المهاجرون في ألمانيا يجنون التهميش رغم دورهم التنموي الفعال

الاثنين 2015/01/12
مواطنون ألمان يتظاهرون ضد دعوات يمينية ترفض الآخر

برلين - يعد الاقتصاد الألماني أقوى اقتصاد في أوروبا، مما يزيد من شغف المهاجرين بالتوجه إلى ألمانيا، خاصة أنها تعد إحدى البلدان الأوروبية القليلة التي حافظت على نسبة منخفضة من البطالة وسط الضيق الاقتصادي الذي تشهده منطقة اليورو، غير أنّ هذا الإقبال المكثف للمهاجرين والذي لا يتناقض مع سياسة الحكومة الحالية التي تشجعه، يجد له أصواتا رافضة ربما تسم المستقبل بشيء من الضبابية وعدم وضوح الرؤية.

من وجهة نظر اقتصادية، تعتبر الهجرة مفيدة لألمانيا إذ تساعد على تخفيف التغير الديمغرافي في البلاد التي تشهد تهرّما وتقلصا في عدد سكانها، لكن على الرغم من ذلك فهي تطرح أيضا مشاكل سياسية عدّة، حيث أصبحت المشاعر المعادية للمهاجرين في ألمانيا أكثر وضوحا في الأشهر الأخيرة. وقد وجد الوافدون حديثا، صعوبات جمة أمام اندماجهم في المجتمع الألماني. وعلى المدى القصير ستستمر السلطات الألمانية في الدفاع على مبدأ الاتحاد الأوروبي الأساسي المتعلق بحرية تنقل الأشخاص، لكن على المدى البعيد سيتعرض هذا المسار إلى مزيد من النقد ومن الممكن حصول تراجع في هذا الموقف الألماني، وفق تقرير لوكالة ستراتفور الخاصة للاستخبارات.


أي أثر ديمغرافي للهجرة؟


إن هبوط معدلات الخصوبة والزيادة في أمل الحياة في البلدان الأوروبية وأغلب العالم المتقدم يعني أن الكثير من هذه البلدان بصدد مواجهة مشكل تهرم وتقلص سكاني. ويتميز المشكل الديمغرافي الألماني بحدة شديدة، إذ تملك ألمانيا أضعف معدل خصوبة في الاتحاد الأوروبي. وحسب مؤسسة الإحصاء الوطنية الألمانية وصل عدد سكان البلاد إلى أعلى مستوى ومن المتوقع أن ينزل إلى ما بين 65 و70 مليون نسمة بحلول سنة 2060، بينما تحدد توقعات أخرى الانخفاض بأن يكون أكبر من ذلك.

وفي ذات الوقت من المتوقع أن تزيد نسبة السكان الذين تتجاوز أعمارهم سن الخامسة والستين من 20 بالمئة حاليا إلى 34 بالمئة. وسيؤدي ذلك إلى عدة مشاكل جبائية بالنسبة إلى ألمانيا، إذ يفضي نقص القوة العاملة إلى تقلص قاعدة الضرائب والمزيد من الضغوط على منظومات الرعاية الصحية والتقاعد.

من جهة أخرى، يمكن للهجرة أن تساعد ألمانيا على التعامل مع التغير الديمغرافي بطريقتين. على المستوى الأدنى يساعد تدفق الأشخاص على عكس عملية تناقص السكان، إضافة إلى أن العائلات المهاجرة عادة ما تنجب عددا أكبر من الأطفال مقارنة بالعائلات الألمانية. لكن لا يمكن لهذين العاملين لوحدهما الحيلولة دون حدوث تغير ديمغرافي، فحتى معدلات الخصوبة لدى المهاجرين أقل من مستوى التعويض الذي يقدر بـ2.1 طفل للمرأة الواحدة.

التراجع الديمغرافي في كامل أرجاء القارة الأوروبية سيؤدي تدريجيا إلى التنافس بين البلدان على العمال الشبان والمهرة

وبذلك سيؤدي هذا التراجع الديمغرافي في كامل أرجاء القارة الأوروبية تدريجيا إلى التنافس بين البلدان على العمال الشبان والمهرة، وستفوز بعض المناطق داخل البلد الواحد بسباق الاستقطاب هذا بينما تترك مناطق أخرى في الخلف، ويغلب عليها السكان العجز وغير المنتجين. ولا يتوقع أن تستثنى ألمانيا من هذه الوضعية إذ أظهرت دراسة حديثة قامت بها مؤسسة برتلسمان بأن الأثر المخفف للهجرة على انخفاض عدد السكان أفاد في الغالب المناطق الحضرية الكبرى مثل ميونيخ وشتوتغارت، في حين لم يستفد سكان الضواحي والأرياف من الآثار الإيجابية للهجرة. وهذا الواقع يهدد باستدامة الاختلالات التنموية الجهوية، كما يمكن أن يدعم قوة الحركات المتطرفة في بعض المناطق من البلاد.


