المهاجرون غير الشرعيين.. ضحايا الترحيب الأوروبي أيضا

الاثنين 2016/09/26
أوروبا.. انتشال أحلام ميتة

القاهرة - ما إن كاد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، يلملم أوراق كلمته التحذيرية التي ألقاها حول الهجرة غير الشرعية أمام قمة اللاجئين والمهاجرين على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك أخيرا، حتى شهدت مصر حادثا مأساويا أدى إلى غرق 165 شخصا من بين حوالي 400 مهاجر غير شرعي، كانوا على متن مركب في طريقهم من ساحل مدينة رشيد على البحر المتوسط، إلى إيطاليا.

ورغم كل النداءات التي وجهتها مصر، لكن يبدو أنها لا تعول على حكومات الدول الأوروبية لمساندتها في محاربة هذه الظاهرة، التي تنطلق عبر سواحلها المطلة على البحر المتوسط، برفض استقبال المهاجرين، وقررت أن تتحرك من تلقاء نفسها لمواجهتها من الداخل، من خلال سن تشريع جديد من شأنه وضع حد للتلاعب بأحلام الشباب، ومعاقبة أرباب الأسر وسماسرة الهجرة بالسجن المشدد.

التشريع الجديد الذي من المقرر أن يناقشه البرلمان المصري في فصله التشريعي الثاني، الذي يبدأ في الرابع من أكتوبر المقبل، قد يكون بادرة لوضع حد لغرق المئات من الشباب في عرض السواحل المصرية، لا سيما أن نوابا في البرلمان أكدوا أنه لأول مرة، سوف يعاقب رب الأسرة الذي يحرّض ابنه على السفر بطريقة غير شرعية، مع وضع ضوابط جديدة لمراقبة السواحل ووضع مكاتب الهجرة تحت رقابة صارمة.

وقد جاء حادث غرق مركب رشيد الأسبوع الماضي ليحرّك المياه الراكدة لدى الحكومة المصرية في ملف الهجرة غير الشرعية، ويدفعها إلى البحث عن مخرج لتحسين وضع مصر دوليا، بعدما أصبحت ضمن أكثر الدول التي يخرج منها مهاجرون غير شرعيين، خاصة أن القوانين المحلية تعاقب سماسرة الهجرة بتهمة “النصب”، وهذه جنحة وليست جناية، ما يعني أن فترة العقوبة لا تزيد على 3 سنوات، حتى لو تسبب الحادث في موت المئات من الأشخاص.

التحرك المصري الاستثنائي في هذا الملف، يشمل حماية المهاجرين المصريين وحاملي الجنسيات الأخرى، لا سيما أن مركب رشيد الذي غرق أخيرا، كان على متنه ما لا يقل عن 250 مهاجرا من جنسيات أفريقية مختلفة، بحسب تصريحات مسؤولين محليين بمحافظة البحيرة، شمال القاهرة، علاوة على مثلهم من المصريين.

مصر أو غيرها من دول شمال أفريقيا، لا يمكن لها أن توقف الهجرة غير الشرعية دون تحرك أوروبي مماثل وفعال

ويرى البعض من المراقبين أن مصر تدفع ثمن التوترات الموجودة في البعض من الدول المطلة على السواحل الأوروبية، مثل ليبيا التي كانت من أكثر الدول التي تشهد سواحلها هجرات غير شرعية، ومنذ سيطرت مصر على حدودها البرية والبحرية مع ليبيا تحولت دفة الهجرة إلى سواحل المحافظات المصرية، مثل الإسكندرية ودمياط وكفر الشيخ والبحيرة ومرسى مطروح.

