المنطقة العربية تواجه الكوارث الطبيعية.. خطة اليوم تحمي من عواصف الغد

الثلاثاء 2014/09/16
تمثل الخسائر الناجمة عن الكوارث كالفيضانات تحديا متزايدا في التنمية (لبنان 2013)

شرم الشيخ- وسط كرة اللهيب المشتعلة على طول المنطقة من الشرق الأوسط إلى أدغال أفريقيا، وفي ظلّ اهتمام الخبراء بدراسة تداعيات الحرب الباردة في المحيط الهادئ، ومن وسط جدل الحرب العالمية على الإرهاب، تتعالى أصوات محذّرة من “إرهاب” جديد، هو “إرهاب” التغيرات المناخية والكوارث الطبيعية التي ستفاقم الصراعات وترفع من منسوب العنف.

انطلقت من مدينة شرم الشيخ المصرية، صيحة إنذار تقول إن المنطقة العربية لا تتهدّدها فقط الجماعات الإرهابية والأنظمة الدكتاتورية، بل هناك أخطار أخرى تترصّد بها ولا تقل أهمية وهي الكوارث الطبيعية.

هذا التنبيه جاء خلال انعقاد فعاليات المؤتمر العربي الثاني للحدّ من الكوارث الطبيعية (شرم الشيخ، 16-14 سبتمبر 2014)، وفيه أجمع الخبراء والحضور على أن قضيّة تداعيات الكوارث الطبيعية والمتغيّرات المناخية مغيّبة في برامج السياسيين والإعلاميين.

كما لاتزال الأخطار الطبيعة الناتجة عن التغييرات المناخية أمرا مجهولا عند غالبية المواطنين، من غير النخبة والمختصّين، رغم أن هذه الأغلبية هي أكثر المعنيين بهذه الأخطار وأول ضحاياها، وهي أيضا تمثّل النواة الأولى للوقاية من الأخطار الطبيعية والحدّ من تداعياتها الكارثية.


لماذا المنطقة العربية من أكثر المناطق تضررا؟


قال مارك جوردان، مسؤول بمكتب الأمم المتحدة للحد من الكوارث، إن نحو 400 كارثة وقعت خلال الفترة من 1980 إلى العام 2013، مضيفا أن خطر الكوارث سيمتد إلى ما بعد إطار خطة العمل الدولية “هيغو”، ولذا لابد من التركيز على المناطق الهشة والتعرف على المخاطر.

وكغيرها من مناطق العالم، تتعرّض المنطقة العربية إلى كوارث طبيعية مختلفة تتراوح بين الزلازل والانهيارات الأرضية والأخطار الهيدرولوجية والجوية مثل الفيضانات والأعاصير وموجات الحرارة الشديدة.

تغير المناخ يشكل خطرا مضاعفا في المنطقة العربية مع تأثيره على الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي

لكن هذه المنطقة بالذات تصنّف على أنها من بين أكثر المناطق تعرّضا للخطر وذلك لأسباب عديدة منها أن وتيرة التغيّر البيئي فيها أسرع مما هي عليه في باقي أنحاء العالم، نظرا للتزايد السكاني وزيادة الضغوط البيئية وتغيّر الميزان المائي وضعف أداء أنظمة الإدارة والحوكمة في التعامل مع هذه المخاطر.


كيف يؤّثر التزايد السكاني في الكوارث الطبيعية؟


بلغ مجموع سكان المنطقة العربية في عام 2012 حوالي 361 مليون نسمة. ويعيش 90 بالمئة من السكّان على 4 بالمئة فقط من المساحة الكلية للمنطقة البالغة 1.4 مليار هكتار. ومن المتوقّع أن يبلغ عدد سكان المنطقة 2050 646 مليون نسمة مع ارتفاع في نسبة سكان المدن بـ68 بالمئة.

