"المهاجران" مسرحية ناجحة تحولت إلى فيلم فاشل

فيلم “المهاجران” هو فيلم مأخوذ عن نص للكاتب البولوني سلافومير مروجيك سنة 1974، وهو من إخراج السوري محمد عبدالعزيز وإنتاج “شركة الشرق للإنتاج السينمائي”، بطولة سامر عمران ومحمد آل رشي، وهو مقتبس عن مسرحية تحمل نفس الاسم، أخرجها وأعدها سامر عمران عن نص البولوني مروجيك.
الأربعاء 2016/03/16
المسرحية طغت على الفيلم

لم يحفل عرض من عروض المسرح السوري في العشر سنوات الأخيرة بالمديح والإطراء، كما حفل عرض “المهاجران” الذي قدمه سامر عمران منذ سنوات في قبو في منطقة القزازين بدمشق، عن نص للكاتب البولوني سلافومير مروجيك وأداء الممثلين سامر عمران ومحمد آل رشي، من هذه المكانة الرفيعة التي احتلها عرض “المهاجران”، كان توق الجمهور السوري لفيلم “المهاجران” الذي أخرجه محمد عبدالعزيز، وقدم في دمشق مؤخرا.

في المسرحية اختار عمران قبوا في القزازين كمكان بديل يسعى من خلاله إلى إشعار المتلقي بالحالة التي يعيشها الشابان المهاجران، الفقر والتقشف والحياة الضنك كلها عناصر سعى عمران إلى إيصالها للمتلقي في قبوه، وصل هذا فعلا لمن حضر العرض في قبو القزازين، رغم التعب الناتج عن أماكن الجلوس غير المريحة لثلاث ساعات متواصلة، بيد أن كاميرا المخرج محمد عبدالعزيز لم تنقل ذات الإحساس الذي نقله العرض آنذاك، بالطبع ليس المطلوب من الفيلم أن ينقل ذات أحاسيس المسرحية، ولا يقدر له ذلك، لكن المرجو من الفيلم هو تقديم لغة سينمائية توازي تلك المسرحية التي عكست ضنك عيش المهاجرين وفقرهما.

العرض الذي كسرت فيه العلاقة الجبهية مع المتلقي، حيث يقع حيز العرض (غرفة المهاجرين) بين حيزي الجمهور، ساهم في تقريب المسافة بين المتلقي والمؤدي، وساعد على التقاط التفاصيل الصغيرة التي عمل عليها عمران في رسم الصورة البصرية للعرض، وقدم لغة بصرية متماسكة، بينما عجز أسلوب “الدوغما” الذي انتهجه عبدالعزيز في فيلمه عن تقديم لغة سينمائية تتناسب ورفعة اللغة المسرحية التي قدمتها مسرحية “المهاجران”.

الالتفات إلى التفاصيل الصغيرة في الفضاء هو ما جعل من فضاء مسرحية “المهاجران” عنصرا في ارتقاء العرض ونجاحه، حيث ساهمت تفاصيل صغيرة في المكان كالمكتبة ونوعية الأثاث، في تعميق الإحساس بواقع حال الشخصيتين، حيث رصدت كاميرا عبدالعزيز هذه التفاصيل، لا سيما اختياره قبو القزازين عينه، كمكان للفيلم.

بالرغم من متانة نص مروجيك، إلاّ أنه يفرض تحديا في عرضه، شخصيتان تنتميان إلى ذات البلد في فضاء ضيق تتكلمان لساعة ونصف الساعة، قد يؤدي الظرف الزمني في الفيلم إلى ملل الجمهور، وهو ينظر إلى اثنين يتكلمان.

المفارقة الناتجة عن اختلاف الشخصيتين كانت حقلا خصبا يزرع فيه عمران وآل رشي بذور الكوميديا في الفيلم

صعود وانحدار

يسري الفيلم السوري ضمن صعود وانحدار، حينا تنفجر الشخصيتان، من المكان ومن الذاكرة، وحينا آخر يهدأ صخب الحياة في الغرفة، ويهدأ الإيقاع ولا يهبط.

يجلس المهاجران، يشربان كأسا من النبيذ، أو يتأملان الخراب الذي هما فيه، ينبثق من الهدوء فعل جديد ويصعد بإيقاع الفيلم إلى ما كان عليه سابقا، وهكذا إلى أن ينتهي، تغري حركة الإيقاع هذه بالجمال، لكنها في ذات الوقت لو لم يكن الفعل الذي ينتقل بإيقاع العرض من حال إلى حال فعلا يرتبط بما قبله وبمحيطه، يغدو تواتر العرض هذا ضجيجا تكثر فيه الأفعال المجانية، وذلك ما تخطاه المهاجران في العرض المسرحي، لكن وقع فيه الفيلم أحيانا بسبب سوء مونتاجه وكثرة القطع غير المبرر بين المشاهد، والتي لعبت دورها في قطع خط الفعل المتصل الذي كان محبوكا في المسرحية.

