المنظمات المدنية ضرورية وضمانة لتحقيق المشاركة المجتمعية

الثلاثاء 2017/08/15
نوبل للرباعي التونسي تجعل المجتمع المدني منقذا للدولة

لأن الخيط رفيع جدا بين السياسة بمعناها الضيق الاحترافي والسياسة بمعناها الشامل العام، فإن منظمات المجتمع المدني تعد ضرورة وتمثل مظهرا من مظاهر الحداثة والديمقراطية، إذ كيف ستصنع مجتمعا صحيا ناجحا دون أن تسمح لمواطنيه بالمشاركة؟

الدول الحديثة تُعرف بمدى تقدم وازدهار هذا النوع من الجمعيات والمؤسسات التي يحلو للبعض تسميتها بالمنظمات غير الحكومية، فما المشكلة في أن تمارس تلك المنظمات السياسة؟ وهل السياسة سُبّة أو رجس من عمل الشيطان أو حكر على مجموعة من المتنفذين الحاكمين دون بقية أبناء الأمة؟

منظمات المجتمع المدني دورها الرئيسي الذي نشأت من أجله هو تنمية المجتمع من خلال برامجها التي تشمل تقديم كل أنواع الخدمات، وبالتالي فإن مشروعية وجودها هي الالتحام بالجماهير العريضة، خاصة في المناطق المحرومة البعيدة عن اهتمام الحكومات، فإذا كان البعض يرى في هذا الالتحام خطرا لأنه يُعدّ “ممارسة للسياسة”، فإن تلك نظرة قاصرة وخاطئة بكل تأكيد.

يتعلل ناقدو تلك المنظمات بأنها تسعى لإلغاء دور الحكومات والأحزاب، فأين دلائل هذا الإلغاء؟ إن واحدا من أهداف جمعيات المجتمع المدني تمكين المجتمعات المحلية المحرومة من حقوقها وتنميتها، وهي لن تنجز هذا الهدف إلا عبر قوانين تسمح لها برسم سياسات وخطط تلك التنمية، وبهذا المعنى فهي ذراع إضافية لمساعدة الحكومة، وسيؤدي قطع تلك الذراع إلى حرمان المجتمع من منافع كثيرة بل وإلى الإضرار بالحكومة ذاتها.

اقتصار اللعبة السياسية على طرفين اثنين فقط هما الحكومة والأحزاب السياسية فيه افتئات على شرائح عريضة بالمجتمع

تدخلها في رسم السياسات الإستراتيجية والخطط العامة في الدولة حق أصيل لها، سواء على المستوى المحلي أو الوطني، وهو أيضا من صميم عملها لإنجاز رسالتها، مادامت تمثل الجماهير.

تلك الجمعيات تحتك احتكاكا مباشرا بالناس العاديين لخدمتهم، وما يُحتّم بالضرورة أن توفر لها الحكومات المعلومات بمنتهى الشفافية والنزاهة لتقوم بدورها على الوجه الأكمل، لكن الحادث في دولنا العربية أنها تحجب المعلومات، ليس عن المجتمع المدني فحسب بل عن الجميع، مع أن إتاحة المعلومات هي إحدى خصائص المجتمعات الديمقراطية ويمثل حجبها بالتبعية قطعا لرأس الديمقراطية.

علاوة على هذا، فإن اقتصار اللعبة السياسية على طرفين اثنين فقط هما الحكومة والأحزاب السياسية فيه افتئات على شرائح عريضة بالمجتمع، لأن الأحزاب في غالب الأحوال بالمجتمعات العربية تكون كرتونية وعاجزة عن الوصول إلى كل الناس، إذ كيف يمكن الحديث عن “الدور الحزبي” في أماكن محرومة حتى من ماء الشرب النقي والصرف الصحي، وأحيانا الطعام نفسه؟

أليست الأحزاب ترفا وكماليات لا لزوم لها عند فقراء محرومين.. فلماذا إذا تقدمت جمعيات المجتمع المدني لخدمتهم تُتهم بالعمالة وعدم المسؤولية وبالخيانة أحيانا؟

بل وحتى إذا مارست السياسة بشكل مباشر فما المشكلة طالما أن ذلك يتم في إطار احترام دستور البلاد وقوانينه، وكذلك تحت أعين وآذان الأجهزة الرقابية المنتشرة هنا وهناك والتي لا تخفى عليها كبيرة ولا صغيرة؟

هنا قد يجوز الاستشهاد بالتجربة التونسية، ألم ينجح الاتحاد العام التونسي للشُغل، ومعه 3 منظمات أخرى للمجتمع المدني (فيما عرف بالرباعي الراعي للحوار)، في تبني حوار وطني جاد ومثمر في أعقاب ثورة يناير هناك، ما نتجت عنه حلحلة الأزمة السياسية، ووضع خطة طريق ناجعة أنهت الفترة الانتقالية التي تلت إسقاط النظام السابق، فحظيت هذه المنظمات المدنية باحترام وتقدير الجميع داخل تونس وخارجها، حتى نالوا جميعا معا جائزة نوبل للسلام في عام 2015؟

ومن البديهي أن منظمات المجتمع المدني – كي تنجح في إنجاز مهامها – تحتاج إلى تمويل، إما لتقديم قروض للفقراء، وإما للإنفاق على مشروعاتها التنموية العديدة المتعلقة بالنساء والأطفال والشباب وكبار السن وغيرهم، صحيح أنه يجب أن تكون هناك شفافية في الكشف عن مصادر هذا التمويل حتى لا تستخدم في غير الأغراض التي جُمعت لأجلها، لكن هذا لا يجب أن يكون أبدا مبررا لاتهامها طوال الوقت بالسعي لهدم الدولة، خاصة أن الحكومات نفسها أعلنت أنها لم تعد قادرة على الإنفاق على الجميع.

كذلك تنبغي الإشارة هنا إلى مسألة أخرى في منتهى الأهمية، وهي أن تلك المنظمات المدنية، سواء الحقوقية منها أو الخدمية الإنسانية، هي بمثابة مدرسة للتوعية يتعلم فيها المواطنون كيفية الحصول على الحقوق، فلماذا تريد الحكومات العربية منعها من القيام بهذا الدور سعيا منها لاحتكار اللعبة السياسية؟

12