المنطق غائب تماما عن تركيا

صار الإسلام الأردوغاني مستنقعاً للسخافات يصبغ كل عمل غير أخلاقي فيه بصبغة شرعية من خلال الدين  صارت الأحزاب السياسية – بما في ذلك حزب العدالة والتنمية المنتمي إليه أردوغان – بلا معنى تماما.
الجمعة 2018/08/24
الدولار واليورو والعملات الأجنبية والاقتصاد بشكل عام ينهار إلى الهاوية

مفاهيم ومنظمات وعادات وتقاليد؛ ألم تفقد كل تلك الأمور معناها بدون استثناء؟ أليس هناك شيء من النشاز في كل ما نسمعه، وسخَف في ما نراه ونقرأه؟ وبشكل مباشر، أليس هناك شعور متفش بأننا جميعا محبوسون في دار كبيرة لمرضى العقول، نتعرض فيها جميعا لتناقضات تُظهر خللاً ذهنياً نهارا وليلا؟ ألا تُعطي تركيا انطباعا بالاشتباك مع بقية العالم، ربما باستثناء فنزويلا؟

دعونا نبدأ بما نشهده في حياتنا اليومية.

فالدولار واليورو والعملات الأجنبية والاقتصاد بشكل عام ينهار إلى الهاوية، إذ تحكمه عُصبةٌ تفتقر إلى أي فهم للقواعد والنظريات والنماذج الاقتصادية التقليدية المحافظة، أو المبتَدَعة، أو الكلاسيكية الجديدة، أو الكينزية، أو المخططة على النمط الصيني.

ويُقر خبراء الاقتصاد بأنه لا وجهة منطقية في المسار الحالي. والبيانات المتوافرة ليست شفافة، والأمر ذاته ينطبق على آليات صناعة القرار. فمن ناحية، يعول أصحاب رأس المال المستفيدون من النظام على ثرواتهم الضخمة بالفعل ويمتدحون الخطة التافهة التي أعلنها النظام؛ لكنهم من ناحية أخرى، يحوّلون ثرواتهم إلى الخارج خشية أن يخسروها.

وبعد معاناة لسنوات للحصول على لقب “اقتصاد سوق” في رأي الاتحاد الأوروبي وغيره من المؤسسات الدولية، أدى تعريض الملكية العقارية وملكية رأس المال للخطر في البلاد إلى خسارة الرأسمالية التركية لمعناها. وغياب الشفافية والتنظيم والمحاسبة يُشعل باستمرار نارَ هذا العبث الاقتصادي.

فالخزانة والبنك المركزي وغيرهما من الجهات التنظيمية لم تعد لها معنى حقيقي، حيث باتت مؤسسات خاضعة لسيطرة النظام وتفتقر إلى أي قيود تحكم عملها بدلا من أن تحكمها قواعد وأنظمة.

كما فقدت معايير مكان العمل معناها قبل زمن طويل. فالمعايير التي تبناها العالم لمعالجة قضايا الأمن في أماكن العمل وحقوق الاتحادات العمالية وعمل الأطفال فقدت أي مغزى لها.

وكيف يمكن أن يكون لبضاعة مادية أي معنى في اقتصاد ترك الرئيس رجب طيب أردوغان تدبير أمره لله في تواكل واضح لا توكل عليه؟

يطرح هذا سؤالاً: هل تبقى أي معنى للدين الذي يعيش به أتباع النظام ويتنفسونه؟

تَشَكّل الإسلام السياسي وعدم خلق أي حوار سياسي جديد بحلول أوائل القرن العشرين في كنف ثقافة اليعاقبة السياسية المؤيدة للحرية والمساواة في تركيا، والتي تبنتها جمعية الاتحاد والترقي، والإسلام السلفي المحافظ؛ وقد بات ذلك الإسلام السياسي يلهث الآن. ويواجه الدين الإسلامي وأهل التقوى والورع عواقب هذا الانحراف بشكل زائد. فقد صار الإسلام الأردوغاني مستنقعاً للسخافات يصبغ كل عمل غير أخلاقي فيه بصبغة شرعية من خلال الدين.