في هذه المنطقة، حيث معدّل النمو السكّاني العام هو من بين أعلى المعدّلات في العالم، يسكن ما يقرب 80 بالمئة في المناطق الحضرية بسبب فرص العمل والتعليم والصحة والمرافق الأساسية الأخرى. وتعدّ المنطقة العربية من أكثر مناطق العالم تحضّرا، وقد ارتفع عدد السكان في المناطق الحضرية في الدول العربية إلى أكثر من أربع مرات خلال الفترة 2010-2017 ومن المنتظر أن يزداد العدد إلى أكثر من الضعف خلال الفترة 2010-2050.

الكوارث لها تأثير أكبر على البيئات الحضرية على حد تعبير خبير التنمية ستيفان كولر. وتعتبر الكوارث الطبيعية، سببا ونتيجة في ذات الوقت، فموقع بعض البلدات والمدن يجعلها عرضة لزلازل والانهيارات الأرضية والفيضانات والعواصف الرملية والثلجية، مما يجبر سكّنها على الهجرة إلى أماكن أخرى، وهذا الأمر بدوره يضاعف من قدرة المدن المستقبلة على الاستيعاب ويخفّض من قدرتها على مواجهة تداعيات الكوارث الطبيعية.

في هذا السياق أكّدت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث، مارجريتا والستورم، أن المنطقة العربية تعانى من الفيضانات والجفاف والأعاصير والعواصف الرملية والزلازل وتغير المناخ الذي رفع مستوى منسوب المياه في البحر، وهذا يشكل تهديدا لكثير من المناطق العمرانية في الدول العربية.

وأشارت إلى أن المنطقة العربية عانت خلال 30 عاما من 330 كارثة نتج عنها مقتل أكثر من 160 ألف شخص، وتأثر نحو 60 مليونا آخرين. وبينت أن مخاطر الكوارث في المناطق العمرانية يتأثر بها 55 في المئة من السكان، وفى بعض الأحيان تصل النسبة إلى 80 في المئة، ولفتت إلى أن المنطقة تعاني من الآثار السلبية لندرة المياه والأمن الغذائي.


ما مدى تأثير أزمة المياه على الوضع الجغرافي العربي؟


تقع معظم المنطقة العربية ضمن نطاق الأراضي الجافة والمناطق القاحلة. وهي المنقطة الأكثر ندرة للمياه على مستوى العالم، لذلك تعدّ من أكثر المناطق عرضة للتأثيرات السلبية لتغير المناخ وتفاعلاته المختلفة من ارتفاع درجة الحرارة وتهديد للمناطق الساحلية وازدياد حدّة الجفاف والتصحر وشحّ الموارد المائية وزيادة المياه الجوفية وانتشار الأوبئة والأمراض، والأخطر ممن ذلك تتسبب أزمة المياه في تضاعف خطر انعدام الأمن الغذائي.


ما علاقة الأمن المائي بالأمن الغذائي؟


يزيد ارتفاع درجات الحرارة من شدّة الجفاف، ويؤدي الجفاف إلى تفاقم التصحر وتدهور الأراضي الزراعية، كما يرفع من وتيرة وحدة العواصف الرملية والترابية، وهو واقع تعيشه اليوم المنطقة العربية.

إطلاق مركز أبحاث عربي لمواجهة الكوارث
شرم الشيخ- يجتمع، منذ يوم الأحد الماضي (14 سبتمبر) ولغاية اليوم (16 سبتمبر) بمدينة شرم الشيخ المطلة على البحر الأحمر، شمال شرقي مصر، مشاركون من 37 دولة عربية وأجنبية، لبحث سبل الحد من مخاطر الكوارث.

وهذا الاجتماع هو اللقاء الأخير بين الحكومات في المنطقة قبل أن تجتمع مع نظيراتها من مختلف أنحاء العالم في سنداي اليابانية في مارس 2015 لتبني إطار جديد للحد من مخاطر الكوارث التي تعيق التنمية في العالم.

وقد أكّد نائب الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد بن حلي أن العالم العربي يحتاج إلى مزيد من إجراءات عملية توضح المسؤوليات وتحدد الموارد اللازمة مع العمل على ضمان اللامركزية وتطوير قواعد البيانات، واستخدام نظم المعلومات الجغرافية وأدوات الاستشعار.

