المنهج الأركوني بديل فكري لرواسب الوثوقية الإسلامية

حسن مصدق يصف محمّد أركون بالفيلسوف المتمرد على الموروث الذي يفصل بين الإسلام والقرآن.
الأربعاء 2019/06/19
ضرورة تجديد أسس القراءة النقدية للفكر الإسلامي

النظر والتدقيق في القراءات الوثوقية والدغمائية المستبدة منذ عقود طويلة بالتراث والفكر العربيين الإسلاميين، يطرحان أمام المجتمعات المسلمة عدة مراجع ومدارس فكرية حديثة بديلة قد تجد فيها ضالتها لتنهل منها ما استطاعت للتحرر من سجن الموروث الذي ظل جامدا ولم يتطور. من هذه المدارس المعاصرة “الأركونية” نسبة لأحد أهم المفكرين وهو محمّد أركون الذي رام بنفسه وجنّدها لتجديد أسس القراءة النقدية للفكر الإسلامي فبقيت إصداراته ومؤلفاته إلى اليوم تلهم من عاصروه ومن جاؤوا بعده، باعتبار أنها قادرة على أن تكون بديلا عمليا لتلك القراءات التي فاتها القطار والتي بقيت حبيسة قراءات زمن ولّى وليس بإمكانه مسايرة واقع العصر الراهن.

براء ميخائيل 
يموت المفكّر في غالب الأحيان ولا يعلم أن ما وثّقه من آثار وكتب سيكون عظيم الشأن ومرجعا لمن يأتي بعده لتقييم الأمور أو تسجيل المواقف. وفي الوقت الذي تتواصل فيه سيطرة القراءات الدغمائية على الفكر الإسلامي والتي أدت إلى إفراز جماعات وتيارات إسلامية متشدّدة، تتوفر لدى من يبحث عن بدائل حداثية ومتنورة كانت عصارة فكر العشرات من المفكرين المسلمين عدة مراجع منها ما خطها  محمّد أركون.

رحل المفكّر والفيلسوف الجزائري محمّد أركون قبل عشر سنوات، لكن قراءاته المعاصرة للفكر والموروث الإسلامي ظلّت راسخة لا فقط في العالم الإسلامي بل في العالم بأسره، فالرجل نذر حياته لتجديد أسس القراءة النقدية للفكر الإسلامي بإصداره مؤلفات لا تعترف بالمحظورات وكانت دائما تسعى لتفكيك جميع البنى التي بني عليها العقل الديني الإسلامي.

لقد كان أركون جريئا أيضا في أفكاره، إذ أنّه لم يتردّد أبدا في انتقاد الصيغ الرسمية والتقليدية المعتادة عموما عند التطرق إلى تاريخ الفكر الإسلامي ومعطيات ومعاني الدين بصفة عامة، ما جعله يملأ الدنيا ويشغل الناس حتى بعد رحيله، حيث وضع أسس فكره الأركوني الذي كان ولا يزال ملهما للباحثين.

أسس الفكر الأركوني تسلط عليها الأضواء مجدّدا تزامنا مع عجز المجتمعات الإسلامية عن التخلص من رواسب الموروث. وفي هذا الصدد حاول الأستاذ الجامعي ومدير الأبحاث والدراسات في مركز الأداء الاستراتيجي حسن مصدّق تلخيص رؤى أركون في كتاب صادر عن معهد العالم العربي في باريس وجائزة الملك فيصل باللغة الفرنسية تحت عنوان “محمّد اركون وبناء الفّكر الإسلامي”.

خارج السرب

حسن مصدق: أركون حارب الرواية التي تضع نفسها خارج التاريخ وبنى تصوراته على قاعدة أن التاريخ يكتبه المنتصرون
حسن مصدق: أركون حارب الرواية التي تضع نفسها خارج التاريخ وبنى تصوراته على قاعدة أن التاريخ يكتبه المنتصرون

قد لا تكفي قراءة آثار محمّد أركون لمعرفة ما صبا إليه الرجل بتقديمه قراءات جريئة ومتمرّدة على الموروث ولذلك يكون الاعتماد على من عاصره من أمثال حسن مصدّق أفضل وسيلة للتعمق في فكره وآثاره لمناقشتها وربما لانتقادها.

