المنصف باي.. مأساة عرش وسيرة ملك وطني غيور

الأربعاء 2018/01/31
لا شاهد على عصر البايات غير التاريخ والأحجار

تونس – "إنّني مستعد لقضاء بقيّة حياتي في قفص، ولا آكل سوى الخبز والزيتون، إذا أتاح ذلك للتونسي أن يلبس شاشيّته (طربوشه) بعزّة وكرامة"، هذه العبارة كفيلة لوحدها بأن تجعل من المنصف باي (1881 ـ 1948) رمزا وطنيا وحاكما استثنائيا من العائلة الحسينية التي حكمت تونس طيلة ثلاثة قرون.

مثّلت فترة حكم المنصف باي، التي لم تدُم أكثر من عام (1942 ـ 1943) أفضل فترات حكم البايات الحسينيين تحت ظل الاستعمار الفرنسي، فقد كان معظمهم تحت يد المستعمر، أداة طيّعة له ينفذون ما يريده، إلا المنصف باي، الملقب بـ“حبيب الشعب” و“الملك الشهيد”.

تولى المنصف باي العرش سنة 1942 خلال الحرب العالمية الثانية، بعد هزيمة الفرنسيين أمام الألمان، الذي قلص من هيمنة المستعمر الفرنسي العاجز عن حماية نفسه.

كان المنصف الباي حاكما وطنيا بامتياز مما جعله استثناء في حكم الحسينيين، وبسبب ذلك أيضا، لم يستطع البقاء على عرشه أكثر من سنة.

حين تولّى المنصف باي الحكم وجّه مذكّرة للحكومة الفرنسية تتضمّن 16 نقطة أهمّها: المساواة في المرتبات والأجور بين الموظفين التونسيين والفرنسيين، إلغاء المرسوم المتعلق بأراضي الأوقاف وحذف كل العقبات التي تمنع التونسيين من امتلاك أراض ريفية، ومشاركة السكان التونسيين بصورة فعلية في الدوائر المحلية والنشاطات البلدية وجعل التعليم إجباريا بالنسبة لجميع التونسيين مع تدريس اللغة العربية في كل المدارس.

لفتت هذه المطالب أنظار المستعمر وأكّدت له أنّ هذا الباي ليس على خطى سابقيه وأنّه حامل لمشروع إصلاحي، خاصّة أنّه أتبع هذه الرسالة بتشكيل حكومة تونسيّة دون استشارة السلطات الفرنسيّة، وهو ما اعتبره الفرنسيون شكلا من أشكال التمرّد الذي يجب أن يعاقب عليه.

إهانة فرنسا للمنصف باي، ولدت تعاطفا في صفوف الشعب، أنتج ما سمي بالحركة المنصفية التي هدفت إلى عودة المنصف باي

ما يؤكد ويدلل على وطنية هذا الباي الاستثنائي، هو ما جاء في الرسالة التي وجّهها في أبريل 1945 إلى محمد الخامس ملك المغرب إثر خطابه الشهير بمدينة طنجة “لقد أهابت بي وحدة الآلام والآمال، واتفاق الأهداف والوسائل، إلى الإعراب عمّا تولاّني من مزيد الغبطة بقيادتكم لحركة شعبكم الوطنية، حتى يكون الدافع الاستقلالي الذي هان علينا الملك في سبيله، شاملا في المغرب العربي المستقل الموحد”.

كما كان لهذا الباي الوطني، موقف حاسم تجاه الإجراءات العنصرية التي أرادت الإقامة العامة الفرنسية فرضها على اليهود التونسيين، بوضع نجمة صفراء لتمييزهم عن بقية السكان، فما كان منه إلا أن أجاب بأن اليهود مثلهم مثل كلّ المواطنين التونسيين المسلمين.

تميّز المنصف باي بالتصاقه بالشّعب على خلاف أسلافه من البايات، سعيا منه إلى إحياء الشخصيّة التونسيّة كما كان يقول. وفي قرار رمزي منه ألغى عادة تقبيل اليد وعوّضها بالمصافحة، بما يؤكّد تواضع الرّجل واحترامه لشعبه.

في ديسمبر 1942 استغلّ المنصف باي لقاء السفير الألماني بتونس وطلب منه التدخل ليتم العفو عن زعماء الحزب الدستوري الجديد القابعين بالسجن وعلى رأسهم الزعيم الحبيب بورقيبة، ثمّ قام باستقبالهم رسميّا بعد الإفراج عنهم.

كانت فترة حكم المنصف باي صعبة بحكم تواجد كل من القوى الفرنسية والألمانية في تونس إلى جانب احتدام الصراع العالمي بين قوات المحور والحلفاء، إلاّ أنّه كان من أنصار الحياد وعدم الانحياز لأي طرف.

ولعلّ من أهمّ وأصعب القرارات التي اتخذها المنصف باي فترة توليه العرش، رفضه طلب الرئيس الأميركي فرانكلين روزفيلت، السماح لقواته وقوات حلفائه في التنقل داخل تونس للقضاء على قوات المحور في شمال أفريقيا، رغم أنها المرّة الأولى منذ الاستعمار التي يعامل فيها الباي كرئيس للدولة خاصّة من طرف قوة عظمى في العالم.

أجاب محمد المنصف الباي على رسالة روزفيلت بعبارة “السيد الرئيس.. انطلاقا من المسؤولية الملقاة على عاتقنا وحرصا منا على الحفاظ على نفس المسافة من مختلف الفرقاء، نرجو أن تبقى بلانا خارج هذا الصراع”.

وحين دخلت قوّات الحلفاء المنتصرة إلى العاصمة تونس في 7 ماي 1943، طلب الجنرال جوان الذي عيّن مقيما عاما بالنيابة من المنصف باي، التنازل عن العرش بمحض إرادته، فرفض ذلك الطلب، بعد أخذ رأي وزرائه.

ومن الغد خلع عنوة بمقتضى قرار صادر عن الجنرال جيرو، القائد الأعلى للجيوش الفرنسية لشمال أفريقيا وعوّض بوليّ عهده محمد الأمين باي.

وفي اليوم نفسه نقل على متن طائرة حربية إلى مدينة الأغواط بالجنوب الجزائري حيث فرضت عليه الإقامة الجبرية.

وفي 6 جويلية 1943 أجبر تحت الضغط على إمضاء وثيقة التنازل عن العرش ونقل إلى مدينة تنّس الواقعة على الساحل الجزائري. وإثر تحرير البلاد الفرنسية من القوّات الألمانية في سنة 1945، نقل إلى مدينة “بو” بالجنوب الفرنسي.

ولّدت إهانة الباي تعاطفا كبيرا في صفوف الشعب التونسي، أنتج ما سمّي بالحركة المنصفية التي هدفت إلى عودة المنصف باي وسياساته. وقد كان الملك المعزول على تواصل مستمر بعديد القيادات ورموز الحركة الوطنية.

ظلّ المنصف باي، طوال مدّة المنفى، مؤمنا بحق وطنه في الحريّة والاستقلال.

توفي المنصف باي عام 1948. فنقل جثمانه إلى تونس وأعلن الحداد في كامل البلاد، ونظّمت له جنازة وطنية حاشدة ومهيبة، شاركت فيها جموع غفيرة من التونسيين الذين أبوا إلاّ أن يشيّعوه إلى مثواه الأخير بمقبرة الجلاّز، مقبرة عامة الشعب، وليس تلك الخاصة بالبايات من العائلة الحسينية.

13