المنصة في ريو دي جانيرو، والعالم يتفرج في الأسفل

تكافح شركات إعلانات عالمية لتغيير وجه مدينة ريو دي جانيرو التي يعمها بعوض زيكا وتتحول فيها الأكواخ الفقيرة إلى حقول موت للأطفال الصغار، لكن هل ستغير الأولمبياد وجه البلد كما يأمل المستثمرون؟
الثلاثاء 2016/08/16
السير البطيء على طريق تطوير المدينة

ريو دي جانيرو (البرازيل) – قد تكون ريو دي جانيرو واحدة في البرازيل من أكثر المدن المذهلة لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية، لكنها لا تقدم دائما خلفية جذابة للجهات الراعية التي تتطلع إلى ربط علاماتها التجارية بواحد من أكبر الأحداث الرياضية في العالم.

وقال الإيطالي ماركو باليتش، المنتج المنفذ لحفل افتتاح أولمبياد ريو، في 5 أغسطس الجاري، في ستاد ماراكانا في مدينة ريو دي جانيرو “إنه عادي. احتفال معاصر لكنه عادي. ليس بضخامة حفل بكين. ليس بحجم المؤثّرات في حفل أثينا، وليس بتطوّر حفل لندن التكنولوجي. البرازيل ليست بلدا ضخما. وهذا ما يقوله الاحتفال على لسان البرازيليين: نحن ما نحن عليه مع كثير من المشاكل الاجتماعية وكثير من الأزمات السياسية”.

وأضاف “ما شهدناه يشبه الوضع. لكن الحفل هو حفل للمستقبل، حفل للاستدامة. لن نقول: العالم سينتهي بسبب الاحتباس الحراري ثم ننهار. رسالتنا هي رسالة أمل. البرازيل تمتلك أكبر حديقة في العالم، وأنا أتحدث عن غابات الأمازون طبعاً. فما علينا سوى حمايتها وحماية أنفسنا. هذه حاجة، هذه أولويّتنا”.

باليتش الذي يلقب بـ”مهندس العواطف والاحتفالات الكبرى”، الذي سبق له أن نفّذ افتتاحية الألعاب الأولمبية الشتوية التي جرت قبل عامين في مدينة سوتشي الروسية وافتتاحية الدورة الأولمبية السابقة في لندن وغيرهما، وصف افتتاح الدورة الحالية بـ”الاقتصادية والمنطقيّة”. فـ”4 آلاف متطوّع ساهموا في إنجاز حفل الافتتاح وحملوا رسائل عن السلام إلى العالم بأسره، رسائل تعكس روح الأولمبياد الأصليّة. هذه دعوة للعودة إلى الإنسانية، عودة إلى الناس. هذه البرازيل.. ببساطة”.

لكن هذه الدورة، التي يشارك فيها 10500 رياضي وتستمر فاعلياتها حتى الحادي والعشرين من أغسطس، تجري في ظلّ أوضاع اقتصاديّة متردية تعيشها البرازيل، تعدّ الأصعب منذ ثلاثينات القرن الماضي، وفي ظل انقسام شعبي ورسمي حولها، بين مؤيد لها بحجة إنعاشها للسياحة، وبالتالي جدواها الاقتصادية المفترضة، ومعارض بحجة الأولويات الاجتماعية والصحية والسياسية، خصوصاً مع انتشار فيروس زيكا وأزمة الانتخابات الرئاسية.

أولمبياد ريو دي جانيرو هي الأصعب منذ ثلاثينات القرن الماضي، في ظل انقسام شعبي ورسمي حولها، بين مؤيد لها بحجة إنعاشها للسياحة ومعارض بحجة الأولويات الاجتماعية والصحية والسياسية

وفي أبريل، رسمت منظمة العفو الدولية ومنظمة حقوق الإنسان صورة لأحياء تصف فيها الأكواخ الفقيرة في ريو دي جانيرو بأنها حقول موت للأطفال الصغار، حيث أصيب عدد من الأبرياء برصاصات طائشة أثناء “تنظيف” الشرطة للمدينة من عصابات المخدرات قبل انطلاق الألعاب.

وقدمت وسائل الإعلام الدولية صورة لمدينة تنجرف فيها أجزاء من جثث الناس إلى الشواطئ، والبعوض المحمل بفيروس زيكا يحتشد في الساحات الأولمبية، وكثير من مياه الصرف الصحي غير المعالجة تصب في المساحات المغطــاة بالميـاه بــحيث لا يمكـن لأي قـارب تجديف أن يختـرق بـسهولــة الرواسب المتـراكمة نـتيجة لذلك.