يقول حسن مصدق عن الكتاب الذي أصدره في حوار مع “العرب” “علاقتي بمحمد أركون تمتد إلى سنوات طويلة في جامعة السوربون وفي بعض المشاركات في بعض المؤتمرات
الدولية المنعقدة حول التراث والقرآن وطبيعة الفكر العربي المعاصر، وهي ما زالت مستمرة مع كتبه ولن تنقطع بوفاته لأن الحاجة إليه تفرض نفسها اليوم بإلحاح من منطلق تحرير تراثنا العربي الإسلامي من القراءات الوثوقية”.

وعن مقدرة فكر أركون على قلب المعادلة وتحرير الأذهان من سطوة الموروث، يؤكّد حسن مصدق أن “فكر أركون يفتح آفاقا رحبة في تأويلاته المتعددة، ولربما تأخرنا كثيرا في قراءتها وتأويلها. ففكره ما زال لم يصل بشكل كاف وواف إلى الأجيال الجديدة”.

وعلاوة على أن محمّد أركون قرأ التراث الإسلامي قراءة نقدية معمّقة مثيرة للجدل بانتصاره الدائم  لكل ما هو إنساني وعقلاني في التراث الإنساني والتراث الإسلامي، فإنه بحث في الظاهرة الدينية بمختلف تجلياتها، وغاص في عمق التراث الديني الإسلامي، وحارب محاولات المستشرقين في إسقاط جملة من الأفكار والمصطلحات الغربية عليه، ولم يرد في نفس الوقت التوفيق بين الفكر الغربي والإسلامي من جهة، وتصدى بجرأته المعهودة للقراءات التقليدية والمسلمات الموروثة من جهة أخرى.

الفكر الأركوني مشروع فكري كان جوهره أن الدين الإسلامي يقع في التاريخ. لذلك طالب بالفصل بين القرآن والإسلام

وبحسب صاحب كتاب “محمّد أركون وبناء الفكر الإسلامي”، فإن المفكر أركون حارب كل المنظومات الفقهية والرواية التاريخية الرسمية التي استبدت بالرؤى الفقهية الجامدة التي تضع نفسها خارج التاريخ، وباعتقاده أن كل مساهمة لا يمكن أن تعلو على شروطها التاريخية والاجتماعية والسياسية.

ظل موروث الفكر الإسلامي طيلة عقود يخلط بعمد بين الإسلام والقرآن، دون الفصل بين عالمين أولهما دنيوي وبشري أما الثاني أي القرآن فإلهي متعال، وعلى هذا الأساس قامت التيارات الإسلامية التي لخبطت وعقّدت إمكانية تطور الفكر الإسلامي برمته.

هذا المبحث الفكري الهام غاص فيه كثيرا محمد أركون الذي دشن مشروعا فكريا وثقافيا كان جوهره وعماده الأساسي أن الدين الإسلامي يقع في التاريخ وليس خارج التاريخ بمعنى أن القرآن خطاب ديني مجازي له أبعاد رمزية، وليس كتابا في علم الرياضيات والفيزياء ولا في علم السياسة والاقتصاد. لذلك طالب بالفصل بين الظاهرة القرآنية والظاهرة الإسلامية، فالأولى حسب فكره متسامية بطبعها ومفتوحة ورحبة، فيما الثانية بشرية وتم تجسيدها عبر بشر قدموا اجتهادات لها ما لها وعليها ما عليها.

وعن خلاصة الفكر الأركوني يقر مصدق بتشعّب فكر أركون لكنه يتحدث قائلا “بالنسبة له هناك خلط كبير بين الإسلام كدين والإسلام كإطار تاريخي أنتج ثقافة عالمة وثقافة شفهية، ومن هنا تأتي أهمية منهجه في تطبيق التاريخ والعلوم الإنسانية والاجتماعية للقبض على سيرورة تاريخية إسلامية بدأت منذ أربعة عشر قرنا، ابتدأت بحدث النبوة والذي تلته تحولات كبرى كمرحلة العصر الكلاسيكي، ومرحلة العصر التكراري الذي عرف بالجمود والشلل، ومرحلة النهضة التي انتهت اليوم بفشل ذريع، بحيث يصبح من المهم تفكيك العقل الإسلامي وإعادة بناء تاريخي له لأنه في كل مرحلة من هذه المراحل تغير وتبدل. بمعنى، والقول لمحمد أركون، “أنك إذا لم تصحح نظرتك لماضيك، لن تصحح نظرتك لحاضرك ومستقبلك”.