انطلاقا من الصفات الأساسية للشخصية، نجد الشخصية الأولى رجلا ثلاثينيا يعمل في المهجر من أجل حياة رغيدة حينما يعود إلى قريته، والثاني أربعينيا مثقفا هرب من نير النظام الشمولي الذي يهدد باعتقاله، مرورا بخطاب كل من الشخصيتين المتناقض، فالأول مثقف حذق والثاني بسيط واضح، انتهاء باللغة اليومية الحية التي تستخدمها الشخصيتان، حيث ينساب الحوار بينهما ويتداعى دون وجود فجوات كتلك التي تشوب جل العروض في المسرح السوري.

العمل الدراماتورجي الجاد كان أحد العناصر التي ارتقت بعرض “المهاجران” في النسخة الممسرحة، فلا شك أن للدرامتورج دورا رئيسيا في نجاح العرض حاله حال المخرج والممثل، وهو ما غاب اسما ودورا عن الفيلم، ولعل غيابه أثر بشكل واضح على بنية الفيلم بشكل عام، فالاختصار الذي نشده عبدالعزيز كان يلزمه درامتورج، لا لأن الفيلم بحاجة إلى درامتورج، بل لأن الدرامتورج يعرّف بالنص ويخبر عن نقاط الضعف والقوة في بناه، لذلك كان لغيابه أثر ليس بالقليل.

الموقف والمفارقة

قدم الممثل محمد آل رشي أداء استثنائيا نابعا من فهم شديد للشخصية كالذي قدمه في العرض المسرحي، أسبغ على الشخصية السورية من ذاته، فظهرت طبيعية تلقائية يلتئم فيها طرفا العرض الغربي والسوري، بلغة بسيطة حافظ على نسقها على امتداد المسرحية وانفعالات صادقة وتفاصيل في الوجه تدل على غباء وسذاجة الشخصية.

العمل الدراماتورجي الجاد كان أحد العناصر التي ارتقت بعرض “المهاجران” في النسخة الممسرحة، فلا شك أن للدرامتورج دورا رئيسيا في نجاح العرض حاله حال المخرج والممثل

وتمكن آل رشي من تقديم أداء أظهر ملكاته في المسرح بعدما كانت غائمة في معمعة المسلسلات التلفزيونية، أما عمران فقدم هو الآخر أداء متماسكا ينسجم وبنية الشخصية التي يلعبها، فهذه الشخصية المنفعلة جراء سخطها الدائم على الواقع السياسي والاجتماعي والفكري تحتوي على انفعالات متكررة استطاع عمران تأدية معظمها على أحسن وجه.

تجدر الإشارة في الحديث عن الأداء إلى التفات الممثلين إلى الكوميديا كعامل في تحريك إيقاع العرض، المفارقة الناتجة عن اختلاف الشخصيتين كانت حقلا خصبا يزرع فيه عمران وآل رشي بذور الكوميديا في الفيلم، إذ نجدها تلد من تلقي المهاجر العامل آل رشي لخطاب المهاجر المثقف، فهو ينتقي منه ما يتوافق مع بساطته وسذاجته، وتغدو ردوده على المثقف مضحكة دون أن يضطر آل رشي إلى التهريج لإثارة الإضحاك.

الكلمة هي الأساس في الكوميديا، وهذا ما يتضح أن الممثلين يعرفانه في المسرحية، فلا تهريج ولا ابتذال ولا حتى حركة مجانية، كوميديا يفرزها الموقف والمفارقة، ولعل المقطع الذي يحتسي فيه المهاجران النبيذ احتفالا برأس السنة، هو أكبر مثال على ما سلف، إذ يستحيل التداعي الناتج عن السكر بؤرة جديدة تولد الكوميديا وتؤسس لأحداث أخرى جدية، في الوقت ذاته يمرر فيها الفيلم مقولاته الفكرية والسياسية.

ربما لا يعد “المهاجران” عرضا خارقا، إلاّ أنه سيبقى علامة فارقة في المسرح السوري في ظل انتهاج الكثيرين الخطابة والتهريج والصراخ كأساس للعمل المسرحي بدلا من فهم النص وفهم مقولاته، وتقديم الكوميديا لا كوسيلة للإضحاك والتنفيس، على العكس، بل كشريك متهكم للأسئلة الفكرية الأصيلة التي تواجهنا كبشر أولا وكسوريين ثانيا، ولذلك توجب على الفيلم أن يكون مادة دسمة كما كانت المسرحية حينما عرضت، ولكن ذلك لم يحدث مع الأسف، ففيلم “المهاجران” لم يتجاوز المسرحية ولم يطل مستواها في أحيانا كثيرة.

16