المهارات الناعمة تنقذ الأجيال القادمة من سيطرة الآلة على بيئات العمل

علماء يتوقعون أن تؤدي البرامج الذكية أو أجهزة الروبوت الأعمال في ربع الوظائف ويرجحون أن تصبح 50 بالمئة من الآلات قادرة على تولي وظائف الإنسان في غضون 120 عاما.
الاثنين 2019/06/10
الآلة مهما كانت متطورة تحتاج دائما لإنسان يشغلها

بينما يتطور الذكاء الاصطناعي ليصل في النهاية إلى مستوى الذكاء البشري أو يفوقه، ينصح الخبراء الأجيال القادمة بأخذ هذا التحدي على محمل الجد والسعي إلى تعلّم مهارات معينة حتى لا تفتك منهم الآلات مصدر أرزاقهم.

بات المستقبل المهني للأجيال القادمة يكتنفه الكثير من الغموض، بعد أن استحوذت الآلات على العديد من المهن لتحل تدريجيا محل الموظفين في بيئات العمل. فالروبوتات بدأت تكتسب قدرات أكبر من أي وقت مضى وأصبحت لديها أساليب جديدة في العمل، وقادرة على إنتاج سلع أفضل من حيث النوعية وبأسعار أقل وبإمكانها القيام بأعمال دورية من دون أن تكل أو تمل، ما يوحي بأن بيئات العمل ستكون خالية تماما من البصمة البشرية، وهذه الرؤية بدأت تقترب أكثرا فأكثر من أن تصبح واقعية.

والأمر المثير في هذا الشأن، يتمثل في التقدم الحاصل على صعيد السيارات ذاتية القيادة، فقد تقلص معدل التدخلات البشرية في هذا الصدد من 0.8 مرة كل ألف ميل إلى 0.2 فحسب، وهو ما يمثل تحسنا بنسبة 400 بالمئة.

وبهذا المعدل لن تلبث السيارات ذاتية القيادة أن تتفوق على قدرات الإنسان في هذا المضمار، رغم أنه في حقبة ما بدت قيادة السيارات مهارة لا يجيدها إلا البشر دون سواهم، وقيل الأمر نفسه عن لعبة الشطرنج إلى أن استطاع الحاسوب الخارق الذي صنعه فريق “آي.بي.أم”، واسمه “ديب بلو” من هزيمة غاري كاسباروف في مايو عام 1997، ليدخل “ديب بلو” التاريخ بوصفه أول حاسوب يهزم بطلا عالميا في مباراة من ست جولات تحت ضوابط وقت قياسية.

وفي عام 2011، تفوق كمبيوتر “واتسون”، الذي طورته شركة “آي.بي.أم”، في برنامج “جيُباردي” (المحك) للمسابقات؛ الذي كان يفترض أن يشكل بدوره مضمارا يحتكره البشر وحدهم.

وتتوقع مجموعة بوسطن الاستشارية أن تؤدي البرامج الذكية أو أجهزة الروبوت الأعمال في ربع الوظائف تقريبا بحلول عام 2025، في حين تشير دراسة لجامعة أوكسفورد إلى أن 35 بالمئة من الوظائف الحالية في بريطانيا عرضة لخطر تشغيلها آليا خلال العشرين عاما المقبلة.

وأجرت كاتيا غريس، الباحثة المساعدة في معهد مستقبل الإنسانية في جامعة أوكسفورد وزملاؤها من مشروع الذكاء الصناعي بالجامعة “إمباكتس”، ومعهد أبحاث الذكاء الآلي، استطلاعا للرأي مع 352 عالما من نفس المجال تم سؤالهم حول توقعاتهم بشأن المدة التي قد تستغرقها الآلات لتتفوق على البشر في أداء بعض الوظائف والمهام.

الروبوت يفتقد الذكاء العاطفي الذي يتضمن جميع المهارات والإمكانيات التي تتيح للأشخاص تمييز ما يمر به الآخرون من حالات نفسية وعاطفية مختلفة والتجاوب معهم بشكل ملائم
الروبوت يفتقد الذكاء العاطفي الذي يتضمن جميع المهارات والإمكانيات التي تتيح للأشخاص تمييز ما يمر به الآخرون من حالات نفسية وعاطفية مختلفة والتجاوب معهم بشكل ملائم

وكان من بين العلماء يان ليكان، مدير أبحاث الذكاء الصناعي في شركة فيسبوك، ومصطفى سليمان من قسم “ديبمايند” في شركة غوغل، وزوبن غهرماني، مدير مختبرات الذكاء الصناعي في شركة أوبر.

وتوقع العلماء أن هناك فرصة بنسبة 50 بالمئة للآلات لكي تصبح قادرة على تولي وظائف الإنسان في غضون 120 عاما. وتثير هذه القضية تساؤلات عديدة حول ما الذي سيفعله البشر في العقود القادمة إذا قضت الآلة على اللمسة الإنسانية أو ما الذي يعنيه وجود الإنسان إذا افتكت منه الآلات هويته في المستقبل؟

ويرجّح البعض من الخبراء ألا يبقى شيء اسمه “مهنة”، يحلم الشخص أو يخطط مند الصغر لأن يعمل فيها عندما يكبر، ما يعني أن الطموح المهني سيكون منصبا بشكل كبير على المهارات الناعمة التي لا يمكن للآلات التحلي بها أو إتقانها مثل البشر.

