المنطقة الرمادية بين مصر وإيران

الاثنين 2015/08/17

المراقب للعلاقات بين مصر وإيران خلال الأشهر الماضية، يشعر أن هناك مساحة رمادية، يتعمد كل طرف أن تكون موجودة ويرغب في عدم التفريط فيها، لأنها تمنح قدرا من الحركة، وتفرملُ اتساع نطاق الخلاف، وتعطي فرصة للدبلوماسية في لحظة معينة، أن تمارس مهامها بصورة إيجابية.

المنطقة الرمادية، التي تصل أحيانا إلى درجة الغموض، وفرت لبعض الدوائر مدخلا لحديث مزدوج، فتارة تتم الإشارة إلى أن العلاقات تتسم بالهدوء، وكل طرف يرغب في تحاشي التحريض على التصعيد، وتارة أخرى يتم توظيف هذه المساحة للحديث عن صدام متوقع، بحكم التشابك الواضح في بعض القضايا والملفات، لكن في الحالتين لم تبارح كل من القاهرة وطهران منطقة الحذر.

في الأسابيع الماضية، وبعد إبرام الاتفاق النووي، حاولت إيران استغلال الوجه الإيجابي في حالة التوجس، أو ما يمكن فهمه هكذا، فهي لم تتراجع وتدخل أيا من حقول الألغام المتعددة، أو تتطور وتشي بتفاؤل واضح لتعديل دفة العلاقات، لتمديد خيوط التواصل مع مصر، مستفيدة من تجنب الأخيرة الانجرار وراء التحريض المستمر عليها.

وتعمدت إرسال إشارات توحي بالرغبة في تحسين العلاقات، وإخراجها من الخندق الضيق، خاصة أن هناك بعض النقاط المشتركة في الأزمة السورية، والموقف من مكافحة إرهاب تنظيم داعش، والعلاقة مع روسيا، وحتى النقاط الخلافية حول العراق ولبنان واليمن، لم تتصاعد لتصل إلى مواجهة مفتوحة، مع أن بعض العوامل يمكن أن تسمح بسهولة بوصولها إلى هذا المربع.

إيران بدأت توظّف بعض أتباعها في القاهرة، ممن درجت على دعوتهم من حين إلى آخر واستقبالهم في طهران، لدعم انفتاح مصر عليها، بل تطوع عدد منهم بالهجوم على السعودية لصالح إيران، على أمل أن تتحلل القاهرة جزئيا من التزاماتها وثوابتها المبدئية تجاه توطيد العلاقات مع الرياض، وتتخلى عن حذرها تجاه طهران، ومع ذلك لم تهتز أو تتغير التوجهات المصرية الرسمية، لكن بدأت بعض الدوائر تلمح إلى وجود تفاهمات ضمنية بين القاهرة وطهران، يمكن أن تبني عليها قواعد جديدة، بحكم الاتفاق النووي وتداعياته.

كان الترويج لهذه المسألة غرضه التعرف على نوايا القاهرة، التي تعمدت الحفاظ على المنطقة الرمادية وعدم مغادرتها قدر الإمكان، لا سيما أنها تحولت إلى سمة رئيسية في عدد من الأزمات الشائكة التي تتعامل معها مصر، لأنها توفر لها درجة من المرونة في قضايا معروفة بالسيولة الشديدة، ومفتوحة على كل الاحتمالات، لذلك تبدو خيارا جذابا ومفيدا في اللحظة الراهنة.

منذ اندلاع الثورة الإسلامية في إيران لم تشهد العلاقات المصرية الإيرانية رواجا أو انتعاشا بالمرة، لأنها محكومة بجملة من الاعتبارات الثنائية والإقليمية والدولية

الطريقة الدبلوماسية التي اعتادت عليها القاهرة أحرزت نتائج جيدة في بعض الملفات، لكن واجهت مطبات في الحالة الإيرانية، حيث وظفت طهران وأزلامها الهدوء النسبي الظاهر، واعتبروه رسالة موجهة إلى الرياض، التي ساورت بعض إعلامييها هواجس من انفتاح منفرد في علاقات مصر مع إيران، خرجت على السطح أكثر من مرة في الآونة الأخيرة، وكان صمت القاهرة حيالها يعني الموافقة على أن هناك خطا مزدوجا تسير عليه في علاقاتها الإقليمية.

