المنظمات الحقوقية الدولية: إيقاد الشمعة أم لعن الظلام

الثلاثاء 2017/03/07
منصات جبارة لخدمة أجندات دولية

العلاقة بين السلطة والمواطن، في أي حيز من العالم، حتمت اللجوء إلى مخارج فكرية وسياسية ومدنية تقي المواطن جور السلطة، وتعفي السلطة من واجبات لا تنتهي. في هذه المساحة الخالية نشأت فكرة المنظمات الحقوقية، أو منظمات المجتمع المدني، فكرة خلاقة لتسديد النقص، أو لربط الصلات، أو للاعتماد المتبادل بين المجتمع المدني والسلطة.

كان تأسيس المنظمات الحقوقية الدولية، منطلقا من فلسفة متداخلة قوامها أولا سد الشغور الحاصل بين الدولة والمواطن، أو تحديدا ربط الصلات أو لعب دور الواسطة، ودافعها ثانيا إلى الذود عن حقوق الإنسان الكونية ومقاومة كل خرق للعهد الدولي لحقوق الإنسان، وتاليا صون حقوق الإنسان في كل أصقاع الدنيا. جدير هنا التأكيد على أن المنظمات الدولية الحقوقية تأسست جميعها على أساس مبادئ ومرجعية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (الصادر في 10 ديسمبر من العام 1948)، وهذا لا ينفي وجود منظمات وجمعيات سبق لها صوغ الإعلان الأممي إلا أن تلك المنظمات لن تكون موضوع هذه الإشكالية.

في فترة الحرب الباردة انتعشت أعمال المنظمات الحقوقية الدولية، لأسباب كثيرة وخلفيات معروفة. سياقات انتعاش هذه المنظمات في تلك الحقبة كانت متصلة بالنبش المتبادل بين القطبين الكبيرين في سجلات الخصم، وخطاياه. هنا بدأ الانزياح الكبير للمنظمات الدولية عن مقاصدها وشرائعها، من نبل الأهداف المعلنة (الحق في عدم الاعتقال أو الحجز التعسفي، وحق التعبير الحر عن الرأي والمعتقدات والديانة، والحق في محاكمة عادلة، والحق في الحياة والحرية والأمان، وهي الحقوق التي تعمل المنظمة على حمايتها في مُجمل نشاطها)، إلى خدمة أجندات وأهداف طرف أو دولة أو تصور سياسي.

وجود المنظمات الحقوقية الدولية، ضروري ومفيد بل وناجع في العديد من الحالات، لناحية كشفها عن الانتهاكات التي تمارسها الأنظمة ضد شعوبها، وفضحها لظواهر التعذيب والقتل والاغتيال

الانزياح كان أيضا موسوما بالانتقال الخافت وغير المعلن من “الحقوقي” إلى “السياسي”، إذ أن ارتباط المنظمات الحقوقية الدولية بالمنطلقات السياسية والدبلوماسية، قلص من نبل نضالاتها وبرر الحذر والتوجس الكبيرين من مواقفها وبياناتها، وهو ما طرح سؤالا ضخما عن حقيقة المصداقية.

على أن التهمة أو التوجس المشار إليه لا يبدو حاملا لكل أركان الوجاهة، من ناحية منطقية أولى تقوم على أن الفصل بين السياسي والحقوقي أمر في غاية العسر، وإن حدث فهو منهجي أو معياري، لا يمكنه أن يبارح فضاءات الكتب والدراسات الأكاديمية، وإن تم إسقاطه على الواقع المتشابك فسيصبح ضربا من المستحيل أو ممارسة عسيرة التحقق. ما تقدم يعيد البعض من الاعتبار إلى المنظمات الحقوقية الدولية، ويوفر لها شيئا من التفهم، ويرفع عنها “عتبا” لا يخلو بدوره من التوظيف والانتقائية، وهي تهم لطالما ألقيت في وجه بيانات المنظمات الحقوقية الدولية (العفو الدولية مثلا أو هيومن رايتس واتش).

مفيد التذكير هنا بأن حصول منظمة العفو الدولية على جائزة نوبل للسلام في العام 1977، كانت مناسبة تجددت خلالها المواقف المتناقضة من المنظمة: حيث لم تخرج المواقف من الإشادة أو الانتقاد. إشادة بسجل المنظمة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، أو انتقاد لخلفيات الحصول على الجائزة وتسييسها، وتبعا لذلك لأجندات المنظمة وما قدمته “ثمنا” للحصول على الجائزة.

“منظمة العفو الدولية منظمة حيادية، ديمقراطية ذات حكم ذاتي مستقل عن جميع الحكومات، والأيديولوجيات السياسية، والمصالح الاقتصادية، والمعتقدات الدينية”. ورد هذا التعريف في القانون الأساسي للمنظمة، لكن هذا التعريف بقدر ما يمثل هديا لأعضاء المنظمة والمدافعين عنها والمتبنين لأطروحاتها، فإنه يوفر بنفس القدر كل المنطلقات لنقدها وبيان انتقائيتها وكيلها بمكيالين.

“عندما فقط يتم الإفراج عن آخر سجين رأي، وعندما فقط يتم إغلاق آخر غرفة إعدام، وعندما فقط يصبح الإعلان العالمي واقعا ملموسا لشعوب العالم، سنكون إذن قد أنجزنا عملنا”، هل ناضلت المنظمة بنفس القدر للدفاع عن “كل” سجين رأي؟ أم أنها لا توزع نضالها بنفس العدالة على شعوب الأرض؟

وجود المنظمات الحقوقية الدولية، ضروري ومفيد بل وناجع في العديد من الحالات، لناحية كشفها عن الانتهاكات التي تمارسها الأنظمة ضد شعوبها، وفضحها لظواهر التعذيب والقتل والاغتيال، والتضييق على الحريات، وصولا إلى رفضها المبدئي لعقوبة الإعدام وغيرها من العقوبات التي أصبحت تنتمي إلى قرون ولّت، وكل هذه النضالات حصلت وأثبتتها الوقائع، لكن هذا القول لا ينفي القول بأن السجل المذكور والموثق هو من قبيل النضالات التي تشوبها شوائب عديدة. هل أعين هذه المنظمات مفتوحة على خارطة العالم بمختلف زواياها؟ أم أنها تغمض أعينها أحيانا على انتهاكات معينة، وتفتحها بتركيز شديد على أخرى؟ “أن توقد شمعة خير من أن تلعن الظلام” شعار مركزي لمنظمة دولية معروفة، فهل تقوم فعلا بإيقاد الشمعة أم هي تكتفي بلعن الظلام؟

اقرأ أيضا:

مكر الالتباس بين الحقوقي والسياسي

نشاط إنساني ضامن للحقوق والحريات

12