المنطقة العربية على شفا استنزاف حضاري ينبئ بطمس هويتها

لا تكاد حدّة تهديدات النزاعات التي تشهدها دول عربية عديدة تتزايد بشكل مطّرد، خاصة بعد تنامي المد الجهادي وطول اليد الذي أضحت تتسم به الجماعات المتشددة في المنطقة، خاصة بعد ورود مؤشرات على تغيير الجهاديين لإستراتيجيتهم بإيلائهم الأولوية لضرب التراث الأثري. تهديدات لا تقتصر، وفق دراسة صادرة عن المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة، على تهديد الحاضر والمستقبل فحسب، بل هي تتجاوز ذلك إلى العمل على طمس التاريخ والثروات الأثرية وكل مقومات الهوية الحضارية التي اكتسبتها المنطقة على مرّ السنين.
السبت 2015/06/13
الجماعات المتشددة تعمل على طمس كل مقومات الحضارة التي شكلت هوية المنطقة العربية على مر السنين

القاهرة - تصاعدت حدة التهديدات الموجهة لـ”التراث الحضاري” في بعض الدول العربية، في ظل اتجاه التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم داعش، والميليشيات المسلحة وعصابات التهريب إلى التنقيب عن الآثار بغاية تخريبها أو بيعها، خاصة في بؤر الصراعات المسلحة، في إطار ما يسمى باقتصادات الصراع، وسعي كافة الأطراف للاستحواذ على الموارد والأصول لتمويل عملية الاستمرار في الصراع، أو بغاية ضرب القطاع السياحي في البلدان التي يستهدفونها شأن ما شهدته مصر مؤخرا بعد عملية الأقصر التي تمّ إحباطها.

وعلى الرغم من اتّباع الدول العربية والمنظمات الدولية إجراءات مشددة لحماية تراثها الأثري والتعامل مع عمليات تهريب الآثار العابرة للحدود، فإن تلك العمليات لا تزال تمثل تهديدا جوهريّا للأمن في المنطقة العربية ولتاريخ المنطقة وتراثها وهويتها عموما.

تحولات متصاعدة

لا يُمكن اعتبار تهديدات التراث الأثري للدول العربية أحد مستجدات الأوضاع الإقليمية التي صاحبت ثورات ما سمي بـ”الربيع العربي”، حيث إنّ تهديدات التراث الحضاري بالمنطقة ارتبطت بالعديد من المتغيرات التي تتلخص في:

* أولا تزايد التدخلات الخارجية؛ وهو ما برز مع تصاعد النشاط العابر للحدود لشبكات تهريب الآثار العالمية في المنطقة عقب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، حيث أشار رئيس المجلس اﻷعلى للآثار المصرية، مصطفى أمين، إلى أنّ أكثر من 170 ألف قطعة أثرية عراقية تعرّضت للنهب والسرقة والتهريب خلال الحرب الأميركية التي استهدفت العراق.

* ثانيا اندلاع الثورات العربية؛ إذ تصاعدت حدّة التهديدات للتراث الحضاري للدول العربية على إثر ثورات ما سمي بـ”الربيع العربي” نتيجة حالة الضعف التي أصابت مؤسّسات الدول، وفقدانها القدرة على ممارسة وظائفها الأساسية، ومن بينها حفظ التراث الحضاري، فخلال الأحداث التي شهدتها العديد من الأقطار التي شهدت احتجاجات تعرّضت المناطق الأثرية والمتاحف لعمليات سطو عشوائي استغلالا لحالة الفراغ الأمني، وتردي الأوضاع الأمنية، بينما تصاعد نشاط بعض المجموعات في التنقيب عن الآثار في محيط المناطق الأثرية، على غرار عمليات التنقيب عن الآثار في محاجر الهرم وبعض المناطق الأثرية في الأقصر وأسوان في مصر، والتنقيب عن الآثار في مأرب باليمن، وفي عدد من المناطق الأثرية في ليبيا.