وقال أشرف فهمي، أستاذ القانون الدولي بجامعة عين شمس، إن ترحيب بعض الدول الأوروبية بالمهاجرين غير الشرعيين، واستضافتهم ومعاملتهم معاملة كريمة واعتبارهم “لاجئين”، تضاعف من حجم التحديات الواقعة على الدول التي تطل سواحلها على البحر المتوسط، وفي مقدمتها مصر. وأضاف لـ”العرب” أن أوروبا وتتصدرها إيطاليا، تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية الدولية، لأنها تتبنى سياسة مزدوجة، فهي تشتكي من الهجرة بشكل مباشر، وتشجعها بشكل غير مباشر، ولا يمكن أن تتم محاربة الظاهرة من جانب واحد، أي من قبل الدولة المصدرة للمهاجرين، دون تحرك صارم وفعال من الدول المستقبلة.

وأشار الخبير الدولي إلى أن قوانين بعض الدول الأوروبية تعطي المهاجرين غير الشرعيين حقوقا عديدة حال تعثرهم في عرض البحر، سواء تعرض المركب الذي يستقلونه للغرق أو قذفتهم الرياح إلى سواحلها، وتستقبلهم أقرب دولهم وترعاهم، وما يحدث أن المهاجرين يقفزون من المركب قبل سواحل الدولة الأوروبية المقصودة بنحو 2 كيلومتر، ويسبحون حتى يُفهم أنهم يتعرضون للغرق، فتضطر الدولة إلى إنقاذهم ورعايتهم.

وبالتالي، فإن مصر أو غيرها من دول شمال أفريقيا، لا يمكن لها أن توقف الهجرة غير الشرعية دون تحرك أوروبي مماثل وفعال.

ويذهب متابعون إلى أن التعامل مع الهجرة غير الشرعية من مصر على أنها “ظاهرة مقتصرة على الشباب المصري” دون التطرق إلى الآلاف من المهاجرين الأفارقة الهاربين من جحيم العيش في حياة الصحراء ووسط الصراعات المسلحة، إلى سواحل مصر ومنها إلى أوروبا، يحمل الكثير من المغالطات، ويحمّل المسؤولية للنظام المصري أكثر من أنظمة الدول التي هرب منها الأفارقة بحثا عن حياة كريمة.

ودليل ذلك، ما أكده ماريو بارينتي رئيس دائرة الاستخبارات والأمن الداخلي الإيطالي، في يونيو الماضي، على أن 70 بالمئة من أعداد المهاجرين غير الشرعيين الوافدين من مصر يأتون من بلدان أفريقيا الواقعة جنوب الصحراء، وأن تدفق المهاجرين الذين ينطلقون من السواحل المصرية شهد زيادة حادة بسبب هؤلاء.

وتناول اللواء محمد نور الدين، مساعد وزير الداخلية الأسبق، الظاهرة من منظور مختلف، بتأكيده أن “الفقر” ليس السبب الوحيد لهجرة صغار الشباب المصري إلى الدول الأوروبية، لأن هذه الفئة “لم تكمل تعليمها، أو تتخرج من الكليات، ولم تفشل في البحث عن فرصة عمل، أو تشعر بأن المستقبل أمامها مليء بالسواد”، لكنها سافرت بضغوط أسرية لسببين.

الأول يتعلق بأن هذه الأسر على “علم تام بقوانين بعض الدول الأوروبية التي تسمح باستقبال الأطفال ورعاية ممن هم دون سن الـ18 عاما”، وبالتالي فإن تسفيرهم في سن صغيرة يضمن بقاءهم في هذه الدول حتى يكبروا ويتعلموا ويتم توظيفهم ومنحهم الجنسية أيضا، لأنهم إذا تجاوزوا الـ18 عاما لن يتمكنوا من دخول البلاد الأوروبية.

والسبب الآخر، أن الأطفال الذين غرقوا في عرض البحر، لا يمتلكون الوعي السياسي الكافي للاطلاع على بواطن الأمور والشعور بأنهم لن يستطيعوا العيش في مصر بسبب الفقر، ولو كان كل منهم وفّر تكلفة السفر (3 آلاف دولار) لافتتاح مشروع بعد تخرجه، لما هاجر من بلد يعج بالسوريين الذين نجحوا في تعلم الحرف والصناعات وافتتحوا المطاعم والمحال التجارية، و”لو كانت مصر منغلقة وفقيرة لما جاء إليها هؤلاء ونجحوا”.

7