المنصف المرزوقي.. الاسم المفقود في الكتاب الأسود

الخميس 2014/01/02
تونسيون: الرئيس ينتقد وينتقم من معارضيه بذات أسلوب بن علي

تونس- من جملة العناوين الكبرى لعام 2013 التونسي، كان صدور "الكتاب الأسود" للرئيس التونسي المؤقت المنصف المرزوقي، مهيمنا على أواخر العام الحافل بالأحداث.

أجج “الكتاب الأسود” الجدل حول دور الإعلام التونسي في المرحلة الانتقالية الصعبة التي تجتازها البلاد بعد ثلاثة أعوام من ثورتها. كما سلط الضوء حول جوانب مثيرة في علاقة النظام السابق بالإعلام، ليس فقط المحلي منه، بل والعالمي أيضا. لكن القضية الأكبر التي أثيرت كانت حول الكتاب كانت حول الأسباب الخفية وراء تسريبه في مثل هذا الوقت بالذات، وتونس تعيش على وقع أزمة سياسية محتدمة مع تعثر عملية الانتقال الديمقراطي.

يقع الكتاب الحدث في 354 صفحة ويحمل عنوان “منظومة الدعاية تحت حكم بن علي- الكتاب الأسود”. ونسب إعداده ونشره إلى دائرة الإعلام والتواصل في رئاسة الجمهورية التونسية، لكنه لم يوزع رسميا. بل تمّ تسريب نسخ منه بشكل غير رسمي عبر وسائل إعلام تونسية، ثم سرعان ما حقّق انتشارا قياسيا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصا “فايسبوك”.

أثارت عملية كشف جانب من أرشيف قصر الرئاسة في قرطاج وتوثيقها في “الكتاب الأسود” سيلا عارما من التعاليق والتداعيات، وبعيدا عن ردود أفعال بعض من ورد ذكرهم في الكتاب، ودون الخوض في مدى صدقية الأسماء والمعلومات والاستنتاجات التي حفل بها الكتاب، فإن ما يطرحُ أولا هو مدى أهلية رئاسة الجمهورية في إصدار مثل هذه المتون. هل أن الرئاسة بوصفها مؤسسة رسمية يفترضُ بها أن تنأى بنفسها عن مثل هذه الخصومات، وتترفع عن تصفية الحسابات واختلاق الخصوم، مخوّلة أو مطالبة بإطلاق هذا الكتاب؟

الواضحُ أن هذا التساؤل يؤدي إلى إحالة أخرى أكثر تعقيدا، وهي أن غياب أو تأخر انطلاق آليات العدالة الانتقالية –بوصفها مطلبا سياسيا حارقا في زمن ما بعد الثورة- أدى رأسا إلى تداخل الصلاحيات والأدوار في ما يتعلّق بطرق وأساليب التعاطي مع إرث العهد السابق (أو العهدين السابقين في روايات أخرى). إذن كان إصدار الرئيس التونسي المنصف المرزوقي (أو الرئاسة) ضربا من ضروب سدّ الفراغ القانوني والمؤسسي المترتب على تعطّل انطلاق أشغال العدالة الانتقالية بفعل ما تراكم من حسابات واختلافات بين الفاعلين السياسيين، ولكن سد الفراغ هذا، كان مرتجلا وغير مدروس إلى درجة أنه زادَ في تشويش المشهد السياسي العام في تونس، وهيمن على سجال الفضاء التونسي العام لأسابيع.

أشهر الكتب سوادا

البعد الثاني في المؤاخذات على أشهر الكتب سوادا، هو ما حفل به من انتقائية ملفتة للنظر، فلئن كانت جلّ الأسماء الواردة فيه من الإعلاميين الذين عملوا وخدموا في “إطار منظومة الدعاية تحت حكم بن علي” (وكان هذا عنوانه السيء الذي يبدو أنه قدّ على عجل) صحيحة ومعروفة لدى القاصي والداني من غالبية الشعب التونسي، إلا أن الكتاب غيّبَ أسماء عديدة عُرفت بولائها الشديد لبن علي وطغمته السياسية والمالية والإعلامية. كما أن الكتاب زجّ بأسماء أخرى من صغار الإعلاميين والصحفيين لم يكن لها من ذنب (مثلا) سوى أنها ترجمت نصا يشيد بـ”المنجزالنوفمبري” من الفرنسية إلى العربية، أو أنها واكبت وغطت ندوة نظمها التجمع الدستوري المنحلّ (يكون ذلك بالضرورة بطلب من إدارة الجريدة أو المؤسسة الإعلامية).