لكن التجربة السابقة من المدن الأخرى التي استضافت الألعاب علمت سلطات مدينة ريو دي جانيرو والشركات الراعية الرئيسة، ومن بينها كوكاكولا وماكدونالدز وفيزا وسامسونغ، أن البطولة تستحق العمل من أجل تجاوز العاصفة.

إحباط المعلنين

ويشير التاريخ إلى أنه بمجرد أن تبدأ المنافسات الفعلية في دولة الألعاب الأولمبية تحول وسائل الإعلام انتباهها إلى الرياضة، ثم تكشف دورة الألعاب الأولمبية فجأة عن قوتها التسويقية الهائلة باعتبارها منصة للمدينة لإعادة تصنيف نفسها وللشركات الراعية للوصول إلى جمهور عالمي.

وقال السير مارتن سوريل، الرئيس التنفيذي لشركة “WPP” ، أكبر مجموعة إعلان في العالم، عن كيفية تحسُّن المزاج بسرعة في بداية الألعاب الأولمبية عام 2012 التي أقيمت في العاصمة البريطانية لندن “هناك أتذكر أنني كنت أفكر في كيفية تغير الجو على الفور، وأعني أنه تغير على الفور. كان الأمر مثل شخص يشعل الضوء”.

مارتن سوريل: في لندن أتذكر أنني كنت أفكر في كيفية تغير الجو على الفور، وأعني أنه تغير على الفور. كان الأمر مثل شخص يشعل الضوء

وفي حين لا يزال من المبكر الحكم على دورة الألعاب الأولمبية الأولى في أميركا الجنوبية، هناك علامات بعد مرور أكثر من نصف أيام المسابقة، التي تقام على مدار 17 يوما، تبين أن التاريخ يعيد نفسه.

فبعد حفل الافتتاح الذي تم تنفيذه بشكل جيد في استاد ماراكانا، يركز العالم على هذه البطولة والبرازيليون بدأوا يشعرون بالفخر بهذا الحدث.

وقال مسؤول العلاقات العامة في واحدة من أكبر الشركات في البرازيل، الذي يعمل في ريو “إننا بحاجة حقا إلى هذا”، لافتا إلى الركود العميق في البلاد والأزمة السياسية، التي جعلت الرئيسة اليسارية، ديلما روسيف، مهددة بالإقالة.

وأضاف “الجميع محبطون في هذه اللحظة، لكن حفل الافتتاح قدم لنا شيئا نبتسم من أجله”.

وتظهر العائدات الهائلة التي حققتها اللجنة الأولمبية الدولية من تنظيم إطلاق إصدارات الصيف والشتاء لهذا الحدث قيمة العلامة التجارية للألعاب.

وقدر تقرير صادر عن هيئة الأبحاث “سبورتكال”، أن اللجنة الأولمبية الدولية حققت إيرادات قدرت بثمانية مليارات دولار خلال الدورة التي استمرت أربع سنوات، والتي اشتملت على ألعاب فانكوفر الشتوية عام 2010 وألعاب لندن الصيفية عام 2012. وقدرت أن ما قيمته 3.91 مليار دولار تحقق للجنة من حقوق وسائل الإعلام.

وقالت شبكة التلفزيون الأميركية “إن بي سي”، التي تملك حقوق البث الحصري في الولايات المتحدة، إنها في سبيلها إلى تجاوز بيع ما قيمته مليار دولار من الإعلانات عبر قنواتها خلال منافسات ريو.

ودفعت “كومكاست”، الشركة الأم المالكة لشبكة “إن بي سي”، 4.4 مليار دولار للحصول على حقوق البث للمباريات حتى عام 2020، إضافة إلى مبلغ آخر مقداره 7.75 مليار دولار لحقوق البث حتى 2032. وفي العام الماضي، دفعت ديسكفري للاتصالات، مالكة يوروسبورت، مبلغا مقداره 1.3 مليار يورو لحقوق بث شبه حصرية لمباريات في أوروبا بين عامي 2018 و2024.

وتقول اللجنة الأولمبية الدولية إن لديها “واحدة من منصات التسويق الدولي التي تعتبر الأكثر فاعلية في العالم، حيث تصل إلى مليارات من الناس في أكثر من 200 بلد وإقليم”.