ومن غير المستبعد أيضا أن يعيد الجيل القادم من الآباء النظر في السؤال المعتاد الذي يطرحونه على أبنائهم منذ الصغر، “ماذا تريد أن تكون؟” كوسيلة لتحديد مستقبلهم المهني، كون تحقيق النجاح الدراسي في مجال ما لن يكون مرادفا للوصول إلى المهنة المنشودة.

ورغم ما تحمله هذه الأخبار السيئة من تشاؤم، إلا أن الخبراء يدعون إلى النظر إليها بموضوعية ووضعها في نصابها الصحيح، وبدء العمل على تهيئة الأطفال وتنويرهم بأفكار ورؤى عن طبيعة المهارات الناعمة المطلوبة، حتى يكونوا قادرين على مجابهة التغيّرات المهنية والتنافس الوظيفي المحموم مستقبلا.

وبدلا من تشجيع الطفل على اختيار مهنة معيّنة، مثل طبيب أو مهندس، ينصح الخبراء الآباء بإكساب أبنائهم مهارات “التعاطف” مع الآخرين، التي ستصبح المحدد الرئيسي لقيمة الموظف في المؤسسة عوضا عن التفكير في المركز الوظيفي الذي قد يصبح شيئا من الماضي.

ووفقا لأحدث الدراسات، فإن مستوى مرتفعا من الذكاء العاطفي يمكن أن يكون عنصرا حاسما في مجموعة واسعة من المهن. والذكاء العاطفي يمكن أن يشير إلى جوانب أكثر موضوعية من الأداء الوظيفي، مثل أداء المبيعات الدولية، ومهارات التفاوض، والقدرة القيادية الشاملة.

ويتضمن الذكاء العاطفي جميع المهارات والإمكانيات التي تتيح للأشخاص تمييز ما يمر به الآخرون من حالات نفسية وعاطفية مختلفة والتفاعل معهم والتجاوب مع مشاعرهم بشكل ملائم.

وهذه المهارات هي جزء حيوي لكنه غير مرئي أبدا في طيف واسع من الوظائف التي قد تكون غير متوقعة، كأن يسأل مثلا نادل في المطعم أحد الزبائن ببشاشة عن أحواله أو عن مدى جودة طعامه، أو كأن يقوم أحد الموظفين في مؤسسة ما بتصحيح خطأ زميل له من دون إعلام المدير فلا يتسبّب في فصله، أو أن يحرص بائع على مراقبة وجه زبونه ليلاحظ مدى اقتناعه بالمنتج.

وتعد المهارات العاطفية مهمة جدا في مجال الرعاية الصحّية، فهناك حاجة ماسّة للمزيد من العاملين مع واقع التقدم في العمر لدى السكان وازدياد الأمراض المزمنة في الكثير من الدول.

وكشفت بيانات منظمة الصحة العالمية أن العالم سيحتاج إلى 40 مليون موظف في القطاع الصحي بحلول عام 2030. ويتضمن هذا الرقم مجموعة كبيرة من الموظفين الذين تتركز كفاءاتهم حول قدرتهم على تقديم الدعم المعنوي للمرضى والتواصل معهم. ويتطلب تعليم الأطفال الصغار أيضا تواصلا بشريا من أجل الانتباه إلى مشاكل تطورهم المحتملة وتطوير مهاراتهم العاطفية والاجتماعية.

الذكاء العاطفي يمكن أن يشير إلى جوانب أكثر موضوعية من الأداء الوظيفي، مثل أداء المبيعات الدولية، ومهارات التفاوض، والقدرة القيادية الشاملة

ويرى جان فيليب ميشيل، الذي يعمل مدربا مهنيا، بمدينة أوتاوا الكندية أن جيل العقد القادم بحاجة إلى التحول من التفكير في الوظائف والمهن إلى التفكير في التحديات والمصاعب المستقبلية، مشددا على أهمية تهيئة الجيل التالي لوظيفة المستقبل، والتي قد تتألف من مهام صغيرة ومتعددة لأصحاب المهارات.

ودعا ميشيل إلى مساعدة المراهقين على التخطيط لما يطلق عليه “محفظة الوظائف”، وهذا النوع من المهن يتكون من أدوار متباينة إلى حد ما، لكنها ستكون أكثر انتشارا خلال العقد القادم.

وأمضى البروفيسور أندرز إريكسون من جامعة ولاية فلوريدا نحو ثلاثين عاما في دراسة الأسباب التي أدت إلى نجاح نخبة تنوّعت بين موسيقيين وجراحين. ويعتقد إريكسون أن طريقة التفكير الصحيحة أهم من التمتع بالإمكانات ويتجلى ذلك في قوله “طالما قيل إن النجاح يعتمد على توافر سمات معينة لا غنى عنها لدى الشخص تسهم في وصوله إلى أفضل أداء، بيد أن هذه المقولة خطأ”.

وتكمن المشكلة في أن معظم المدارس تسعى إلى ترويض طريقة معيّنة للتفكير لدى الطلاب، أي على نحو يرمي إلى قولبة عقولهم، بدلا من توسيع آفاقهم الفكرية وتدريبهم على التفكير المجرد، ليأخذوا التحدي الذي تشكله الآلات على محمل الجد.

12