المها العربية ضيف مبجل في سلطنة عمان

للمها العربية قصة طويلة، فبعد أن كانت تجوب في شبه الجزيرة العربية بأعداد كبيرة، أصبحت الآن نادرة الوجود يهددها الانقراض بسبب الصيد الجائر الذي مورس ضد هذه الحيوانات في القرن الماضي، لذا تضافرت جهود دول المنطقة والمنظمات الدولية والمتحمسين والمخلصين والغيورين على هذا الحيوان للحفاظ على ما تبقى منه ورعايته وإعادته إلى موطنه الأصلي في صحراء شبة الجزيرة العربية. ونجحت سلطنة عمان في إطلاق مشروع إعادة توطين المها في موطنها الأصلي في براري وصحراء محافظة الوسطى.
الثلاثاء 2017/05/30
رشاقة وجمال

مسقط - استوطن حيوان المها العربية، أو ما يعرف عند أهل البادية في سلطنة عمان ودول مجلس التعاون الخليجي بـ“بن سولع” براري وسهول السلطنة منذ قدم التاريخ لما وجده في هذه الأماكن من بيئة رعوية وحياة فطرية تتلاءم مع حياته المعيشية وملاذ آمن للتكاثر.

وتعيش المها العربية في السهول المغطاة بالحصى، والأودية المفتوحة، والكثبان الرملية ومناطق المنخفضات الصخرية. وقد تم تسجيل انتقال المها العربية نحو الكثبان الرملية بعد هطول الأمطار ومن ثم تعود إلى المناطق السهلية خلال فصل الصيف حيث تتوافر مساحات أكبر من الظلال.

وفي الفترة ما قبل السبعينات عمدت فئة من الناس إلى الذهاب إلى البراري موطن المها العربية واصطيادها دون رادع أو شفقة بالحياة الفطرية لعدم وجود قوانين صارمة تمنع اصطيادها في ذلك الوقت مما أدى في بداية السبعينات إلى انقرض حيوان المها العربية من براري السلطنة وسهولها.

المها من الحيوانات التي عرفها الإنسان في شبه الجزيرة العربية، وصاغ حولها الأشعار في مجالي الغزل والوصف

تدخل المنظمات البيئية

من حسن الحظ أن المنظمات البيئية الدولية المعنية بصون الحياة الفطرية آنذاك قامت في مطلع الستينات بإطلاق حملة إمساك المها العربية من البراري حيث تنبأت بانقراضها في حالة عدم التدخل وهو ما حصل بالفعل بعد عشر سنوات تقريبا.

ونجحت الحملة العالمية في الإمساك بعدد 4 رؤوس من المها العربية وإرسالها إلى حديقة حيوانات فينكس بولاية ‏أوريزونا بالولايات المتحدة الأميركية للتكاثر مع القطيع العالمي الذي تم تجميعه من البلدان العربية.

وفي الربع الأخير من سبعينات القرن الماضي أطلقت عمان مشروع إعادة توطين المها العربية في موطنها الأصلي في براري وصحراء محافظة الوسطى في السلطنة، حيث وصلت أول دفعة من قطعان المها العربية عام 1980 وكانت جدة الحراسيس (وادي جعلوني) آنذاك الموقع الذي تم اختياره لمشروع إعادة توطين حيوان المها وإنشاء محمية طبيعية لصونه وقد سميت “بمحمية المها العربية”.

ولا شك أن اختيار موقع المحمية مهم لما تحتويه من سهول وبرار تتناسب مع طبيعة حياة المها وتكاثرها واعتبارها المنطقة الأصلية والطبيعية لانتشارها في السلطنة.

وتوجت كل تلك الجهود التي بذلتها الحكومة في هذا الشأن باعتراف دولي من خلال تسجيل محمية الكائنات الحية والفطرية بمحافظة الوسطى (محمية المها العربية) سابقا بالسلطنة ضمن قائمة التراث العالمي من قبل منظمة يونيسكو، كما أعلنت “محمية المها العربية” حسب مسماها آنذاك عام 1994 كأول محمية طبيعية في السلطنة.

