المنطقة الآمنة شرق الفرات: مماطلة أميركية وتململ تركي

أرادت واشنطن امتصاص تهدئة تركيا، والعمل على انتزاعها من الحضن الروسي، خاصة مع وجود خلاف روسي-تركي بشأن ترتيب وضع إدلب، حيث اخترق القصف الجوي الروسي الهدنة.
الأحد 2019/09/15
صفقات مشتركة

عادت تركيا إلى لغة التهديد للولايات المتحدة، وعلى لسان وزير خارجيتها، مولود جاويش أوغلو، بأنها جاهزة لشن هجوم شرق الفرات، و”تطهير تلك المناطق”، في حال لم تحصل على نتائج من التعاون مع واشنطن؛ فيما أعطى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، واشنطن موعدا زمنيا لذلك، قبل نهاية سبتمبر الحالي.

لا يزال الخلاف بين واشنطن وأنقرة حول عمق وطول المنطقة الآمنة المراد إقامتها، لكن المفاوضات جارية في مركز التنسيق المشترك في ولاية شانلي أورفة التركية على الحدود مع سوريا. ورغم ذلك لا تثق تركيا بالنوايا الأميركية، خاصة أنها اختبرت التلكؤ الأميركي في تطبيق اتفاق خارطة الطريق في منبج.

استطاعت الولايات المتحدة امتصاص حماسة الأتراك لشن هجوم شرق الفرات، بإعلان بداية التوصل إلى اتفاق مطلع أغسطس الماضي، والبدء بتنفيذ المرحلة الأولى منه، حيث تم القيام بأربع طلعات جوية مشتركة، وتسيير دورية برية واحدة قرب تل أبيض، وتدمير بعض التحصينات التابعة للوحدات الكردية. فيما تريد تركيا منطقة بطول يشمل كامل الحدود، 460 كيلومترا، وقد تنازلت عن مطلب العمق 32 كيلومترا، لكن كل ذلك مرهون بالتفاوض، وتريد أن تكون المنطقة بإشرافها بإقامة نقاط للجيش التركي، وأن يتم سحب وحدات الحماية والسلاح الثقيل منها، وتدمير مقراتها، وتسيير قوى حفظ الأمن، من حرس وشرطة مشتركة.

استمرت فترة الصمت التركية ثلاثة أسابيع، قبل أن تستأنف أنقرة تهديداتها، وتواصل تعزيز حشودها قرب الحدود السورية؛ فواشنطن تتحدث عن عمق 5 كيلومترات منزوعة السلاح، و9 كيلومترات خالية من الأسلحة الثقيلة، وبطول 140 كيلومترا فقط، وعاودت تكثيف إرسال مساعدات عسكرية للوحدات، وبدأت الوحدات ببناء تحصينات عسكرية جديدة بمعدات زودتها بها أميركا، كما أن التصريحات الأميركية الأخيرة تقول إن “الشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية راسخة ومستمرة”.

قد تكون المماطلة الأميركية ردا على تلويح أنقرة بإمكانية شراء المقاتلات الروسية “سوخوي”، بعد أن تم البدء بصفقة الـ”أس- 400” الروسية، وفي كل الأحوال لا يمكن القول إن الولايات المتحدة جادة بالتوصل إلى اتفاق مكتمل بشأن المنطقة الآمنة، خاصة مع استمرار التحالف التركي مع روسيا في سوريا، والذي امتد ليشمل صفقات تسليح ومنظومات دفاع جوية تعارض وتهدد بقاء تركيا في حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي يهدد بدوره بتضعضع في الحلف، إذا خرجت منه تركيا التي تملك ثاني أكبر الجيوش فيه، بعد الولايات المتحدة.

ربما أرادت واشنطن تهدئة تركيا، والعمل على انتزاعها من الحضن الروسي، خاصة مع وجود خلاف روسي-تركي بشأن ترتيب وضع إدلب، حيث اخترق القصف الجوي الروسي الهدنة، وعاد ليشمل معرة النعمان وسراقب، وكذلك على محور الكبانة، للضغط على تركيا لحسم الملف الشائك، وتفرغ الطرفين لتنسيق جديد بشأن شرق الفرات.