ولنلق نظرة على المؤسسات السياسية. لقد صارت الأحزاب السياسية – بما في ذلك حزب العدالة والتنمية المنتمي إليه أردوغان – بلا معنى تماماً. فإلى جانب تجميع السلطة في يد زعيم واحد في ظل سبات المعارضة العميق، كان تعطيل السلطات التشريعية مؤثراً بشكل مساو في إفراز هذه النتائج. ستمئة “نائب” يرفعون أيديهم ويخفضونها، ويتلقون رواتبهم، وهذا هو كل ما في الموضوع. وبشكل عام، فإن الفضاء السياسي صار ضيقاً بسبب القواعد التنظيمية التي تقيد حرية التعبير، والتعريف الفضفاض للإرهاب.

وجرى إبطال الفصل الكلاسيكي بين السلطات، إذ أُفرغت السلطات من مضمونها وصارت بلا معنى. وقد غطينا بالفعل التشريع؛ أما القضاء فيجري بناؤه على أسس خارجة عن القانون تمنحه الحزم، لكنها تسِمُه أيضا بشيء من اللامعقولية. ومعايير السلامة الأساسية لحماية البيئة والكائنات الحية ليست فعالة، ومن ثم ليس لها معنى.

ومع بعض الاستثناءات القليلة – والتي ليست دائمة في حد ذاتها – فإن الأحكام الإيجابية التي تنشأ عن القضايا القانونية البيئية لا تُنفّذ. وبعد كل شيء، لا معنى للبيئة والكائنات الحية في منطقتنا.وجميع البنى التحتية ووحدات توليد الطاقة التي يجري بناؤها في سياق الاشتراطات البيئية المعروفة في عالمنا خطأ وغير ضرورية وضارة، ومن ثم لا معنى لها.

أحد الأمثلة الحاضرة هو سد “إليسو” للطاقة الكهرومائية الذي يصل عمره الافتراضي إلى 60 عاماً، لكن بناءه يستلزم التضحية بمدينة حصن كيفا العتيقة التي يعود تاريخها إلى ما قبل 12 ألف سنة، فضلا عن أنه سيُعرض السكان المحليين لإسمنت إدارة تطوير الإسكان وسيضر بشكل دائم بالجيران الذين يستفيدون من روافد النهر قبل أن يصب في الخليج.

وفقد الإعلام الذي يخضع 98 بالمئة منه إلى سيطرة النظام كل معانيه بسبب الرقابة الذاتية والحكومية، وخراب وسائل التواصل الاجتماعي، والمتصيدين من أتباع حزب العدالة والتنمية، وانتشار الأخبار الكاذبة. والقليل من الناس يقرأون في هذه الأيام.

ورغم أن المجتمع الأكاديمي يحاول أن يظل واقفاً على قدميه، فإن الرقابة الصارمة التي يفرضها النظام عبر مجلس التعليم، والعداء تجاه العلوم الإيجابية، وعقم العلوم الاجتماعية في ظل نظام شمولي، جعل المجتمع الأكاديمي مؤسسة غير مثمرة وبلا معنى؛ فقد انتزعت القرارات الحكومية والملاحقات الروح من ذلك المجتمع.

ومنذ فترة حتى الآن، يغيب المنطق عن السياسة الخارجية؛ فحيث أن دبلوماسيين مخضرمين قد جرت إزاحتهم من الخدمة، وتولت مجموعة غير مؤهلة من مستشاري الرئاسة مسؤولية صناعة القرار، فقد بات كل ما تبقى بلا فائدة، وتركزت الدبلوماسية الجوفاء على توجيه التهديدات الفارغة إلى أي كيان أجنبي.

ووضع الجيش ليس بأفضل حال؛ فقد وصلت القوات المسلحة التركية إلى مستويات من السخف لا يمكن أن تكون منطقية، على الأقل في حلف شمال الأطلسي أو روسيا الحليف الجديد لتركيا. فما المعنى في معارضة النظام الأمني الغربي الذي يربط تركيا به شِريانُ حياة؟

والعادات والتقاليد الأساسية التي تشكل المجتمع تخسر معناها أيضا بشكل فاضح. فهناك عدد كبير ممن يعيشون في تركيا لا يشعرون بالأسى للتحرش بالنساء والأطفال والكلاب والقطط وقتلهم. هذه أرض صارت فيها القيم الأساسية مثل الضمير والوقار والحرج والاحترام والخطيئة والخجل والاعتذار بلا معنى.

لقد وصل السخف مستويات لا يمكن لشخص أن يتوقف عندها دون أن يسأل نفسه “هل بقي أي معنى لتركيا كبلد؟”.

8