المنطقة العازلة وتقاطع المصالح الدولية

الأربعاء 2014/12/03

تشكل المنطقة العازلة في الشمال السوري، إحدى أهم نقاط الاختلافات بين القوى الإقليمية والدولية المنضوية في إطار التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، الذي تتزعمه الولايات المتحدة، مطالبة عدداً من الأطراف بالمشاركة في عمليات التحالف، دون أن تكون شريكة في التخطيط الاستراتيجي، كما هو حال تركيا. وهي الطرف الذي اقترح إقامة منطقة عازلة منذ الأشهر الأولى للانتفاضة السورية، ضد نظام بشار الأسد، ولا تزال تطرح هذه الفكرة بإلحاح.

المنطقة العازلة هي مساحة من أراضٍ محددة، تكون منزوعة السلاح، بين طرفين متنازعين، دولتين، أو مجموعتين بشريتين، داخل إقليم معين، تهدف إلى فصل الاشتباك المسلح، يمكن أن تكون منطقة حظر طيران، أو تجول. عادة ما تهدف إلى حماية المدنيين. يتم إنشاؤها من قبل أطراف دولية ضامنة للأمن والسلم الدولي، وعبر قرار من مجلس الأمن يندرج تحت الفصل السابع.

في الحالة السورية، طالبت المعارضة، بالتفاهم مع تركيا، المجتمع الدولي بضرورة إنشاء منطقة عازلة لتأمين الحماية الدولية من العمليات العسكرية والقصف الجوي لنظام بشار الأسد. ولاحقاً عززت تركيا مطلبها بإقامة منطقة عازلة، كشرط أساسي للانضمام إلى التحالف الدولي، بهدف الحد من زحف المجموعات المقاتلة لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” منذ شهرين، نحو منطقة عين العرب/ كوباني المحاذية لحدودها مع سوريا، ومواجهة الأوضاع الإنسانية والأمنية المترتبة على ذلك، ومن أهمها وقف تدفق المزيد من النازحين السوريين.

والواقع، أمام تطور العمليات العسكرية لنظام الأسد، منذ أربع سنوات حتى اليوم، تبدو الحاجة أكثر من ملّحة إلى إيقاف الضربات الجوية التي ينفذها ضد المدنيين في كافة المناطق السورية، دون استثناء، وفي مقدمها المناطق غير الخاضعة لسلطته في الشمال السوري، وريف حماة وحمص، وغوطتي دمشق، ودرعا. وتعتبر العمليات التي يشنها، جرائم حرب موصوفة، كونها تستهدف المدنيين، والتجمعات السكانية والتجارية، ما يعني أنها عمليات إبادة جماعية ممنهجة ومدروسة، ومنظمة، بالنظر إلى المواقع التي تستهدفها، من حيث الكثافة السكانية، وتوزعها الجغرافي.

يقوم نظام الأسد بعمليات إلقاء البراميل المتفجرة، وقصف صاروخي عبر الطيران، ما يؤدي إلى خسائر فادحة بشكل يومي، ينتج عنها عشرات الشهداء ومئات الجرحى والمشردين “نازحين ولاجئين” وتدمير عشرات البيوت والمرافق الحيوية المرتبطة بالبنية التحتية المقدمة للمجموعات السكانية.

كان لابد من البحث عن حلول لإيقاف القتل والتدمير، أمام مسألتين، هما: استمرار جرائم النظام، وغياب رادع دولي. والذهاب إلى المطالبة بمنطقة عازلة، هو اعتقاد بإمكانية كفّ الأسد عن مزيد من المجازر. هذه قناعة شرائح واسعة من السوريين، وهي إلى جانب ذلك، الموقف الرسمي للمعارضة السورية. هدف الأطراف السورية هو وقف الموت، أما الأطراف الأخرى فثمة أهداف متعددة مضافة إلى جانب مساندة السوريين. وعلى أي حال، لم يحظ إنشاء منطقة عازلة بموافقة أميركية، وروسية على ذلك، باختلاف موقفهما من المنطقة العازلة تبعاً لأبعاد تتصل بالسياسة الدولية، وبالمصالح والصراعات القائمة، من جهة. ولعلاقة كل منهما بنظام الأسد، من جهة أخرى.