وركز أركون في فكره على تاريخية كل فكر وكل مذهب من مذاهب الفكر الإسلامي، بحيث كشف كل التلاعبات والمسوغات التي قدمها أي مذهب لتبرير الحقائق التي قدمها في عصره
بحسب مصالح القيمين عليها مع مراعاة نسبية العقل التي ولّدها بالمقارنة مع الحقيقة المثالية التي بثها الله في القرآن.

ويشدد كتاب “محمّد أركون وبناء الفكر الإسلامي” على أن هذا المفكر بنى كل تصوراته على قاعدة أن التاريخ يكتبه المنتصرون الذين رموا إلى الهامش كل مخالفيهم، ونبذوا ثقافات المعارضة والثقافات الشعبية سواء عبر تصفية أو تشويه رموزهم بعد حرق كتبهم ما يستدعي إعادة تركيب الذاكرة الجماعية بوضع التاريخ الرسمي مقابل التاريخ السري أو المسكوت عنه.

إن العودة إلى مراجع ومدارس فكرية مثل التي أسسها محمد أركون أو غيره من المفكرين المختصين في الشؤون الاسلامية، تأتي في وقت أطلت فيه مدارس وثوقية ورجعية تغلغلت أكثر في المجتمعات المسلمة بعيد وفاة أركون بأشهر قليلة ولذا من المنطقي أن يطرح السؤال الملح بشأن خطته الفكرية والمنهجية لمعالجة العقل الإسلامي.

نقد العقل الديني

Thumbnail

في هذا الصدد، يقول حسن مصدّق إن أركون طرح استراتيجية فكرية واسعة جدا تتطلب جهودا من مختلف التخصصات، أوكل لها مهمة القيام بدراسة تفكيكية للحقائق التي يفكر بها العقل الإسلامي من خلال سبعة مستويات.

أولا: باللغوي والسيميائي، ثانيا: فحص المستوى التاريخي للحقائق المقدمة في المدونات والمراجع وربطها بسياقها التاريخي، ثالثا: النظر إلى ارتباط التاريخ بالبنية الاجتماعية التي يكشف عن موقعها وعلاقاتها بمن يدافعون عنها أو من يقفون ضدها، رابعا: المستوى الأنثربولوجي الذي يكشف العلاقات مع الثقافات الأخرى وكيف تم تلقي الدين والتفاعل معه من خلال فحص جدلية العلاقة: الشفهي/ الكتابي، ومن ثم الأسطوري/ العقلاني.

ويبني فكره خامسا: على موقع الحقائق في تاريخ أنظمة الأفكار من خلال معاينة فلسفية صارمة، سادسا: فحص المستوى اللاهوتي أمر ضروري في كل تراث ديني وأخيرا البحث في المستوى النفسي للكشف عن لا وعي الفكرة أو الحقيقة التي يتم تداولها، والتي تتلون بحسب البيئات والأوساط والمجتمعات.

رؤية ناقدة
رؤية ناقدة

عادة ما تنتقد تيارات الإسلام السياسي كل من يخالفها الرأي أو كل من يقدّم أطروحات معاصرة بديلة لما تتناقله من موروث جامد ومن هم محمد أركون بأنه صنيعة مدارس غربية تريد التنصّل من ثقافتها وحضارتها العربية.

وهنا يؤكّد حسن مصدّق أن أركون قضى طوال حياته يحاول إعادة قراءة التراث الإسلامي بعيدا عن اليقينيات الدغمائية والأنظمة المغلقة والأيديولوجيات التبجيلية. كما أنه سعى جاهدا للتقريب بين الثقافات المتوسطية (الإسلامية، المسيحية واليهودية) بكل ما أوتي من جهد.

لكن مصدق بصفة العارف بخبايا الفكر الأركوني يؤكّد في المقابل أن محمّد أركون لم يكن ليكون مفكرا بتلك الطريقة لو لم يتوفر له مناخ معرفي يتسم بالحرية الممنوحة والمسموح بها للبحث العلمي في الجامعات الغربية، علاوة على استفادته من وفرة المناهج العلمية التي ما زال بعضها لم ينقل إلى العربية حتى الآن وكان يسعى على الدوام لمراجعة أفكاره، وفحصها برؤية نقدية بوصفه مؤرخا فيلسوفا أخضع سلطة العقل والعلمانية المتطرفة والدراسات الاستشراقية والمركزية الأوروبية نفسها لانتقادات عنيفة.

