المنظمات الشيعية.. إسلام سياسي على الطريقة الإيرانية

الأحد 2015/07/12

تتفق حركات الإسلام السياسي رغم اختلاف مسمياتها على مبدأ تسييس الدين وتحويل الإيمان والعلاقة الروحية بالخالق إلى قنبلة تنفجر في وجه المجتمع، وتجلب الفوضى والانقسامات والتكفير وتفكيك الدول واستهداف أمنها واستقرارها.

وتعتبر جماعة الإخوان من أقدم حركات الإسلام السياسي في تاريخنا المعاصر، إلا أن ثورة الملالي في إيران أنتجت حركات إسلام سياسي على الطريقة الإيرانية. ويشير الباحثون إلى أن النموذج الإخواني كان ملهما للحركات الشيعية المتطرفة، رغم أنها تعتمد على البعد العسكري والميليشاوي بوضوح بعكس الإخوان الذين يعتمدون على السرية.

ومن أبرز الحركات الموالية لإيران في عالمنا العربي حزب الله اللبناني، الذي نشأ في الثمانينات عقب الثورة الخمينية، التي مثّلت دافعا قويا لنمو هذا الحزب، وذلك للارتباط المذهبي والسياسي بين الطرفين، لدرجة أن بيان تأسيسه الذي صدر في 16 فبراير 1985، أشار بالنص إلى أنه “ملتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في ولاية الفقيه، وتتجسد في روح الله آية الله الموسوي الخميني مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة”، بحسب ما جاء في البيان.

والتبعية لطهران واضحة منذ النشأة، كما أن تسمية هذا الكيان ووصفه بأنه حزب لا يعني أنه مجرد توجه سياسي فقط، بل إن حزب الله وكل الحركات الشيعية التي على شاكلته تعتبر مجموعات عسكرية متطرفة، ويتضمن برنامجها وفكرها العسكري أولوية خدمة المشروع الإيراني الطائفي وتصدير أفكار ملالي إيران وتصوراتهم لدولة الولي الفقيه.

لذلك فشل حزب الله في التأقلم والاندماج داخل المشهد السياسي اللبناني، وهو يرفض التخلي عن سلاحه بحجة مقاومة العدوّ الإسرائيلي، بينما يعتمد على ترسانته العسكرية لتحقيق حضور ضاغط في لبنان. ولا تخلو أزمات لبنان السياسية من تعنّت هذا الحزب المسلح الذي يتواجد عسكريا على حساب حضور الدولة ومؤسساتها الرسمية.

في تاريخ حزب الله الكثير من المحطات، وفي مراحل مختلفة كان يحظى بتعاطف عند كل صدام يحدث مع إسرائيل، لكنه سرعان ما يخسر شعبيته ويفقد التعاطف معه بسبب سياساته التي لا يحيد عنها، ومن خلال ممارسته لدور وكيل إيران في لبنان والمنطقة، إلى جانب قيامه مؤخرا بالتدخل في سوريا لدعم نظام بشار الأسد. وبالطبع لم يقدم على هذه الخطوة إلا بتوجيهات من طهران، التي لها مصلحة في الدفاع عن النظام السوري تتعلق بجانب مذهبي وآخر سياسي في إطار لعبة الضغوط الدولية التي تمارسها إيران وتبتز بها الغرب لتمرير مشروعها في بناء مفاعل نووي.

هذا الارتباط الأيديولوجي والفقهي بإيران سرعان ما وجد ترجمته المباشرة في الدعم السريع والمباشر للحزب عبر الحرس الثوري الإيراني، ونظرا لكون حزب الله حركة عسكرية طائفية مسلحة، تصنفه العديد من دول العالم ضمن المنظمات الإرهابية.

وفي اليمن تمثل جماعة الحوثيين بذرة جديدة للمشروع الإيراني في جنوب الجزيرة العربية على طريقة حزب الله، فمنذ ظهورهم وهم يتشبهون بنظيرهم اللبناني ويبنون تنظيما مسلحا يعتمد على شعارات مذهبية، وتربطهم بإيران علاقات وصلت إلى حد ابتعاث أولادهم للدراسة في الحوزات الإيرانية الشيعية، رغم الاختلاف المذهبي بين شيعة اليمن الزيديين والمذهب الإثني عشري في إيران، ويعتمد الحوثيون كذلك على السرية، فرغم أنهم يعتبرون أنفسهم حركة سياسية، إلا أن هياكلهم التنظيمية غامضة، كما هو الحال عند حزب الله اللبناني.

جلب الحوثيون لليمن كارثة الحرب الطائفية وتدمير الدولة ويتحدثون عن أنفسهم بلغة لا تختلف عن منطق جماعات الإسلام السياسي الأخرى، وتورطوا مؤخراً في اختبار قوتهم عندما تحالفوا مع الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، وقاموا بالزحف على المحافظات اليمنية بما فيها العاصمة صنعاء، وهللت طهران لزحفهم على حساب السلطة الشرعية القائمة في اليمن واعتبرتهم يمثلون بحركتهم امتداداً لثورة الخميني في إيران!

أما الأحزاب والحركات الشيعية في العراق فلها أكثر من اسم لكن الولاء واحد، حيث استغلت إيران ومن يوالونها كثافة عدد الشيعة في العراق، رغم أنهم يمثلون جزءاً أصيلاً ووطنياً من النسيج العراقي، إلا أن الاستغلال الإيراني أنتج عدة أحزاب شيعية تتسابق كلها على الولاء لطهران، من بينها أحزاب قديمة وأخرى جديدة، ومعظمها تمتلك أجنحة عسكرية مثل حزب الله في لبنان، ومن بين المسميات التي وجدناها في خريطة الأحزاب العراقية الموالية لإيران ولنظام الولي الفقيه مسميات عجيبة بلغت 14 منظمة وكلها تحمل صبغة إيرانية خالصة، مثل “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية”، و”جند الإمام”، و”حزب الله العراقي” وغيرها.

وبعد أن عزمت الحكومة العراقية على البدء بتحرير المدن والمناطق التي استولى عليها تنظيم “داعش”، تم تأسيس ما تسمى بقوات الحشد الشعبي، التي تتكون من مجموعات شيعية، تتحدث الأنباء باستمرار عن تجاوزات وأعمال طائفية ترتكبها هذه القوات التي تنافس الجيش العراقي وتودّ أن تكون بديلاً له، وكلما تقدمت في منطقة ترد أنباء عن قيامها بأعمال انتقامية في أوساط السكان.

ويبقى الخلاف قائما مع الجماعات والأحزاب التي تقوم بتسييس الدين سواء كانت سنية أو شيعية، مادامت تعتمد على الارتباط بولاءات خارجية، لأن ما تتطلبه الدول الحديثة من استقرار وتنمية هو وحدة صف المجتمع، والابتعاد عن التطرف وعن الجماعات ذات الأهداف الطائفية.

كاتب من الإمارات

5