تركيا تطالب بمنطقة عازلة، يعتقد أن تصل حدودها إلى ثمانين كيلومترا في عمق الأراضي السورية، وبحدّ أدنى ثلاثين كيلومترا، على طول الحدود التركية السورية. هذا يعني أن تضم تقريباً كافة المناطق غير الخاضعة لسلطة النظام. بما فيها ثلاث محافظات هي حلب والرقة والحسكة، مع أجزاء واسعة من إدلب ودير الزور. سيكون ذلك مدخلاً لموافقة تركية لعملية عسكرية برية تقوم بها في إطار التحالف الدولي.

ولكن، هل الصراع القائم حالياً بين تركيا وسوريا؟ وهل يمكن جعلها منزوعة السلاح، بما فيها سلاح المعارضة؟ أم أن هناك أهدافا تتصل بالمسألة الكردية على سبيل المثال؟

حتى اليوم تستبعد واشنطن النظر في المطلب التركي، الذي تدعمه فرنسا منذ وقت مبكر، مع بداية العمليات العسكرية للنظام التي استهدفت المدنيين، والعسكريين المنشقين، في ريف إدلب من المناطق المحاذية لتركيا. تستند في ذلك إلى فهم لطبيعة الدور الذي تريده لأنقرة، بأن يبقى محدوداً في المنطقة، وتابعاً لها، بما يحدّ من تطلعاتها كقوة اقتصادية واجتماعية إقليمية، تعتبر اليوم نموذجاً ناجحاً للإسلام السياسي في إدارة الدولة، مع توجس كبير من موقعها الإسلامي وعلاقتها بتنظيمات حركة الإخوان المسلمين في المنطقة. بالمقابل، تدرك واشنطن أن الموقف الروسي الحازم، سوف يمنع اتخاذ قرار دولي بموجب الفصل السابع، وفي شأن كهذا ليست معنية، بتوسيع المواجهات مع موسكو، فثمة قضايا أكثر أهمية بالنسبة إليها تتصل بالملف النووي الإيراني، والوضع في أوكرانيا.

الاستجابة الدولية تبدو ليست ممكنة حتى اليوم، لمثل هذه المطالب، والأولوية للبحث عن وسيلة جديدة لإطلاق عملية تفاوض جديدة في إطار مبادئ جنيف1. وبالتالي فإن ذلك يتعارض مع مبدأ الحوار الوطني والتفاوض، والتسوية السياسية التي تقربها المجموعة الدولية كحل للمعضلة السورية.

كما أنه ليس من السهل على تركيا أو أي طرف آخر، إقامة منطقة عازلة، لا يقبل السوريون أن تكون عملية شبه احتلالية، لا يعرف مداها الزمني والجغرافي، خاصة وأن المعارضة السورية اليوم، تفتقد إلى كل مقومات العمل السياسي، وغير قادرة على أن تكون شريكاً حقيقياً وفعالاً في اتخاذ أي قرارات دولية تتصل بالوضع السوري.

إقامة منطقة كهذه، يعني غياباً تاماً لقرار سوري مستقل لدى المعارضة، وظهور قوى جديدة، يتم التحضير لها منذ أشهر، لتكون في عداد القوى المعتدلة، ومن ثم الدخول في حالة جديدة من التعقيد على المستوى الأمني والعسكري في المنطقة، على الرغم من ظهور حديث يتصل بإمكانية إنشاء مناطق معزولة في مناطق حوران والجولان أيضاً.

الحقيقة الأساسية أن السوريين بحاجة إلى فرض منطقة حظر طيران، تمنع نظام الأسد من ارتكاب المجازر اليومية بحق المدنيين، ويمكن أن تعمل على منع الطيران من التحليق فوق المدن والبلدات الواقعة خارج سيطرة النظام من إلقاء البراميل المتفجرة، والقصف الجوي الذي تعاظمت وتيرته، بشكل كبير خلال الأسبوعين الماضيين، حيث نفذ النظام عشرات الهجمات الجوية على الرقة ودير الزور والحسكة وحلب ودرعا وحماة وإدلب، بصورة متواصلة ومنتظمة.

كما تؤمّن منطقة حظر الطيران، الحدّ من عمليات النزوح المتواصلة إلى دول الجوار بسبب القصف والدمار، وأن تتحول إلى مناطق آمنة للمدنيين، بإشراف المعارضة السورية، التي يمكّنها ذلك من تولي زمام المبادرة لإدارة المناطق “المحررة”، والانتقال إلى الداخل، بما يمنحها أمرين أساسيين تفتقدهما، هما بناء الثقة مع المواطنين وإعادة ترتيب بيوتها الداخلية المتشرذمة.


كاتب سوري

9