المهاجرون الأفارقة في الجزائر يعيشون في نفق مظلم

انتشر المهاجرون الأفارقة خلال السنوات الأخيرة في كل مكان بالجزائر، وطالت مدة إقامتهم بعد أن فشلوا في العبور إلى أوروبا جنّة أحلامهم، فلا يكاد شارع يخلو منهم، في الساحات العمومية وعلى قارعة الطريق يتسوّلون أو يبيعون سلعا بسيطة على البسطات، وتجدهم في الحافلات وفي القطارات وحتى في مداخل العمارات، ما أثار غضب بعض المواطنين من وجودهم، فيما تعاطف البعض الآخر معهم خاصة وأنهم يعيشون ظروفا قاسية.
الجمعة 2017/02/03
المهاجرون الأفارقة يواجهوان ظروفا صعبة في الجزائر

الجزائر- عبّرت الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان عن قلقها البالغ من الظروف التي يعيشها المهاجرون الأفارقة غير الشرعيين في الجزائر، في وقت تؤكد فيه السلطات الجزائرية أن كرامة الرعايا واللاجئين المقيمين على أراضيها خاصة منهم الأفارقة محفوظة، وأنها تبذل كل ما في وسعها لتقديم كل الخدمات والمساعدات الإنسانية لهم انطلاقا من قيمها الأصيلة.

وأوضحت الرابطة، في بيان يسلط الضوء على وضعية المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين في الجزائر، أن هؤلاء المهاجرين “يتعرضون للاستغلال من قبل أرباب عمل والمقاولين وأصحاب المزارع والمشاريع الفلاحية الكبرى، دون احترام لمقتضيات قانون الشغل وأي تغطية اجتماعية”، محذرة من “استغلال هؤلاء المهاجرين للعمل في ظروف صعبة تقترب من العبودية”.

ويقطع مهاجرون من النيجر ومالي ونيجيريا والكاميرون مسافات طويلة عبر الصحراء في ظروف صعبة من أجل اللجوء إلى الجزائر أو العبور إلى القارة الأوروبية، حلم الأغلبية منهم. ونشرت منظمة العفو الدولية إحصاءات غير رسمية تفيد بأن عدد المهاجرين الأفارقة في الجزائر يتراوح ما بين 30 ألفا و100 ألف لاجئ أفريقي، مشيرة في تقاريرها إلى ما وصفته بـ”المعاملات غير الإنسانية” في حق هؤلاء اللاجئين أو النازحين من عمق الأزمات الأمنية والحروب والتناحر القبلي في تلك الدول.

أطفال رضع مع أمهاتهم يفترشون الأرض في حالة مزرية

وبما أن مواصلة الرحلة نحو أوروبا تكاد تكون مستحيلة، فإن الأمر قد ينتهي أحيانا بالكثير من المهاجرين إلى الاستقرار في الجزائر، ليواجهوا ظروفا صعبة تبدأ بمعاناتهم من ملاحقة رجال الأمن والدرك باعتبارهم غير مقيمين بشكل قانوني، مرورا باستغلال أصحاب العمل لهم، ووصولا إلى نظرة المجتمع الدونية لهم. ويلجأ الشباب الأفارقة العالقون في الجزائر إلى مهن وقتية ليكفلوا بها شظف العيش، كأعمال البناء والتجارة على الأرصفة، حيث ينصبون سلعهم المتنوعة ما بين النظارات الشمسية وأعواد السواك والمسك مع بعض القلادات الأفريقية، ولا يسلم هؤلاء من النظرة الدونية والازدراء “الحقرة”.

ويقول الجزائري حميد (27 سنة)، تاجر في باب الوادي بالعاصمة الجزائر، “أينما نصب أحد الأفارقة بضاعته إلا ولقي تذمّرا ورفضا من قبل بقية التجار بتعلة أنهم يزاحمونهم في لقمة العيش. لا يقبلونهم في السوق ولا في أي مكان آخر”. ويتساءل حميد، “لماذا يتصرفون بهذا الشكل وأغلبهم ذاق مرارة العنصرية واكتوى بنارها سواء في عهد الاستعمار أو في تجاربه أثناء هجرته إلى فرنسا. لا أجد لهذه السلوكيات تفسيرا خاصة وأننا من نفس القارة”.