استغرب أغلب من تابع وقع الكتاب الأسود أيضا إقحام اسم بطل أولمبي تونسي هو محمد القمودي، كان يكرّمُ أحيانا من قبل السلطة السياسية التونسية بأن تسند له جائزة أو وسام، ولكن ذلك عُدّ “خدمة لمنظومة الدعاية تحت حكم بن علي”. “استشهد” الكتاب الأسود أيضا في بحثه وحفره في منظومة الدعاية تحت حكم بن علي بأسماء فنانين وفنانات كان يؤتى بهم كل سنة للغناء في احتفالات ذكرى 7 نوفمبر، ويعرف واضع الكتاب قبل قارئه مصير من يرفض “المساهمة” في هذه الفعاليات.

لن نسترسل في سرد الأمثلة “الانتقائية” المبثوثة في ردهات الكتاب، ولكن يكفي أن نشير في هذا الصدد إلى أن صاحب الكتاب (الرئيس المنصف المرزوقي) خصصّ للرئيس المرزوقي أكثر من 12 صفحة تشيد وتنوّه بنضالاته ضد الرئيس السابق.

منظومة الدعاية

الإعلامي محمد بوسنينة، من الأسماء التي ورد ذكرها في الكتاب، وقد كتب مقالا مطوّلا في سياق ردّه على ما أسماء “كتاب أسود.. في الزمن الأسود”. بوسنينة قال في مقاله إن “رئاسة الجمهورية استهدفت من وراء “الكتاب الأسود” تلويث سمعة عدد كبير من الإعلاميين والجامعيين ورجال الفكر والأدب وغيرهم”، من التونسيين والعرب. “وهو كتاب – إن كان يمكن وصفه بذلك – يندرج ضمن إطار الدعاية السياسية التي تعتمد التشويه والإساءة لكل شخص أو جهة لا يساند ولا يكون في ركاب رجل السياسة– خاصة إذا كان في الحكم –أو قد يشكل خطرا سياسيا عليه، أو يدعم خصما له”.

مقال موقع باسم المرزوقي، يعود تاريخه إلى 25 مارس 1989، يدعو فيه إلى انتخاب بن علي

واعتبر الإعلامي التونسي أن الكتاب نفسه يندرج تماما في منظومة الدعاية للرئيس المؤقت، وتلميع صورته وتمجيده على مدى صفحات كاملة. بما يعني أن الرئيس المؤقت أنفق من المال العام ليمجد نفسه تحت غطاء تشويه الآخرين. كتب محمد بوسنينة يقول: “… في هذا الكتاب تهجم على الكثير من المؤسسات الإعلامية ومؤسسات العلاقات العامة الأجنبية والصحفيين الأجانب ومحاولة شيطنتهم، وهذا في اعتقادي سوء تقدير كبير ويصب ضد المصالح الوطنية، لأن الإعلام والاتصال اليوم يمثلان الشريان الذي يبني ويعزز العلاقات الدولية أو يهدمها. ومن البديهي أن تنتظر تونس في المستقبل وبعد هذا الكتاب صورة قاتمة لها في الإعلام الأجنبي سوف يزيد من معاناة شعبها.

وفي هذا الكتاب أيضا تحامل واضح على عدد من المؤسسات السياحية ورجال الأعمال وحتى شركة الطيران الوطنية، وهو ما يسير عكس المطلوب في مجال تنمية السياحة… أما بالنسبة إلى الاستثمار والبطالة فيكفي أن نشير إلى أن ما قبل 2011 كانت توجد في تونس أكثر من 3 آلاف مؤسسة أجنبية تشغّل أكثر من 350 ألف تونسي، وأن الدينار كان في وضعية جيدة عموما على المستوى النقدي، في حين أننا نشهد انهياره اليوم كما نشهد هروب حوالي ألفي شركة منتجة تونسية وأجنبية خاصة إلى كل من المغرب والجزائر.

ما إن بدأ الكتاب ينتشر ويحقّق نسب متابعة عالية في البرامج الحوارية وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، حتى سارع المهتمون والمعنيون بما جاء فيه إلى النبش في تاريخ الرئيس التونسي الحقوقي المنصف المرزوقي، لإخراج حجج وبراهين تؤكّد ما أسماه في كتابه بـ”التورّط” مع النظام السابق. من ذلك صورة لمقال، أرفقه محمد بوسنينة في نصّه، ونشره العديد من الإعلاميين والصحفيين.