ويرى مايكل باين، وهو رئيس سابق لقسم التسويق في اللجنة الأولمبية الدولية، أن الدليل على جاذبية الألعاب للمعلنين هو دورة الألعاب الأولمبية المقبلة في طوكيو عام 2020، التي حطمت كل الأرقام القياسية.

ويقول “لديهم (في طوكيو) 30 من الشركاء الرئيسيين الموجودين منذ الآن على الساحة. قيمة صفقة تويوتا للحصول على برنامج اللجنة الأولمبية الدولية الرئيسي لم يتم الإعلان عنها، لكن تقارير وسائل الإعلام تقول إنها (بقيمة) 1.6 مليار دولار، وبالنسبة إليّ الرقم صحيح”.

ماركو باليتشي: ما يقوله احتفال الافتتاح على لسان البرازيليين: نحن ما نحن عليه مع كثير من المشاكل الاجتماعية والأزمات السياسية

ويلاحظ جوردون إينيس، الرئيس التنفيذي لـ”لندن آند بارتنرز”، شركة الترويج الرسمية في لندن، أن المدينة تمتعت بعدد قياسي من السياح للربع الثالث عشر على التوالي بعد دورة الألعاب الأولمبية، معتبرا “ذلك انتعاشا حقيقيا لدورة الألعاب الأولمبية”.

وذكّرت منافسات البطولة الناس بأن لندن كانت نابضة بالحياة، لكنها أظهرت أيضا أن اللندنيين تطوروا، ما أثار اهتماما جديدا. ويضيف “لدى ريو الفرصة لفعل شيء مماثل”.

مع ذلك، يجادل اقتصاديون دوما بأن الألعاب نفسها لها تأثير ضعيف في السياحة بعد إقامتها، أو في المقاييس الأساسية الأخرى مثل الاستثمار الأجنبي المباشر.

وفي البلدان النامية أو السلطوية، يسيطر أيضا نوع من الارتياب على العملية، باعتبار أنها يمكن أن تكون وسيلة للمسؤولين الفاسدين للحصول على الرشى من وراء مشاريع البناء.

وقال باين إن الجهات الراعية كانت تفضل تجنب الصورة السلبية التي تم رسمها لريو. لكن العناوين الرئيسية في نهاية المباريات تستحق كل هذا العناء، “ستكون لديك مواضيع قوية جدا وعاطفية تُظهِر الروح الأولمبية (…) كانت العلامة التجارية الأولمبية ولا تزال ذات صلة”.

ما بعد الأولمبياد

عادة ما تعوّل الدول المستضيفة لفاعليات ضخمة كالدورة الأولمبية على الطفرة المفترضة في النشاط الاقتصادي والناجمة عن الإنفاق العام الضخم على بناء الملاعب الرياضية والطرق وغيرهما من البنى التحتية. لكن في الحالة البرازيلية يبدو 1.5 مليار دولار، التي أنفقت على كأس العالم والألعاب الأولمبية، مبلغاً ضخماً جداً نسبة لأي أرباح متوقعة. وهذا تحديداً ما صرّح به ألبرتو راموس، أحد كبار الاقتصاديين في “غولدمان ساكس”، وفق ما أوردته مجلة “ذي غلوب أند مايل” الكندية، بالإضافة إلى تقييم مراقبي الأسواق الناشئة في “كابيتال إيكونوميست” وفق المجلة نفسها.

لكن راموس أشار إلى أن ما يمكن التعويل عليه هو عنصر الثقة الذي يمكن للأسواق المالية والاستهلاكية اكتسابه نتيجة الاستثمارات الضخمة والانتعاش المرحلي للسياحة والخدمات البرازيلية، والذي قد يكون سبباً لعودة عجلة الاستثمار في فترة ما بعد انتهاء الألعاب الأولمبية.

وفي انتظار ظهور الأرقام الدقيقة والدراسات اللاحقة التي ستجرى مع انتهاء العام الحالي، رغم انقسام المشتغلين في الاقتصاد والأسواق المالية بين مرجح لعودة النمو مع حلول العام 2018 وآخرين يستبعدون أي نموّ برازيليّ بعيداً عن ارتفاع أسعار المواد الخام في البورصات العالمية، وإن تحركت عجلة السياحة والتجارة والتصنيع، فإن الإيجابيات المؤكدة والحتمية لاستضافة البرازيل الألعاب الأولمبية تأخذ شكل استثمارات في البنى التحتيّة وتطوّر اجتماعيّ- اقتصاديّ لمواطنيها.

13