وأشار إلى أن إنشاء أطر مؤسسية على المستوى المحلي والوطني والإقليمي، يمكنها من التمتع بالصلاحيات والموارد اللازمة لمواجهة هذه المخاطر، موضحا أن مجلس وزراء الخارجية العرب أعلن في 7 سبتمبر الجاري، تشكيل آلية عربية للتحرك السريع والفوري لتقديم المساعدة للدول المتضررة من الكوارث وتنسيق الجهود بين الأجهزة والمراكز المتخصصة في الدول العربية، تحت مظلة الجامعة العربية.

ولفت بن حلي إلى أن جامعة الدول العربية تعتقد أن المنطقة تتعرض لمخاطر بسبب الأعمال الإرهابية، مما يؤدي إلى خسائر وتوسيع رقعة التوترات ونزوح وتهجير الملايين جراء الكوارث الإنسانية”.

وعلى هامش المؤتمر، قالت السفيرة شهيرة وهبي، رئيسة قسم التنمية المستدامة والتعاون الدولي بالجامعة العربية، إن أول مركز أبحاث عربي لمواجهة الكوارث الطبيعية سيفتتح في الجزائر قبل نهاية العام الجاري. وأضافت وهبي أن “المركز كان مقترحا من الحكومة الجزائرية وافق عليه وزراء البيئة العرب، وسيتم تمويله بالتعاون بين كافة الدول العربية”.


وتشير التقديرات إلى أن الناتج الزراعي العربي ككلقد ينخفض بنسبة 21 بالمئة بحلول 2080، مع انخفاض قد يصل إلى 40 بالمئة في شمال أفريقيا. ولن يتأثر الإنتاج الغذائي فقط بهذه الكارثة الطبيعية بل بالأبعاد الأربعة للأمن الغذائي:

*توفر الغذاء

*سهولة الحصول عليه

*الاستقرار

*الاستخدام

وحاليا، تستورد المنقطة العربية 70 بالمئة من احتياجاتها، وما يزيد من خطورة الوضع أن أزمة المياه أزمة عالمية نتيجة للاحتباس الحراري الذي أثر على الدول المصدّرة للغذاء على مستوى العالم.


لماذا المناطق الفقيرة هي الأكثر عرضة للكوارث؟


إن أضرار الكوارث تتمثل في تدمير المساكن والمدارس والمرافق الصحية والمياه والطرقات وغيرها من البنى التحتية، وإخفاق التنمية الاقتصادية وتهديد الرفاه الاجتماعي. وتعتبر الكوارث سببا ونتيجة للفقر في آن واحد، نظرا إلى أنها تؤثّر بصورة غير متناسبة على الأسر ذات الدخل المنخفض في البلدان ذات الدخل المنخفض.


كيف يمكن تقليص مخاطر آثار الكوارث الطبيعية؟


خلال حديث، ضمن فعاليات المؤتمر العربي الثقاني للحد من مخاطر الكوارث الطبيعية، أكّد أحمد بدوي، رئيس الشبكة القومية للزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، (مصر)، أهمية دعم الوعي المجتمعي بضرورة الحد من مخاطر الكوارث، خاصة في المناهج الجامعية وإقامة مراكز بحثية في الجامعات وخارجها.

وهذا الرأي يدعمه مختلف الخبراء المشاركين في المؤتمر والذين دعوا إلى ضرورة نشر الوعي العام بمبدأ السلامة واستنهاض وعي المسؤولين وجعل هذه القضية أولوية عند صانعي القرار. ويجب تعزيز أنظمة الإنذار المبكر لتحديد وتقييم مراقبة المخاطر لتحديد البنية الحيوية والمناطق المعرضة لأخطار المناخ.

أيضا لا بد من تنمية وعي قطاع التأمين لتغيير الطريقة التي يعمل بها ولدراسة تطبيق بعض التجارب الجيدة للتأمين ضدّ تأثير تغير المناخ على المحاصيل الزراعية كما هو معمول به في بعض البلدان العربية مثل المغرب وتونس.