ويتدخل مصطفى صاحب شاحنة نقل بضائع ليعلق قائلا، “لا أتصور أن الناس يكرهون الأفارقة، ولكنهم يخافون منهم بسبب ما يسمعونه ويقرؤونه في وسائل الإعلام بأنهم السبب في نقل العديد من الأوبئة مثل الملاريا وحتى السيدا، وبأنهم يتاجرون في الممنوعات وبراعتهم في قضايا التزوير يتحدث عنها الجميع”. ويتعرض العمال الأفارقة من المهاجرين إلى عملية استغلال من قبل أصحاب المقاولات والبناء وفي المحلات التي يشتغلون فيها بصفة غير قانونية، إذ يعملون لساعات طويلة في حمل ونقل مواد البناء من إسمنت ورمل وغيرهما، مقابل أجرة زهيدة لا تتساوى مع أجرة العامل الجزائري.

ويقول أديبولا (29 سنة)، القادم من النيجر ويعمل في موقع لإنشاء العمارة، إنه يشعر بعملية استغلال كبرى من رب العمل، لكنه لم يجد بدا سوى القبول من أجل الحصول على المال، “فمازال حلمي بالهروب إلى أوروبا، بل يزداد إصراري كل يوم على الخروج من دائرة الفقر”. ويقول الباحث الاجتماعي صايب موزيت “بما أن المجتمع الجزائري يعيش مرحلة إعادة التكوين، فإن هذه التوترات بين السكان المحليين والأجانب تصبح عادية”، مشيرا إلى أن “على السلطات ضمان الحماية لكل الأجانب”.

وبخلاف ذلك يعتقد الباحث الاجتماعي علي بن ساعد، أن المجتمع الجزائري أصبح “معاديا للأجانب” بعد “أن كان في وضعية مريحة كضحية للعنصرية” في أوروبا.. أما اليوم وأمام تزايد عدد المهاجرين في الجزائر “ظهر أن العداء للأجانب مغروس في لا شعورنا”. وتقول الباحثة في شؤون اللاجئين نورية ضيف حول المهاجرين الأفارقة، إن “لا أحد منهم اختار حاضره، ولا أحد اختار أن يترك مكان ولادته وأهله”، مضيفة أن “الآلاف من هؤلاء المهاجرين ضحايا من الدرجة الأولى، حيث هربوا من نيران الحروب والنزاعات المسلحة”، مشيرة إلى أن “الحرب لا تترك أمامهم خيارات، حيث تركوا وراءهم كل شيء بحثا عن الأمن”، مشددة على ضرورة حسن معاملتهم.

أوضاع مزرية

صدقة يا محسنين

تعيش عائلات أفريقية على التسول بعد أن نفدت أموالها وفشلت في العثور على عمل يحميها من العراء والجوع، ويجلس الأطفال الرضع مع أمهاتهم يفترشون الأرض في حالة مزرية، ويتواجدون في مواقع حساسة من الشوارع الكبرى بمختلف المدن، يستعطفون المارة خاصة وأنهم تعلموا النطق بالعربية وأكثر العبارات التي يرددونها “في سبيل الله”، “صدقة”، “لله يا محسنين”.

يعيش حسن الذي قدم من النيجر مع عائلته إلى الجزائر مثله مثل الآلاف من المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء على أمل أن يغادرها نحو أوروبا، لكنه وجد نفسه مستقرا في ظروف صعبة ولا مهنة له سوى التسول في مجتمع لم يتقبل بعد وجوده. ويشرح حسن وهو في الثلاثينات من العمر، كيف أنه لم يجد عملا منذ وصوله إلى الجزائر مع زوجته وابنه الصغير ليضمن لقمة عيش كريمة بعيدا عن أعين الشرطة والدرك، مضيفا، “لا يوجد شيء بالنسبة إلينا هناك غير الجوع وانعدام الأمن، لذلك نفعل كل شيء حتى لا تقبض علينا الشرطة”.

وهناك من يبدي تعاطفه مع المهاجرين الأفارقة، فيتصدق عليهم بالمأكل والملبس والمأوى في بعض الأحيان، خاصة حينما يتعلق الأمر بالعائلات والأطفال، فالإنسانية شعور راق كما يقول رابح (49 سنة) موظف “قدمت حذاء رياضيا لأحد الأطفال الأفارقة الذي كان شبه حاف.. هؤلاء الأفارقة أجبرتهم الظروف القاهرة على مغادرة بلدانهم وأقل شيء يمكن أن نقدمه لهم هو التعاطف وبعض المساعدة”.