* ثالثا تفجّر الصراعات الداخلية؛ حيث تَمَثَّل التطور الأهم في تهديدات التراث الأثري للدول العربية في تفجر الصراعات الداخلية، وصعود دور الميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية التي أضحت تعتمد على تهريب الآثار كأحد مصادر تمويل أنشطتها وتوسعاتها الإقليمية، فضلا عن اتجاه بعض تلك التنظيمات لتدمير المعالم الأثرية بدعوى مخالفتها للشريعة، اتّباعا لنموذج تنظيم “القاعدة” وحركة “طالبان” في التعامل مع المواقع الأثرية في أفغانستان، حيث قامت الأخيرة بتدمير المعابد الأثرية البوذية في عام 2001، وهو ما لا ينفصل عن عمليات الاستهداف الطائفي للمساجد الشيعية والسنية في مناطق الصراعات الأهلية، واستهداف تنظيم “داعش” للمراقد الشيعية والمقامات المقدسة في سوريا وبعض المساجد الأثرية، فضلا عن تضرر بعض المنشآت والمواقع الأثرية من عمليات القصف الكثيف في سوريا والعراق واليمن وليبيا.

170 ألف قطعة أثرية عراقية تعرّضت للنهب والسرقة والتهريب خلال الحرب الأميركية التي استهدفت العراق

أنماط التهديدات

تتنوع تهديدات التراث الأثري للدول العربية ما بين عمليات تهريب الآثار لدول الجوار، والتنقيب العشوائي، ونهب المتاحف والمناطق الأثرية، والتخريب المتعمد للمواقع المصنفة عالميّا كمواقع تراثية، والقصف العشوائي لبعض المنشآت التاريخية في خضم الصراعات.

وينبئ هذا التحول في إستراتيجية الجماعات المتشددة بأنها أضحت تعتبر ضرب السياحة التراثية في البلدان التي تستهدفها، أولوية في مخططاتها.

وقد تعرّضت بعض المناطق الأثرية والمتاحف لعمليات نهب متعمدة من جانب بعض التنظيمات المسلحة الإجرامية والإرهابية، فعقب سيطرة تنظيم “داعش” على مدينة تدمر الأثرية في سوريا في 21 مايو الماضي، تمّ إنشاء صفحة على موقع التواصل الاجتماعي باسم “آثار سوريا للبيع″، وتضمنت الصفحة عرضا لبعض القطع الأثرية من التي تمّ نهبها من المتاحف والمواقع الأثرية في كلّ من حلب ودير الزور والقلمون، وشملت القطع الأثرية التي تمّ نهبها، تماثيل أثرية، ومجوهرات، وأحجارا كريمة، وعملات تاريخية من عصور مختلفة.

الأمر ذاته ينطبق على المناطق الأثرية في مدينة الموصل العراقية التي تعرّضت لعمليات نهب واسعة النطاق من قبل تنظيم “داعش” والميليشيات المسلحة. كما شهدت بعض المواقع الأثرية الليبية عمليات نهب واسعة النطاق منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي وتنامي سطوة الميليشيات المسلحة، مثل جبال أكاكوس الصخرية، ومدينة قورينا الأثرية، ومدينة شحات القريبة من مدينة البيضاء، ومدينة لبدة الكبرى التي توجد بها آثار رومانية تصنفها اليونسكو كأحد مواقع التراث العالمي. ولم يقتصر الأمر على القطع الأثرية الصغيرة، وإنّما تضمنت عمليات النهب الاستيلاء على تمثال أثري لعمر المختار، وتمثال الحورية والغزالة في العاصمة طرابلس.

ولم يقتصر تهديد التراث الأثري على عمليات النهب فحسب، بل تجاوزه إلى عمليات التنقيب العشوائي عن الآثار التي لم تنقطع في دول عديدة بالمنطقة العربية، حيث شهدت سوريا تصاعد نشاط التنقيب في محيط المناطق الأثرية في الرقة ودير الزور وإدلب وحلب، واتجهت عصابات التنقيب عن الآثار للاستعانة بخبراء في البحث والتنقيب من بعض دول الجوار مثل تركيا، واقترنت عمليات تهريب الأسلحة للفصائل المتنازعة بتوريد مجسّات البحث عن المعادن ومعدات التنقيب عن الآثار، خاصّة في ظل تشكيل العديد من الفصائل السورية مجموعات تنقيب منظمة تعمل في محيط المناطق الأثرية.