وقد حمل المقال توقيع الرئيس التونسي المنصف المرزوقي ويعود تاريخ نشره في جريدة الصباح إلى 25 مارس 1989. وكان المرزوقي في تلك المرحلة من التسعينات يدعم الرئيس بن علي علنا ويدعو لدعمه في الانتخابات الرئاسية. تناول الكثيرون كتابات المرزوقي وتصريحاته، خلال فترة بداية التسعينات، حيث جذب برنامج الرئيس السابق زين العابدين بن علي، الكثير من المعارضين في تلك الفترة، ومن بينهم حركة النهضة الإسلامية، التي وقّعت الميثاق الوطني مع بن علي سنة 1988. وقد وقّعه نيابة عن الحركة، التي كان قائدوها في المنفى، نوري الدين البحيري، الذي يشغل اليوم منصب وزير المستشار لدى رئيس الحكومة، وشغل قبل ذلك منصب وزير العدل في حكومة حمادي الجبالي. ثم مع مرور الوقت عاد المعارضون، ومن بينهم المرزوقي، إلى صفوف المعارضة، خصوصا في الخارج، متهمين بن علي بعدم الوفاء لبرنامجه الذي جاء به سنة 1987.

سر التوقيت

مشكلة توقيت صدور الكتاب كانت بدورها مثار أسئلة عديدة، لماذا صدر الكتاب في هذا الظرف بالذات؟ وهل يعقل أن يكون توقيت صدوره مصادفة أو أنه كان غير مدروس؟ المتابع الجيد لتفاصيل الساحة السياسية التونسية وتخومها وزواياها يعرف جيدا أن “المصادفة” مستبعدة في هذا الصدد، أولا لأن المرزوقي بحكم ترؤسه للجمهورية التونسية وبحكم وجوده في القصر الرئاسي توفّر على كم هائل من الوثائق والأرشيفات، وثانيا يعرف الجميع أن المرزوقي لم يتوقف يوما عن الكتابة رغم “أعباء” الرئاسة، وتضافر البعد الأول مع الثاني يحيل إلى أن الرجل فكّر (أو فكّر مع طاقمه الكبير) في إعداد الكتاب منذ أشهر، وما يعزز هذه الفرضية حجم الكتاب ذاته (354 صفحة بالتحديد) الذي لا يمكن إعداده خلال أيام. لكن النتيجة التي سعى الرئيس التونسي المؤقت إلى تحقيقها بإطلاقه الكتاب التونسي الأشهر، لا يمكن تحديدها بدقة، لكنها يمكن أن تتراوح بين سعيه إلى استعادة صورته التي بدّدها منذ أيامه الأولى في قصر قرطاج، وإعادة إنتاج نفسه “مناضلا حقوقيا” يحظى بمصداقية واسعة، وبين رغبته في التسريع في مسار العدالة الانتقالية (تطلق هذا الرأي مجموعة متفائلة يرجّح أنها من مساندي المرزوقي ومريديه).

الثابت أن الرئيس المؤقت المنصف المرزوقي بإصداره لكتابه الأسود، لم يتصرف بصفته رئيسا لكل التونسيين، بل تصرّفَ بمنطق يستشفّ منه الرغبة في تصفية خصومه ومن انتمى إلى النظام السابق (اقتناعا أو تكسبا)، لكنه لم يحقق شيئا من ذلك (عدا موافقة المجلس الوطني التأسيسي مؤخرا على قانون للعدالة الانتقالية والتي حصلت بفعل ضغوط المجتمع المدني والسياسي التونسي تفاعلا مع أثر الكتاب)، وكل ما تحقق أنه استبق أو قفزَ على مسار قانوني وسياسي كان الجميع ينتظر انطلاقه، وهو مسار العدالة الانتقالية كما سبق وأشرنا إلى ذلك. وأشارت بعض الأوساط الجامعية المختصة في التاريخ والتوثيق والأرشيف إلى أنه كان يجدر بالمرزوقي أن يسلّم الوثائق التي تحصل عليها إلى جهات علمية وأكاديمية مختصة، أو أن يدعو إلى تشكيل لجنة مختصة يناط بعهدتها إعداد قائمة “منظومة الدعاية تحت حكم بن علي”، ولكن ذلك كله لا يجب أن يكون خارج عملية سياسية توافقية اسمها “العدالة الانتقالية”.

7