المهاجرون هم مستقبل أوروبا

الجمعة 2016/11/11

فكرة الاندماج هي واحدة من أكثر أفكار المؤسسة الغربية سطحية وخفة وبلاهة. هذا الاستنتاج ليس كلاما نظريا، بل هو وليد تجربة، عشتها شخصيا لسنوات طويلة بعد أن غادرت وطني بغصة وشعور عظيم بالأسى، ووجدت في أوروبا ما يضمن حريتي، ويعلي من شعوري بإنسانيتي، ويحفظ كرامتي. لم يصدمني، في البدء، ذلك الانسجام العجيب بين فكرتين، تنقض إحداهما الأخرى. أن تكون مهاجرا إلى بلاد جديدة يعني أن تندمج في المجتمع الجديد الذي يضمك إليه واحدا من أبنائه.

غير أنك ستكون الطرف الأضعف في المعادلة. ببساطة لأنك لاجئ. وهناك قالب ثابت لشخصية اللاجئ. إن حاولت الخروج منه والتمرد عليه والإعلان عن خصوصيتك، فإن الأمر يفسر على أنه نوع من الجحود في مواجهة النظام الاجتماعي الذي صار عليك أن تكون جزءا منه. في كل الأحوال فإن تلك النظرية قد وضعت على الرف. لا بسبب امتناع المهاجرين عن الاندماج، بل لأن المؤسسة الأوروبية لم تكن واقعية وعملية في الشروط التي وضعتها من أجل إنجاز تلك المهمة المعقدة والشاقة. لقد كان واضحا أن تلك النظرية تفتقر إلى العدالة في النظر إلى الوضع البشري.

وقد يكون مفاجئا أن الأجيال التي ولدت على الأراضي الأوروبية كانت هي الأخرى تعاني من مشكلات الاندماج. فمَن ولد في أوروبا لا يعرف غير أوروبا وطنا له، ومع ذلك فإن سؤالا من نوع “من أين أنت؟” يظل يطارده أينما مضى. وقد لا يكون قابلا للتصديق أن يقول شاب بشعر أسود إنه سويدي أو هولندي. المطلوب هو أكبر من لون البشرة والشعر والعينين. هناك نوع من الخلاص يتعلق بتدمير الهوية بمعناها الثقافي وليس السياسي. وهو ما دفع الكثير من المهاجرين إلى التزمت والتشدد والتعصب، في محاولة منهم لاتقاء شرور، لم تكن في حقيقتها إلا نتاج خيالهم الخائف.

لو أن الاندماج في أوروبا أُقيمَ على أساس التنوع الثقافي، كما هو الحال في الولايات المتحدة وأستراليا ونيوزلندا وكندا، لكان حلا ممكنا، بل ومريحا للمهاجرين، كما للمجتمع الذي سيكون عليه أن يعترف بهوياتهم. أما أن تكون سويديا ما إن تقع قدماك على أرض السويد، وتكون فرنسيا ما إن تتعلم بضع كلمات من اللغة الفرنسية فتانك كذبتان، حاولت المؤسسات الرسمية أن تسوقهما، من غير أن تملك الحق الإنساني في ذلك.

وهو سلوك يشكل، كما أرى، خيانة لكل الرسائل المتحضرة التي نشرتها أوروبا، بدءا من عصر تنويرها، وصولا إلى عصر ما بعد حداثتها. فأوروبا في سياق رسالتها الحضارية هي الحاضنة الأخلاقية للتنوع. ولن يكون الاندماج ممكنا إلا حين تستجيب تلك الحاضنة لشرط التنوع. أما الاندماج بصيغته الحالية فإنه لن يصنع مجتمعا، بل شركة، يكون العاملون فيها مجرد قطعان خراف ضالة، تنظر إلى عصا المايسترو في انتظار أن تطلق ثغاءها الموحد.

أمام أوروبا اليوم فرصة لكي تتخلص من صفة القارة العجوز التي صار البعض يلصقها بها. فهي تأوي بكرم أخلاقي لا مثيل له الملايين من القادمين من مختلف أصقاع الأرض، حاملين معهم ثقافاتهم الحية. ما ينبغي أن يقع يمكن تلخيصه في دفع الأوروبيين أنفسهم إلى الاندماج من أجل أن تكون أوروبا الجديدة ممكنة. وهو ما يعني القبول بالمهاجر شريكا في المواطنة، من غير أن يُجبر على التخلي عن هويته الثقافية، التي هي العمود الفقري لوجوده الإنساني.

أما محاولة مسخ المهاجرين وإعادة صياغتهم بما ينسجم مع مفهوم مجحف للاندماج، فإنها لن تعود بالنفع على الطرفين، من جهة ما تنطوي عليه من تصادم بين الهويات. الأمر الذي سيؤدي بالضرورة إلى تصاعد النزعة العنصرية لدى الأوروبيين، في مقابل انكفاء المهاجرين على أنفسهم في مناطق عزل، ستكون أشبه بالمخيمات. أوروبا من غير مهاجرين ليست أوروبا، فهم لذلك مستقبلها.

كاتب عراقي

9