المنسي هذا ما جنته يداك

الأحد 2016/02/14

في الدوري الإنكليزي لا يجب أن تكون نجما فحسب حتى تتمكن من مواصلة حصد النجاح والبروز والتموقع باستمرار ضمن كوكبة المبدعين، فالأمر أكبر من ذلك بكثير وقد يحتاج في المقام الأول إلى سرعة التأقلم مع خصوصيات الدوري الإنكليزي، وكذلك حسن الاختيار واللعب مع الفريق الذي يستجيب لمهارات كل لاعب يأمل في نحت مسيرة رائعة وموفقة.

هذا الأمر لا ينطبق البتة على اللاعب الكولومبي راداميل فالكاو الذي كان فيما مضى “نمرا قويا ومتمرسا يفتك بشباك كل منافسيه”، بيد أنه تحول، بعد انتقاله إلى الدوري الإنكليزي، إلى مجرد “قط وديع″ لا يستطيع الصمود وسط المعارك الضارية.

فالكاو بات اليوم نجما منسيا، وحظوظ بقائه في الدوري الإنكليزي الممتاز لموسم آخر تبدو ضئيلة، خاصة وأنه فشل الموسم الماضي مع مانشستر، ومازال اليوم يتجرع مرارة الفشل إلى حدّ اللحظة مع تشيلسي.

فماذا جنته يداك أيها الكولومبي؟ وماذا ينتظرك في المستقبل القريب؟ ربما تكون وجهتك المقبلة الدوري الصيني الذي يريد لعب دور بارز في سوق الانتقالات العالمية، بعد أن تم رصد ميزانيات ضخمة لجعل هذا الدوري الناشئ والمغمور الأول آسيويا.

قبل الحديث بشكل مفصّل عن وضع اللاعب حاليا، ربما وجبت العودة إلى تجاربه السابقة التي جعلت منه فيما مضى نجما “أسطوريا” في كولومبيا، بل كان اللاعب المفضل والأبرز في منتخب بلاده، وكان حامل لواء الكتيبة الكولومبية وأملها الأول في العودة إلى مصاف المنتخبات القوية في القارة الأميركية.

مرّ فالكاو بمحطات مختلفة، إذ صعد السلم درجة بعد درجة، تدرّج من لاعب مغمور في صفوف فريق مغمور أيضا في كولومبيا إلى لاعب واعد ضمن نادي ريفر بلايت الأرجنتيني الذي فتح له باب الاحتراف الأوروبي، وتحديدا مع نادي بورتو، وبات هذا الشاب اليافع نجما صاعدا وواعدا انتقل بعد ذلك إلى أتليتيكو مدريد الذي عرف معه الشهرة والمجد والنجومية الخالصة، وكان من أبرز المهاجمين في أوروبا خلال تلك التجربة.

حينها، عايش فالكاو زميله السابق دييغو كوستا، ولئن كان الأخير يعيش في ظل اللاعب الكولومبي إلاّ أنه تحول بسرعة إلى نجم شباك تتهافت عليه أقوى الأندية العالمية، فحصل الانتقال بعد ذلك إلى تشيلسي.

ومن مفارقات الزمن أن كوستا تمكّن منذ موسمه الأول أن يصبح أحد أعمدة الفريق اللندني، وساهم في حصوله على لقب الدوري رغم طباعه الحادة وكثرة خصوماته مع منافسيه، في حين عانى فالكاو وخفت بريق نجوميته إلى درجة أنه بات يعرف حاليا بـ”النجم المنسي”.

ربما يمكن أن نفسر هذا التراجع الرهيب في مستوى فالكاو إلى كثرة الإصابات التي تعرّض لها، وأبرزها ما حصل له سنة 2014 عندما كان ينشط مع نادي موناكو، في مطلع ذلك العام تعرض لإصابة خطيرة على مستوى الأربطة المتقاطعة للركبة ما حرمه من المشاركة في المونديال الذي افتك خلاله خاميس رودريغاز النجومية المطلقة منه.

عاد فالكاو بعد عناء وانتظار طويل، وأراد أن تكون انطلاقته الجديدة من الباب الكبير مع مانشستر يونايتد، غير أنه فشل في ذلك ولم يحصد سوى الانتكاسة.

لقد فشل فالكاو، ولم يكن موفقا في تجربته الإنكليزية الأولى والسبب في ذلك ليس معاناته من مخلفات تلك الإصابة اللعينة التي حدّت كثيرا من قوته، بل لأنه لم يحسن الاختيار، فأضاع الطريق ونسي درب النجاح ليصبح نجما منسيا.

ربما كان بمقدور فالكاو أن يختار عندما كان في أوج عطائه الانتقال إلى فريق آخر يحقق معه النجاح الكروي بدلا من التفكير في الجانب المادي فسحب، بما أن انتقاله إلى موناكو في تلك الفترة حصل بعد أن أغراه الفريق الفرنسي الصاعد آنذاك من الدرجة الثانية براتب خيالي، فوافق اللاعب على العرض دون تردد ودون أن يفكر في الجانب الرياضي من الصفقة، بما أن النجاح مع فريق صاعد لا يبدو أبدا مضمونا.

الخطوة الثانية التي قام بها "النمر" السابق تمثلت في بحثه عن طوق نجاة، فرحّب دون تفكير في عرض مانشستر بداية الموسم الماضي ليتنقل إليه على سبيل الإعارة، لم يفكر في تلك اللحظة أنه سينتقل إلى فريق يعيش تقلبات كبيرة وظروف استثنائية، وبالتالي فإن ممهدات النجاح لا تبدو متوفرة، ليفشل ويغادر سريعا، وهو ما حصل أيضا للأرجنتيني أنخيل دي ماريا الذي لم تسعفه الظروف كي يؤكد موهبته، ليختار بدوره الرحيل بداية هذا الموسم إلى باريس سان جيرمان.

خطوة ثالثة لم تكن أيضا محسوبة لفالكاو الذي أصر على معانقة النجاح في الدوري الإنكليزي ليقبل بعرض الإعارة المقدم من نادي تشيلسي، وهو الذي يدرك جيدا أن الأماكن غالية في هذا الفريق، بل يعرف حق المعرفة أنه سيكون لاعبا احتياطيا لزميله السابق دييغو كوستا.

وبما أن المصائب لا تأتي فرادى فقد تعرض فالكاو إلى إصابة جديدة رمت به إلى غياهب النسيان، ودخل هذا اللاعب في متاهة بسبب اختياراته الخاطئة، هي متاهة لن يخرج منها، إلاّ إذا حصلت معجزة أو اختار العودة إلى الوراء، ووافق على الانتقال إلى فريق أقل قوة وفي دوري آخر غير الدوري الإنكليزي.

كاتب صحافي تونسي

23