ماهي مشاكل المهاجرين؟


على مدى العقد الماضي قامت الحكومة الألمانية بجهود كبيرة لإدماج الأجانب فركزت برامج لغة غير مكلفة وسهلت حصول المهاجرين على الجنسية الألمانية. لكن المعطيات المتوفرة تبين أن الاندماج مازال يمثل مشكلا إذ يكشف تقرير صادر عن وزارة الداخلية الألمانية أن الشباب الأجانب أقل نجاحا في المدرسة من أترابهم الألمان مما يسبب لهم مشاكل عند البحث عن عمل.

كما تبين المعلومات الرسمية أن الأشخاص المنحدرين من عائلات مهاجرة لهم فرصة أقل للحصول على عمل مأجور من أبناء الألمان من غير المهاجرين، والمشكل أكثر حدة بالنسبة للنساء. وعموما نجد أن نسبة البطالة لدى المهاجرين هي ضعف مثيلتها لدى غير المهاجرين، زيادة على أنّ المهاجرين يتحصلون في الغالب على وظائف برواتب منخفضة.

من جهة أخرى فإنّ الوضع بالنسبة لطالبي اللجوء يعدّ شديد الصعوبة كذلك، فرغم أنّ القانون الألماني يسمح لطالبي اللجوء بالعمل بعد العيش في ألمانيا لمدّة سنة واحدة، إلاّ أنّ ذلك يتم بشرط الحصول على موافقة مكتب الهجرة، وقبل إصدار رخصة عمل، على وكالة التشغيل الفدرالية أن تقرر ما إذا كان هناك عاملون ألمان مستعدون لأخذ الوظيفة المعنية. وفي ظل عدم اتقان اللغة الألمانية يجد طالبو اللجوء أنفسهم مجبرين على البقاء عاطلين عن العمل أو العمل مقابل أجور زهيدة.

أصبحت الهجرة مسألة سياسية خلافية بشكل متزايد في كافة أنحاء أوروبا. وقد سهل توسع الاتحاد الأوروبي نحو الشرق على سكان بلدان مثل بولندا ورومانيا وبلغاريا الهجرة بصفة شرعية إلى غرب أوروبا. كما أدت الأزمة الاقتصادية إلى ازدياد الهجرة من الطرف الاقتصادي لأوروبا إلى قلبها. ويبقى العامل الأهم على الإطلاق هو تسبب الأزمات التي اندلعت في الشرق الأوسط وأفريقيا في زيادة عدد طالبي اللجوء في بلدان الاتحاد الأوروبي.

ارتفاع عدد المهاجرين أدى إلى ازدياد المقاومة في كامل أنحاء أوروبا وبروز الأحزاب القومية التي تدعو إلى سياسات هجرة صارمة

وفي ذات السياق، فقد أدّى ارتفاع عدد المهاجرين بدوره إلى ازدياد المقاومة في كامل أنحاء أوروبا وبروز الأحزاب القومية التي تدعو إلى سياسات هجرة صارمة. وفي بعض الحالات تركز هذه الأحزاب بشكل كبير على الأوروبيّين الشرقيين كما هو الحال مع حزب الاستقلال البريطاني في المملكة المتحدة. بينما توجه بعض الأحزاب الأخرى مثل “الديمقراطيون السويديون” عداءها إلى طالبي اللجوء. ويبدو أنّ ألمانيا اليوم تتعامل مع كلا الشكلين من المقاومة ضد المهاجرين.

الشكل الأول، تترجم مع ظهور حزب ‘البديل لألمانيا’ الذي قدم نفسه في البداية على أنه مناهض للاتحاد الأوروبي، حيث دعا منذ نشأته إلى الانسحاب من منطقة اليورو، ثمّ ما لبث هذا الحزب أن عمد خلال الأشهر الأخيرة إلى توسيع برنامجه ليشمل مناهضة الهجرة، وركز في الانتخابات الجهوية في الولايات الشرقية على الجرائم المرتبطة بالهجرة واتهم المواطنين البولنديين والتشيك بارتكاب الجرائم غربي الحدود. وعلى المستوى الفدرالي اتهم الحزب الأوروبيين الشرقيين بسوء استخدام نظام الرعاية. وفي الانتخابات البرلمانية الأوروبية في مايو الماضي حقق حزب “البديل لألمانيا” نتائج “كبيرة” في ألمانيا الشرقية.