21بالمئة نسبة الانخفاض المتوقعة في الإنتاج الزراعي العربي بحلول 2080


كيف يمكن أن يساعد الحد من مخاطر الكوارث على إنقاذ الأرواح؟


يمكن أن تقع حالات الطوارئ في أي بلد وفي أي وقت. فوقوع الكارثة يمكن أن يعطل وظائف المجتمع بشكل جسيم ويدفع الناس إلى طلب المساعدة من الخارج، على أنه يمكن عمل الكثير لاتقاء شر الكوارث والحد من أضرارها وكذلك تعزيز استجابة المجتمعات المعرضة للخطر.

والبلدان التي تمتلك نظما صحية متطورة وقوى عاملة جيدة التدريب والتجهيز من أفراد المجتمع هي أفضل استعدادا بكثير لمواجهة الكوارث.

فعندما يكون المجتمع مستعدا بشكل جيد يمكن إنقاذ العديد من الأرواح في الساعات الأولى اللاحقة لحالة الطوارئ قبل وصول المساعدة الخارجية. وأفراد المجتمع هم أفضل العارفين بما يحيق بهم من مخاطر محلية وباحتياجاتهم الخاصة.

وللحد من وقوع المخاطر وتكبد الخسائر البشرية والمادية في المستقبل، يجب على الحكومات بناء القدرة على التكيف مع النظم الصحية من خلال تعزيز إدارة المخاطر في حالات الطوارئ، وهو نهج ينطوي على اتخاذ تدابير تتراوح بين الوقاية من الحالة الطارئة والتأهب لمواجهتها والتصدي لها والانتعاش من تبعاتها وذلك من خلال:

* وضع سياسات واستراتيجيات وطنية داعمة وتخصيص الموارد اللازمة لإدارة المخاطر.

*تحسين إتاحة خدمات الرعاية الصحية عالية الجودة قبل وقوع الكوارث، وكذلك أثناء الاضطلاع بتدابير التصدي والإنعاش.

* تحديد المخاطر ومواطن الضعف والقدرات لتقييم المخاطر.

* تعزيز الوعي بمخاطر الكوارث وتوفير التثقيف الاجتماعي.

تحديات ملحة
◄ عدم فعالية الإرادة السياسية

◄ النمو الحضري والتوسع العمراني السريع

◄ ضعف الأبحاث العلمية المنشورة

◄ ضعف ثقافة نشر الوعي بمخاطرالكوارث

◄ غياب التمويل اللازم

* توجيه إنذارات مبكرة بحالات الطوارئ.

*تنفيذ جملة من الإجراءات في إطار شراكات فعالة بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني.

*تحسين التخطيط الحضري والنهوض بتقديم الخدمات وتعزيز استدامة المدن العربية.

*تحسين الظروف المعيشية للفقراء في المناطق الحضرية.

*الحد من الفساد وتطوير إسكان اجتماعي بأسعار معقولة بعيدا عنمناطق الخطر.

* تعزيز مبدأ العمارة الخضراء


أي دور للعمل المشترك؟


دعا رئيس الوزراء المصري إبراهيم محلب إلى ضرورة “وضع استراتيجية عربية موحدة تجاه مسألة الحد من مخاطر الكوارث قابلة للاندماج والتطبيق داخل أهداف التنمية المستدامة وأجندة التنمية لما بعد عام 2015 تتطلب العمل الجاد والشاق وللاتفاق على أهداف قابلة للقياس والتحقيق وتخدم توجهاتنا التنموية في المنطقة العربية وتساهم في الربط بين الخطط الوطنية للحد من مخاطر الكوارث من جانب وتحقيق النمو الاقتصادي من جانب آخر”.

وأشار محلب إلى أن الكوارث تقوض نتائج الاستثمارات ولذا ستظل التداعيات الناتجة عنها تشكل عائقا رئيسيا في سبيل تحقيق التنمية المستدامة والقضاء على الفقر.

وأكد أن التنمية التي لا تضع في اعتبارها مخاطر الكوارث يمكن أن تفاقم الأمور وتجعل مكتسبات التنمية في مرمى الكوارث مما يحولها إلى أعباء جديدة تضاف على كاهل الحكومات والمجتمعات.

7