الوعي ومنع الصيد الجائر لحماية بن سولع

حيوان محبوب

قال منصور بن حمد الجهضمي مدير إدارة الشؤون البيئية والمها العربية في عمان “إن المها العربية حيوان أليف يعيش في براري وصحاري السلطنة منذ قديم الأزمنة، ويطلق عليها محليا عدة مسميات منها ‘ابن سولع” وفي بعض الدول العربية ‘الوضيحي’ لكونه أبيض اللون وواضحا للمشاهد من مسافات بعيدة، وهو من الحيوانات العربية التي عرفها الإنسان في شبه الجزيرة العربية، وصاغ حولها الأشعار في مجالي الغزل والوصف وتشبه قصائد الأدب العربي القديم جمال النساء ببعض صفاتها كجمال العينين والرشاقة، وهي منتشرة في السلطنة وعدد من دول شبه الجزيرة العربية كاليمن والسعودية والإمارات وقطر. كما أن لها تواجدا في مصر والأردن”.

تمتاز المها العربية من الظباء المتوسطة الحجم بالتكيف مع العيش في الصحراء، حيث ‏تستطيع أن تستغني عن الماء لفترة طويلة من خلال امتصاصها الندى من الأشجار التي تقتات بها، وتنتقي الكلأ الذي ترعاه، فهي تأكل أنواعا متعددة من الحشائش والأعشاب من خلال قضمها ‏الأعواد الطرية لأشجار السمر والغاف.‏

وتقضي المها أوقات القيلولة تحت ظلال الأشجار أثناء موسم الحر، ولا تخرج للرعي ‏إلا في أوقات البرودة والليل، أما في الشتاء فترعى نهارا وتحتمي خلف الأشجار حين تهب ‏الرياح.

ويساعد الفرو الأبيض الذي يكسو جسم المها على تمويهها تحت ظلال الأشجار بامتزاج ‏اللون مع ما يحيط به، أما حين تبحث عن المها الأخرى أو تود أن تجعل نفسها مرئية فتصعد إلى ‏قمة تل، وبانعكاس ضوء الشمس على الفرو يمكن رؤيتها من مسافة كيلومترات.

وتنتقل المها فرادى أو في قطعان، وتستطيع الترحال إلى مسافات طويلة بخطوات ثابتة وتقطع ما بين 4 و6 كيلومترات في الساعة، وقد تصل مسافة ‏الترحال إلى 74 كيلومترا كل 12 ساعة. وتقوم كبيرة الإناث في القطيع بتحديد مسار الرحلة عبر ‏الصحراء بحثا عن كلأ طري من المراعي. ‏

وتمتاز المها أيضا بالتجاوب مع المعلومات التي تحملها الرياح حول الأمطار، الأمر ‏الذي له أهمية خاصة بالنسبة لبقائها في الصحراء، فهي عادة توسع مدى الرحلة كي تتبع ‏الأمطار وتقطع مسافات طويلة بحثاً عن أفضل ما يتوفر من الكلأ، وغالبا ما تستقر لعدة شهور ‏في منطقة واحدة.

وتلد أنثى المها أول مواليدها في الشهر الثاني والعشرين من عمرها وتلد عادة ‏مولودا واحدا، وفي الغالب تترك المها القطيع قبل أيام من ‏موعد الولادة ويلتحق بها أحد الذكور، وإذا كانت الأم بحالة صحية جيدة فإنها يمكن أن تحمل ‏ثانية بعد عشرة أيام من وضع المولود، ولكن جرت العادة أن تحمل ثانية في غضون ثلاثة أشهر. ويكون لون صغير المها العربي عند الولادة رمليا فاتحا ليتشابه مع لون الأرضية، ومن ثم يتحول تدريجيا إلى اللون البني الفاتح وبعد مرور ثلاثة أشهر تقريبا يبدأ اللون الأبيض في الظهور.

المها تضع أول مواليدها في الشهر الثاني والعشرين من عمرها، وإذا كانت بحالة صحية جيدة فإنها يمكن أن تحمل ‏ثانية بعد 10 أيام

ويحمي صغير المها نفسه من المفترسات في البرية كحيوانات الوشق والثعالب من خلال لونه المتشابه مع لون الأرض المحيطة به ليعطيه نوعا من التمويه وكذلك سلوكياته الحذرة عند الحركة.

وأوضح لوكالة الأنباء العمانية أنه وفي منتصف السبعينات عندما تمت إعادة توطين المها العربية بمحافظة الوسطى واختيار منطقة جعلوني كمركز لانطلاقة مشروع إعادة التوطين، تم بناء حظائر وتجهيزها لتأوي هذا الحيوان.

وفي 1980 أحضرت مجموعة من المها العربية وتم إكثارها لمدة عامين لتتأقلم وتتكاثر وبعد سنتين أطلقت في براري السلطنة.

وكانت أول تجربة فريدة لإعادة توطين المها العربية على مستوى العالم، وهناك منظمات دولية أخذت من التجربة العمانية واستعانت بها في البرامج التي أعدتها لتوطين وصون حيوانات أخرى مهددة بالانقراض.