أمّا الشكل الثاني فقد تجلى مع نهاية سنة 2014، من خلال ظهور مجموعتين (أو أكثر) تعارضان وجود المسلمين في ألمانيا، ففي أواخر أكتوبر وبداية نوفمبر احتجت مجموعة تسمي نفسها “مشاغبون ضد السلفيين” في مدن ألمانيا الغربية مثل كولونيا وهانوفر واستقطبت بين ألفين وأربعة آلاف شخص مؤيد لها وتصادمت مع الشرطة. وفي ألمانيا الشرقية قامت مجموعة تسمي نفسها “الأوروبيون الوطنيون المناهضون لأسلمة الغرب” بتنظيم احتجاجات كبرى في درسدان، واحتجاجات أصغر في مدن أخرى وتدّعي هذه المجموعة أنها تعارض التعصب الديني، لكنها أيضا تتهم المهاجرين، لأسباب اقتصادية، باستغلال نظام الرعاية الصحية الألماني، كما تدّعي أنها قلقة على المحافظة على الهوية الألمانية.


أية توقعات للمستقبل؟


الثابت أنّ الهجرة ستظل مسألة سياسية في ألمانيا على مدى السنوات القادمة، وستواصل برلين في موازنة التوترات السياسية التي يسببها وفود الأجانب مع المصلحة العامة للبلاد في جذب المهاجرين من أجل تخفيف مشكل التراجع الديمغرافي.

ومن أجل تخفيف حدّة التغير الديمغرافي، من المتوقع أن تعمد ألمانيا إلى تسهيل إيجاد المهاجرين (أصحاب المهارات العالية وشبه المهرة) لوظائف في البلاد، وخاصة في المناطق التي تفتقر إلى العاملين ذوي المؤهلات.

لكن في المقابل ستبقى المشاكل الثقافية قائمة؛ إذ حذرت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، مؤخرا، من أنه وعلى الرغم من المرونة التي اكتسبها نظام الهجرة الألماني، مازالت الكثير من الشركات تفتقر إلى الخبرة في عملية تشغيل الأجانب، وهذا الأمر يمثل تحديا بصفة خاصة بالنسبة للشركات الصغرى والمتوسطة التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني.

برلين ستواصل الموازنة بين التوترات السياسية التي يسببها تدفق الأجانب وبين المصلحة العامة التي تجنيها البلاد بسبب جذبهم

كما يتوقع أن تواجه الحكومة صعوبات في جذب النوعية المناسبة من المهاجرين، حيث أنّ النظام الجاري به العمل حاليا يسهل الطريق لطالبي العمل من حاملي الشهائد الجامعية للحصول على رخص إقامة، لكن ألمانيا ستكون في حاجة كذلك إلى جذب عمال يشغلون الوظائف التي لا تتطلب مستوى جامعيا. وفي هذا الإطار، تقول بعض الدراسات الحديثة إن الشركات الألمانية تتوقع أن يكون نقص العمال ذوي المهارات المتوسطة أكبر من العمال ذوي الخبرة العالية في المستقبل.

في ذات الوقت ستستمر عمليات إدماج العمال ذوي المهارات المنخفضة في طرح مشاكل مرفقة بها لألمانيا.

وفي الأشهر والسنوات القادمة من المتوقع أن تلجأ السلطات إلى اعتماد قيود وعمليات رقابة إضافية على المواطنين من الاتحاد الأوروبي الذين يطلبون الانتفاع بالخدمات العامة في البلاد، ويتوقع أن تدعم برلين مشاريع تقدمها بلدان أخرى من الاتحاد، وخاصة المملكة المتحدة، للحيلولة دون سوء استعمال المنافع الاجتماعية في البلدان الأوروبية الأكثر ثراء. كما ينتظر أن تساند ألمانيا المملكة المتحدة في مطلبها القاضي بتطبيق حظر مؤقت على تنقل المهاجرين من الدول الأعضاء الجدد في الاتحاد الأوروبي إذا ما استمرّ في التوسع.

من جهة أخرى، ستستمر وضعية طالبي اللجوء في التسبب في خلافات للحكومة الألمانية، إذ تتعرض الحكومة الفدرالية إلى الضغط من الحكومات المحلية التي تدفع في اتجاه توزيع اللاجئين حسب عدد سكان كل ولاية ودخلها الضريبي. وفي السنوات القادمة، يرى مراقبون أنّ الحكومة الفدرالية مطالبة بأن تجد طرقا لتلطيف الاحتجاجات في مختلف المناطق الألمانية التي تعارض قدوم طالبي لجوء جدد.

وسيكون على برلين أيضا أن تقدم مساعدات مالية متواصلة للولايات التي تستقبل اللاجئين.

7