وفي السياق ذاته، قام تنظيم “داعش” بتأسيس وزارة للآثار عقب سيطرته على مدينة تدمر الأثرية، حيث يفرض التنظيم ضرائب على عمليات التنقيب عن الآثار تتراوح بين 20 بالمئة على الآثار المستخرجة من مدينة حلب، و50 بالمئة على الآثار المستخرجة من مدينة الرقة السورية، خاصة الآثار التي تعود إلى العصر الإسلامي والمصنوعة من الذهب، بينما رصدت مجلة “نيوزويك” الأميركية في آذار 2015، قيام تنظيم “داعش” في ليبيا بالتنقيب بمحاذاة ساحل البحر المتوسط في محيط درنة وسرت بالقرب من المناطق التاريخية مثل منطقة “لبتس ماجنا”، على بعد 130 كيلو متر من العاصمة طرابلس.

ويقترن التهديدان السابقان بتهديد آخر لا يقل وطأة عنهما يتعلّق بعمليات تهريب الآثار العابر للحدود من بؤر الصراعات الإقليمية، حيث قام تنظيم “داعش” بالتعاون مع بعض عصابات تهريب الآثار ببيع بعض القطع الأثرية التي تمّ نهبها من متحف حلب ومنطقة جبال القلمون، والجداريات المنحوتة في مدينة النمرود الأثرية في محافظة نينوى العراقية. وتنتشر عمليات بيع الآثار المنهوبة من سوريا والعراق في الأردن؛ حيث تتراوح أسعارها بين 50 دولارا للأوعية الحجرية الأثرية و3000 دولار للتماثيل والألواح الحجرية، و50 ألف دولار لبعض القطع الأثرية النادرة مثل الأسلحة المرصعة بالذهب، وفي فبراير 2013 كشفت السلطات الأمنية الأردنية عن شبكة لتهريب الآثار السورية في مدينة الرمثا المتاخمة لمدينة درعا السورية.

وكان السفير العراقي في واشنطن في 4 يونيو 2015، قد صرّح بأنّ السلطات الأميركية تُلاحق تاجرا لبنانيّا يقوم ببيع آثار عراقية في الولايات المتحدة لمصلحة تنظيم “داعش”، لافتا إلى أنّ السلطات العراقية أخطرت قاعات عرض التحف الأثرية بقائمات الآثار التي استولى عليها تنظيم “داعش” لمنع عمليات الاتجار بها.

هذا ويظل التهديد الأشدّ وطأة على التراث الذي تزخر به المنطقة العربية متعلقا بعمليات التخريب المتعمدة التي قام به تنظيم “داعش” في العراق وسوريا عندما عمد إلى هدم وتخريب بعض المواقع الأثرية، على غرار تفجير قلعة أشور التاريخية في شمال مدينة تكريت قبيل نهاية مايو 2015، وهو ما يرتبط بقيام التنظيم بتدمير آثار مدينة نمرود التاريخية في العراق، وتفجير الكنيسة الخضراء، ومتحف الموصل، ومرقد النبي يونس، فضلا عن 90 قطعة وتمثالا أثريّا تم تدميرها في العراق.

وعقب سيطرة التنظيم على مدينة تدمر التاريخية في سوريا، تصاعدت دعوات منظمة اليونسكو لحماية المدينة الأثرية من عمليات التدمير التي يقوم بها “داعش”، وينطبق الأمر نفسه على المواقع الأثرية في بعض المدن الليبية، حيث قامت الجماعات الجهادية بتدمير لوحات وصور فنية أثرية في منطقة أكاكوس الأثرية جنوب ليبيا في مطلع العام الجاري، فضلا عن تعرض مدينة شحات الأثرية الليبية لعمليات تخريب للآثار اليونانية بها، مثل قلعة الأكرابوليس، ومعبد زيوس ورواق هرقل، وغيرها من المواقع الأثرية اليونانية بالمدينة.