وعلى عكس القراءات الجامدة تدفع المدرسة الأركونية إلى الخروج من أسر المقدس وليس الدين، بمعنى أن الحداثة العربية والإسلامية لا يجب أن تكون دينية ولا ينبغي لها ذلك لأنها حضارة بشرية. معنى ذلك، تفكيك السلطة الدينية بما هو تفكيك للنصوص الكبرى الدغمائية والمرجعيات التقليدية في تفسير الدين الإسلامي التي حاولت اختزاله في قوالب لاهوتية وأنظمة متحجرة، وهي المسؤولة اليوم عن العنف والتخلف واللاعقلانية، كما أن أغلبيتها كرست الدين لصالح الحكومات وأصدرت فتاوى لصالحها وأضفت قداسة عليها.

هالة التقديس

يعتقد المفكر الجزائري الراحل بأن نزع هالة التقديس مما يسميه بالإسلاميات التطبيقية، هو نقد لهذا الحق الذي أعطته لنفسها لتمثيل الله فوق الأرض، ومن ثمة من الضروري القيام بمراجعة نقدية جذرية تشمل العقل الإسلامي برمته لأن العقل الديني جزء منه وليس فقط جوانب من ثقافته. وهذا هو السبيل الوحيد للخروج من أقنوم التخلف والجمود الحالي في المدرسة الأركونية.

لم يسلم العشرات من المفكرين والباحثين في الشؤون الإسلامية منذ عقود من حملات التشويه والتخوين والتكفير التي قادتها مرجعيات وتيارات دينية تنظر إلى العالم برؤية رجعية ومتخلفة ومن هؤلاء محمّد أركون الذي جلبت له مواقفه وقراءاته الكثير من الاتهامات من السلطات والمرجعيات الدينية، حيث جعلت من التسطيح المقصود لأفكاره، مطية لنزعها من سياقاتها الفكرية والمنهجية لأن الرجل كان يدعو إلى استقلالية المجال الفكري عن المجال الديني.

وحاول البعض وفق حسن مصدق “أن يوهم بأن قوله بضرورة مساءلة سيرورة تكوين المدونة الإسلامية ( بما فيها القرآن) واعتبارها نتاجا بشريا، هو مساس بالدين الإسلامي وبالقرآن نفسه وهذا غير صحيح، وفيه كثير من التجني عليه، وكان سببا في تجييش الجمهور الديني من حوله لرفض آرائه حول القرآن وتفسير النص الديني وموقفه من التراث”.

محمد أركون سلط الضوء على حاجة المجتمعات الإسلامية راهنا إلى المدرسة الأركونية الناقدة للموروث الجامد

عند تناول الفكر الأركوني يطرح السؤال ما الذي ستُفيد قراءاته وآثاره راهنا في وقت تسيطر عليه قراءات مغشوشة وجامدة للتاريخ والفكر الإسلامي، لتظهر الإفادة عند التعمّق في فكره الداعي إلى تأسيس قراءة جديدة منفتحة للنص الديني تتجاوز الفهم غير السليم والمتطرف للدين من جهة، والفهم القاصر للسياسة بوصفها علما حديثا له أسسه وقوانينه وآلياته التدبيرية من جهة أخرى، علاوة على إصراره الفكري الموضوعي على معرفة السبب الحقيقي الذي منع انتشار العقلانية النقدية في العالم العربي والإسلامي والجهر بذلك.

كما أن هذا المفكر وعلى الطرف النقيض وبالتزامن راهنا مع تصاعد خطابات الإسلاموفوبيا المعادية للاسلام والمسلمين، كان يخوض دفاعا كبيرا عن الإسلام في الغرب بوصفه دينا يدعو إلى الأنسنة والعقلانية والعلمنة في كل المنابر الدولية. لكنه ظل يطالب بعدم تعليق خيبات المسلمين على مشجب الآخرين، لأن أسباب العلة والتخلف لا يمكن التخلص منها إلا بمغادرة أرضية التواكل، عبر تطهير الموروث الديني مما علق به من شوائب وتراكمات سلبية منذ قرون.

13