تأكيد سامح شكري، وزير الخارجية المصري، خلال الأيام الماضية على أن العلاقات بين القاهرة وطهران مقطوعة، ولم تتجاوز مكتبا لرعاية المصالح هنا وآخر هناك، جاء كرسالة لقطع الطريق على من حاولوا الاستفادة من المساحة الرمادية، والترويج لتفسيرات لم تكن تحتملها مصر من الأساس، فإذا كانت القاهرة غير راغبة في التمادي نحو تحويل الخلاف مع إيران إلى صراع مذهبي، فهي أيضا أثبتت أن علاقاتها مع السعودية إستراتيجية، ودفاعها عن الأمن القومي العربي في منطقة الخليج واليمن مسألة لا يمكن التفريط فيها.

هذا الأمر يبدو أن طهران لم تأخذه بجدية كافية، وكانت متشككة في نوايا القاهرة حيال إمكانية تنفيذه على الأرض، في ظل الإشارات التي كانت تلتقطها بشأن عدم رغبة مصر في الدخول في المواجهة الضارية معها.

وللتعرف على البوصلة الحقيقية وفك شفرة المساحة الرمادية، التي تحتمل بطبعها تفسيرات متناقضة، لجأت وزارة الخارجية الإيرانية إلى حيلة خبيثة، حيث كتب محمد جواد ظريف مقالا مؤخرا بعنوان “الجار قبل الدار” نشرته بعض الصحف العربية وجريدة مصرية مستقلة، حمل تطمينات عديدة، وكشف عن نوايا سلمية لطهران مع جيرانها العرب، هادفا إلى محاولة نزع فتيل المخاوف الموجودة عند كثيرين منهم.

لكن الشيء الذي لا يعرفه كثيرون أن هذا المقال – الفخ، أرسلته وزارة الخارجية الإيرانية لإحدى الصحف المصرية الكبرى لنشره حصريا، لمعرفة الشاطئ الذي يرسو فيه المركب المصري في المنطقة الرمادية، باعتبار أن هذه الصحيفة قريبة من الدولة، وما تنشره يحظى بمباركة ورضاء منها، بالتالي فإن نشر مقال ظريف في هذه الأجواء يعني أن القاهرة يمكن أن تُقْدمَ على خطوة أكبر نحو طهران في المستقبل، وخطابها الرسمي على استعداد أن يتواءم معها، وإذا تم رفضه (وهو ما حصل بالفعل) يعني أن مصر تقف في الجزء السلبي من المنطقة الرمادية، وفقا للتقديرات الإيرانية، وهي الرسالة التي تأكدت منها طهران.

في اعتقادي أن قياس العلاقات بهذا الترمومتر ينطوي على قدر من الوجاهة، لكنه من الصعوبة أن يكون دقيقا تماما، فهناك حزمة من التعقيدات تكتنف علاقات القاهرة بطهران، وهي ليست وليدة اليوم، بل نتيجة ميراث تاريخي، فمنذ اندلاع الثورة الإسلامية في إيران لم تشهد العلاقات رواجا أو انتعاشا بالمرة، لأنها محكومة بجملة من الاعتبارات الثنائية والإقليمية والدولية، والتي تتزايد ولا تنقص، لذلك ما يظهر في الأفق من ملامح إيجابية أو معالم سلبية غير بعيد عن الحسابات الجارية في المنطقة.

بالتالي، إذا غادر قطار العلاقات الجزء الرمادي الذي يتوقف فيه منذ فترة، فإنه قد يغادره إلى محطة أشد سوادا، وهو الخيار الأقرب حاليا أمام سائق القطار المصري، وربما تلعب المستجدات المقبلة في المنطقة دورا مهما لتغيير المسار، لكن سوف تظل المساحة الرمادية أثيرة للقاهرة، لأنها تمثل الدفء المسموح به في الوقت الراهن على الأقل.

كاتب مصري

8