وتقول آمنة (54 سنة) تعمل موظفة بأحد بنوك العاصمة، إنها تتعاطف مع الأفارقة خاصة وأن الأوضاع الأمنية المتدهورة في بلادهم دفعتهم إلى الهروب، وقالت إنها تتصدق عليهم كلما أتيحت لها الفرصة لفعل ذلك، خاصة وأنها لا تحتمل مشاهدتهم وهم يتسكعون عبر الأرصفة وقد أنهك الجوع والتشرد قواهم. وتقر صافية ربة منزل، بأنها “في مرات عديدة أطبخ لهم الغذاء وأحمله بنفسي لهم لأني أشفق على حالتهم المزرية التي يتخبطون فيها، فنحن في بيوتنا في دفء وأمان وهم في العراء”.

سالي ابنة الخمسة عشر عاما قدمت مع عائلتها من مالي أجبرتها الظروف على التسول، دخلت إلى محل تجاري تطلب مساعدة مالية، فنهرها صحاب المحل قائلا، “أولادي أولى بالمساعدة التي يمكن أن أقدمها لك”، لكن الفتاة وضعت يدها على خبزة، فصاح في وجهها صاحب المحل طالبا منها المغادرة وإلا طلب لها الشرطة، وهنا تدخلت امرأة كانت تتبضع من المحل قائلة “لم يبق إلا الأفارقة ليجلبوا لنا المرض معهم”، في إشارة إلى أن مرض الإيدز منتشر في دول جنوب الصحراء.

لكن هناك من امتعض من ردة الفعل السلبية تجاه أناس يعتبرون ضيوفا في الجزائر، ومن هؤلاء ساسي (36 سنة) الذي كان خارجا من نفس المحل، حيث قال “هذه عبارات كلها تنم عن الاحتقار والاستصغار والعنصرية الواضحة التي لم أكن أنتظرها شخصيا، لأنني لم أكن أتصور أن الجزائريين الذين ظلوا يشتكون من العنصرية التي تمارس عليهم في الدول الأوروبية، يفعلون الشيء نفسه مع إخوانهم الأفارقة”.

من أجل حلول مبتكرة

في انتظار الحلول

تحمل الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان مسؤولية المهاجرين الأفارقة للسلطات الجزائرية، التي طالبتها بإجراء تحقيق لحمايتهم وتفعيل المراقبة حول ما يتعرض له المهاجرون الأفارقة من “استغلال بشع”، مؤكدة أن حقوق العمال الأفارقة غير الشرعيين “جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان ولا ينبغي تجاوزها والتعدي على حقوقهم مهما كانت المبررات”.

وأشارت الرابطة إلى أن هؤلاء المهاجرين “يؤدون أدوارا تعود بالفائدة على الجزائر، بعدما أضحت اليد العاملة الأفريقية البديل الأنسب لشركات البناء ومقاولات أشغال الري والطرقات والفلاحة”. تجدر الإشارة إلى أن الكثير من المهاجرين الأفارقة أثبتوا كفاءتهم في إنجاز الأعمال، وخصوصا تلك التي تتطلب قوة جسدية وفقا لقواعد الانضباط المطلوب والالتزام بتوقيت العمل، بما في ذلك التقيد بالتعليمات.

وتقترح بعض المنظمات والجمعيات غير الحكومية في الجزائر البحث عن حلول جذرية للمهاجرين الأفارقة العالقين في أغلب المدن، فعملية إدماجهم ضرورية للاقتصاد الجزائري خاصة وأن الكثير من الشباب الجزائري يرفض العمل الشاق كأعمال البناء. وقد اقترح مقاول في مدينة ورقلة إدماج الأفارقة وتمكينهم من تصاريح عمل لتعويض نقص اليد العاملة خاصة في ورشات البناء.

وتتساءل بعض الجمعيات، لماذا لا يتم إدماج المهاجرين الذين يعملون كخبازين أو عمال في الزراعة والبناء وقبولهم في النهاية في المجتمع، مؤكدة أن الأجانب “يساهمون بشكل إيجابي في الاقتصاد المحلي”. ويرى خبراء أن عملية إدماج الأفارقة يمكن أن تصبح رهانا جيواستراتيجيا في ظل تسابق دول المغرب العربي (الجزائر والمغرب على وجه الخصوص) من أجل تقوية علاقاتها بدول أفريقيا جنوب الصحراء، قائلين، “إذا كانت الجزائر تريد الحفاظ على علاقات جيدة مع الدول التي يأتي منها هؤلاء، عليها أن تحسن معاملة المهاجرين”.

20