم تحت رحمة أحفاد وأبناء وزوجات أولادهم والكل غيّرت روحه الحرب والظروف القاهرة وحشية القسوة.

صحيح أن موت الشباب فاجع ومأساوي لكن هذا لا يرتبط ولا بأيّ شكل من الأشكال بأن يعيش من بلغوا خريف العمر وشتاءه حياة تحمل الحد الأدنى من الكرامة. كان أكثر من ثلاثين عجوزا من رجال ونساء من السوريين معي في الطائرة المتجهة من بيروت إلى باريس، وجوه غضنت الأحزان جلدها ووجدوا أنفسهم مقذوفين في الفراغ.

هؤلاء المنسيون العجائز السوريون يستحقون كل رعاية وحنان واحترام حقوقهم كبشر ضحّوا وبنوا وأعطوا وكان مصيرهم النسيان والتجاهل.

بل يجب أن تكون هناك جمعيات ومؤسّسات في الدولة والمجتمع المدني مجندة لخدمتهم وتكريمهم كبشر أهدوا عمرهم وطاقاتهم لوطن تحوّل إلى مقبرة أو كفن.

كاتبة من سوريا

21