المنشآت المائية القديمة شاهد على معركة تطويع المياه منذ قرون

الإطلاع على التاريخ القديم للجزيرة العربية يكشف أن سكانها اتخذوا طيلة قرون، حياة البداوة والترحال من مكان إلى آخر بحثا عن الماء والخصب. تبعا لأن حياتهم كانت تقوم على الزراعة وتربية الماشية (الزرع والضرع) وعندما اتجهوا إلى التفكير في الاستقرار ظل شرط وجود الماء أساسيا في تحديد موضع الاستقرار. لذلك تمحورت النواتات الأولى للتجمعات السكانية القديمة حول منابع الماء مثل العيون والأنهار، وإذ تعد قراءة واستنطاق المعالم التاريخية المائية منطلقا مفيدا لتبيّن المسارات التي مرت بها حضارات المنطقة.
الاثنين 2015/10/05
النواة الأولى للتجمعات السكانية تمركزت حول منابع المياه

تونس- العيون والآبار والسدود والفسقيات طرق اخترعها الإنسان لجمع ونقل وتصريف المياه. ولئن تطورت حياة الإنسان اليوم من خلال التقنيات الحديثة وأصبحت مسالك المياه غير بارزة للعيان، إلا أن المواطن العربي ما يزال يستعين بتقنيات نقل وإيصال المياه خاصة في المناطق الريفية والفلاحية. ولا تزال الآبار والفسقيات وقنوات الري موجودة إلى اليوم في أغلب الدول العربية، كما في تونس، إما كمعالم أثرية، أو كمنشآت مائية تستخدم في الحياة اليومية.

ولو عدنا إلى بدايات التجمعات السكنية لوجدنا أن القرى والمدن التي تأسست قديما نشأت حول الأنهار والأودية والعيون، فنهر النيل استقطب الناس الذين شيّدوا مساكنهم في محيطه للاستفادة من مياهه وتوظيفها في استعمالاتهم اليومية منذ عصور. وكذلك بلاد الرافدين التي كانت من أولى المراكز الحضارية في العالم، وهي تقع حاليا في العراق، وقد نشأت لأن موقعها وجد ما بين نهري دجلة والفرات.

وتطلب ارتفاع عدد السكان واشتراكهم في منابع المياه ومواصلة العرب لامتهان الفلاحة والزراعة التي تعتمد على الري، إنتاج طرق جديدة في بدايات تحضرهم وتمدنهم لتوزيع المياه وإيصالها إلى أكثر من نقطة في نفس المنطقة، وهكذا ظهرت المنشآت المائية المتنوعة بتنوع وظائفها وطرق وغايات استعمالها، حيث نجد منشآت لتجميع المياه مثل السدود وخزانات المياه صغيرة الحجم في المنازل التي تسمّى في تونس “الجابية” أو “الماجل” وهي مراكز تخزّن فيها مياه الأمطار لفترات الجفاف واحتباس الأمطار. ومواكبة لذلك التطور ازدهرت تقنيات بناء الآبار لحفظ واستغلال مياه العيون الطبيعية إلى جانب تقنيات الري.

وكانت المياه تنقل بين الجهات التونسية عبر قنوات مبنية بالحجارة تكون سعتها كبيرة وحجمها ملائما للكميات التي تنقل عبرها وبناؤها عاليا لحمايتها من الاستغلال في غير المكان الموجهة إليه ومن التلوث وغيره مثل الحنايا التي بنيت لتنقل المياه من مصادرها مثل مدينة زغوان باتجاه العاصمة تونس أي إلى المدن الرومانية في البداية ثم إلى قصور البايات لاحقا. وبقيت الحنايا إلى اليوم معالم أثرية يشكو بعضها الإهمال بعد ظهور أنابيب المياه التي صاحبت التطور الصناعي باستعمال مواد مختلفة منها الحديد والألمنيوم والبلاستيك.

كما نجد الفسقيات التي يوجد أشهرها وأقدمها في مدينة القيروان في الوسط التونسي، وهي “فسقية الأغالبة” التي تعد معلما مائيا قاوم عوامل الاندثار لقرون عديدة، ليبقى شاهدا على براعة الأغالبة في فن العمارة، وحنكتهم وحسن استغلالهم للموارد المائية في منطقة تعرف بقلّة هطول الأمطار. ويعرف الأغالبة بأنهم سلالة عربية من بني تميم، حكمت منطقة المغرب العربي (شرق الجزائر وتونس وغرب ليبيا) مع جنوب إيطاليا وصقلية، وسردينيا وكورسيكا ومالطة، وامتدّت فترة حكمها بين 800 و909 ميلادي.

فسقية الأغالبة بالقيروان شاهدة على أقدم المنشآت المائية في تونس

فسقية الأغالبة كانت تسمى “برك الأغالبة” وقد استطاعت ترويض المياه عبر قرون ويقول عنها رئيس جمعية صيانة مدينة القيروان، مراد الرماح “هي من أهم المنشآت المائية في العالم الإسلامي وهي أثر يخلد معركة الأغالبة مع القحط، وانعدام الماء، وذلك خلافا للمدن الإسلامية التي كانت بها أنهار وعيون لأن مدينة القيروان كانت تشكو من نقص في المياه، وهو ما جعل الأغالبة يتداركون ذلك من خلال التفكير في حل لمشاكل الجفاف ما أسفر عن ترويض المياه خلال أوقات الفيضانات، وتجميعها في هذه البرك”.

وبحسب الباحث، فإن “برك الأغالبة التي أسسها إبراهيم أحمد الأغلبي، أواسط القرن التاسع ميلادي، وتحديدا عام 248 للهجرة ظلت متباعدة الأطراف ويبلغ حجمها أكثر من 75 ألف متر مكعب”. مع العلم أنه في تلك الحقبة، كان يحيط بالقيروان، أكثر من 15 ماجلا (خزان مياه)، ولم تكن بهذا القدر من الأهمية إلا أنها كانت تحاول أن تتجاوز مشكلة نقص الماء.

ويبلغ عمق البرك 4.8 أمتار، فيما يتجاوز قطرها 128 مترا، وهي محاطة بالعضائد حتى تتمكن من تحمل ضغط المياه الجانبية.

وتتكون الفسقية أيضا، من 3 عناصر أساسية هي: البركة الصغيرة التي تُصفّى فيها مياه الفيضانات والأمطار، والبركة الكبرى التي تتم فيها التصفية الثانية لتُحمل فيما بعد إلى الماجل الذي يتجاوز حجمه 900 متر مكعب.

ويذكر الباحث وأستاذ التاريخ أن هذه البرك كانت تضم “كُشكاً” وهو عبارة عن منتزه للأمراء الأغالبة، ووفقا لروايات تاريخية فإن أحد هؤلاء الأمراء كان قد أقام سفينة أسماها “الزلاج” في تلك البرك بهدف التفسح. كما تعتبر هذه البرك فريدة من نوعها، لاسيما في تلك الحقبة التاريخية، وهي وليدة حاجة السكان آنذاك للماء، لأن مناخ القيروان يتميز بارتفاع درجات الحرارة، وقلة الموارد المائية، ما استوجب إيجاد مثل هذه المنشآت المائية.

وعلى الرغم من عراقة هذا المعلم إلا أنه يواجه عدة مشاكل أبرزها تسرب المياه الراكدة، إلى جانب التربة شديدة الملوحة المحيطة بها. وهو ما أنتج وضعا مترديا بات يهدد وجود الفسقية وينبئ بضرورة القيام بعملية صيانة عاجلة لبرك المياه، حتى تكون مستجيبة للمقاييس العالمية ولمعايير التراث العالمي.

12