ما يقوي رغبة واشنطن بالمماطلة هو علمها بأن التهديد التركي بالهجوم العسكري على شرقي الفرات، وفرض المنطقة الآمنة التي ترغب بها بمفردها، صعب التحقيق؛ فتركيا قبل كل شيء تعاني مشاكل داخلية، سياسية واقتصادية.

فحزب العدالة والتنمية يعاني من تشققات مؤخرا، ومن ضغط ملف اللجوء السوري الشائك، وقد خسر قدرته على لجم المعارضة التركية بعد خسارته الكبيرة في الانتخابات البلدية في مارس الماضي، وفي المدن الكبرى، وعلى رأسها إسطنبول. وهذا التراجع لحزب العدالة والتنمية الإخواني مكن “حزب الشعب الجمهوري”، اليساري الأتاتوركي المعارض، من فرض وجهة نظره حول المسألة السورية في الشارع التركي، مستغلا تدهور الحالة الاقتصادية التركية، والتي تقول بحاجة تركيا للعيش بسلام مع جيرانها ومحيطها الإقليمي.

ولم تتمكن السلطات التركية من منعه من الدعوة لمؤتمر دولي للتفاوض بين طرفي النزاع السوري في 28 سبتمبر الحالي، ودعوة وفد النظام إليه، والذي من المرجح أنه قبل الدعوة، إضافة إلى وفد للمعارضة الذي ما زال أفراده غير معروفين؛ وستضطر حكومة العدالة والتنمية إلى إعطاء تأشيرات دخول لوفد النظام للحضور.

وبالتالي بات من الصعب إقناع الشارع التركي بتحمل تكلفة الحرب الباهظة على وحدات الحماية الكردية في ظل الوضع الاقتصادي والسياسي الداخلي المتدهور، خاصة أن الوحدات تملك أسلحة حديثة وكثيرة، وتتمتع بتدريب عال، وقد تستمر الولايات المتحدة بدعمها.

إضافة إلى ذلك، لا ترغب تركيا بإغضاب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الرافضين للحرب على وحدات الحماية، حيث ستترتب على ذلك عقوبات اقتصادية وتدهور في وضع الليرة التركية لا يحتمله الوضع الداخلي؛ وقد وصل حجم التبادل التجاري الأميركي التركي مؤخرا إلى 25 مليار دولار، في حين أن مباحثات تقوم بها وزيرة التجارة التركية مع نظيرها الأميركي في أنقرة منذ أسبوع لرفع مستوى التبادل إلى 100 مليار دولار.

ومن الصعب على تركيا تجنب المقرات العسكرية الكثيرة للولايات المتحدة شرق الفرات، إذا ما اتخذت قرارا بالهجوم على المنطقة، خاصة أن واشنطن رفضت إطلاع أنقرة على إحداثياتها، وكذلك هناك قوات عسكرية شرق الفرات تعود إلى دول الاتحاد الأوروبي؛ هذا يعني أنه ليس بمقدور تركيا سوى شن هجوم رمزي ضمن منطقة محصورة جدا، في تل أبيض أو رأس العين، إذا ما اضطرت إلى تنفيذ تهديداتها.

في كل الأحوال، تنتظر تركيا لقاء مرتقبا بين أردوغان وترامب في الأمم المتحدة، وزيارة محتملة لترامب إلى تركيا، ويجري التحضير لاجتماع وزاري “لمجموعة الدول المصغرة” في 26 سبتمبر الحالي في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية الأممية للأمم المتحدة، لبحث ملف التصعيد في إدلب، واللجنة الدستورية التي يتولى مهامها المبعوث الدولي إلى سوريا، غير بيدرسون، وللاطلاع على تطورات ملف المنطقة الآمنة الذي سيعرضها المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري.

تترابط الملفات السورية ببعضها، بتناغم يتناسب مع تشابك المصالح الدولية والإقليمية، حيث لا صفقات ناجزة بشأنها، وهي مرهونة لسياسة الأمر الواقع، حيث لا تزال الحروب مستمرة على الأرض السورية، والمفاوضات مستمرة أيضا. وإنجاز هذه الصفقات مرتبط بحل ينهي الصراع، يقرره التقارب الأميركي-الروسي برعاية إسرائيلية؛ وإلى حينه يسعى الطرفان الروسي والأميركي، كلّ على حدة، إلى اجتذاب الأتراك بتقديم عروض التسليح أو الصفقات التجارية، لكن مع محاولة أخذ مكاسبهم في سوريا.

5