وفي اليمن جدّدت اليونسكو في 4 يونيو الجاري، دعوتها للأطراف المتصارعة في البلاد لتجنب تدمير الآثار اليمنية مثل سد مأرب الذي تعرض لأضرار بالغة نتيجة القصف المتبادل بين أطراف الصراع، فضلا عن دعوة المنظمة لتجنب إصابة بعض المواقع المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي، مثل مدينة صعدة القديمة، ومدينة براقش المحصنة، لا سيما في ظلّ تعرض الثروات الأثرية اليمنية لعمليات تخريب من جانب بعض التنظيمات الإرهابية.

تحريم الجهاديين للأصنام والآثار لا يحول دون سعيهم للإستيلاء عليها بغية بيعها وإنفاق أموالها

آليات محدودة للمواجهة

أدى تصاعد عمليات تبديد التراث الحضاري في بؤر الصراعات الأهلية بالمنطقة العربية لقيام بعض المؤسسات المعنية بالحفاظ على الآثار بإجراءات متعدّدة للتصدي لعمليات تهريب الآثار، على غرار قيام مجلس الأمن الدولي في 12 فبراير 2015 بإصدار القرار رقم 2199 الذي يستند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الخاص بتجفيف موارد الإرهاب، ومنع تعديات الجماعات المتطرفة على التراث الثقافي للشعوب، خاصة تدمير المواقع الدينية في سوريا والعراق.

وقد اعتبرت منظمة الأمم المتحدة في 29 مايو الماضي تدمير مسلحي تنظيم “داعش” للمواقع الأثرية العراقية بمثابة “جريمة حرب”، ودعت المجتمع الدولي للتصدي لتدمير الإرث الثقافي للعراق، وتضمّن القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تأكيدا على الجهود الدولية لمنع تخريب المواقع الأثرية في بؤر الصراعات في سوريا والعراق، والتصدي لعمليات تهريب الآثار العابرة للحدود.

وعلى الصعيد ذاته، أقر مجلس النواب الأميركي تشريعا في مطلع يونيو الجاري ينص على منع عصابات “داعش” من جني أرباح بيع الآثار من المواقع التراثية في سوريا والعراق، وألزم القرار وزارة الخارجية الأميركية بتعيين منسّق دولي لحماية الملكية الثقافية لتنسيق الجهود بين الإدارة الأميركية والوكالات المعنية بحماية الآثار، فضلا عن إعداد قائمات بالقطع الأثرية المهربة من سوريا والعراق، ومنع الاتجار فيها.

وأشارت منظمة استعادة الآثار العالمية في مارس 2015 إلى التصدي لعمليات الاتجار بالآثار العراقية في قاعات بيع التحف في لندن، وشملت الآثار التي تمّ التحفظ عليها قطعا أثرية من الفخار والزجاج تعود للعصر البيزنطي، وتقدر قيمتها بمئات الآلاف من الدولارات.

وفي سوريا تولت بعض الجهات عمليات حماية الآثار مثل مديرية المتاحف والآثار السورية التي قامت بجمع القطع الأثرية في مناطق آمنة، وإبلاغ الإنتربول بالقطع الأثرية المفقودة، ممّا أسفر عن التحفظ على 4 آلاف قطعة أثرية، كما أعدت المؤسسة قائمة حمراء بالمواقع الأثرية السورية المهددة بالمخاطر والقطع الأثرية الموجودة بها، كما تم تكثيف التعاون مع لبنان لمكافحة تهريب الآثار عبر الحدود، مما أثمر عن ضبط 18 لوحة أثرية سورية، و73 قطعة أثرية مهربة كانت معروضة للبيع لدى تجار الآثار في لبنان. لكن جل هذه الآليات تظل محدودة وغير كافية.

هذا وتبقى الصراعات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والتي استغلتها جماعات جهادية لمدّ نفوذها، تشكّل تهديدا صريحا لجملة التراث الحضاري الذي تزخر به المنطقة، فتهديدها لا يقتصر على الحاضر والمستقبل فحسب، بل هو يطال الماضي ويعمل على طمس كل مقومات الحضارة التي شكلت هوية المنطقة على مرّ السنين.

6