وقال الجهضمي إنه في ما يتعلق بجهود مكتب حفظ البيئة لصون مفردات الحياة الفطرية في السلطنة فقد بلغ عدد رؤوس المها العربية حاليا ما يزيد على 600 رأس تعيش ضمن حظائر الإكثار بـ”محمية الكائنات الحية والفطرية” مع إعداد خطط لرعايتها وفق برنامج شامل وعناية بيطرية لهذه القطعان خشية إصابتها بأي أمراض معضلة مع ضمان استمرارها في صحة جيدة وتهيئتها لتكون صالحة للعيش في براري السلطنة لمرحلة الإطلاق المستقبلية.

وجنى مكتب حفظ البيئة ثمار ما بذله من جهود وما أعده من برامج هادفة وناجحة حيث توالدت المها العربية وتكاثرت بأعداد كبيرة في البراري والصحاري العمانية بعد أن تم إطلاق أول قطيع منها وهي تجوب حرة طليقة في البراري.

وأكد أن المشروع واجهه عدد من التحديات، منها قيام بعض المواطنين بالسلطنة بممارسة الصيد غير المشروع والجائر حيث تعرضت قطعان المها العربية وهي تنتشر في صحاري وبراري السلطنة للصيد الجائر، مما نتج عنه نقص في أعداد هذه الحيوانات الأليفة.

ولمواجهة هذا النقص قام مكتب حفظ البيئة بإحضار أعداد أخرى من المها العربية إلى حظائر الإكثار بهدف مضاعفة وتكاثر هذه الحيوان في البراري وإعداد برنامج لإكثار المها العربية في الأسر عام 1998 ليكون موازيا للبرنامج السابق وتشديد الرقابة عليها من خلال تعيين مراقبين للحياة البرية يعملون ليل نهار لحراستها خشية تعرضها للصيد غير المشروع، ولقيت هذه الخطوة نجاحا كبيرا ونتجت عنها زيادة أعداد القطعان.

وتمت الاستعانة بالسكان المحليين وتعيينهم كمراقبين للمحمية ‏وحراستها باستمرار، الأمر الذي ساهم بشكل سريع في توقف هذا التعدي على المها.

وأشار إلى أن أهم خطط وأهداف مكتب حفظ البيئة في المستقبل تتمثل في القيام بمرحلة إطلاق المها العربية الأسيرة في ربوع المحمية الكبيرة وإعادتها إلى طبيعتها في مناطق انتشارها حرة طليقة تعيش آمنة دون عوائق بشرية، وفي وضع برامج سياحية لاستقطاب الراغبين من داخل وخارج السلطنة في زيارات استطلاعية دائمة لمحمية المها العربية ومشاهدة الحياة الفطرية داخل السلطنة.

عناية دقيقة بالمها وتكاثرها

زيارة المحمية

بدأ القائمون على السياحة في تنظيم رحلات سياحية مع مرشدين سياحيين إلى المحمية ‏للزوار المهتمين بمشاهدة مختلف أنواع الحياة البرية خاصة المها، إضافة إلى رغبتهم في الاستمتاع ‏بالمناظر الطبيعية الخلابة.

ويوجد حاليا برنامج لمجموعات وأفراد يزورون المحمية بعد حصولهم على تصريح دخول المحمية من المكتب في مسقط ومشاهدة الحياة الفطرية فيها والتعرف على مكوناتها الطبيعية والمناظر الموجودة فيها، كما أن هناك سياحة بيئية متعلقة بالجانب الجيولوجي بمنطقة “الحقف” شرق المحمية.

وأدى إنشاء مركز المعلومات في “جعلوني” القريب من المحمية إلى تزايد أعداد الزوار لها، حيث يوفر هذا المركز معلومات متنوعة وقيمة عن المها ‏وغيرها من الحيوانات البرية التي تتكاثر في المنطقة مما يجعل زيارتها مفيدة خاصة للطلاب ‏المكلفين بإعداد دراسات بيئية في المجال ذاته.

الجدير بالذكر أن محمية “الكائنات الحية والفطرية” بمحافظة الوسطى تشكل أكبر مساحة من بين المحميات في سلطنة عمان، كما أنها تعنى في المقام الأول بإعادة توطين المها العربية والحفاظ عليها وتوجد فيها أنواع مختلفة من الحيوانات البرية كالغزال العربي وغزال الريم والوعل النوبي والثعلب الأحمر والوشق الصحراوي.

وتتميز المحمية بتشكيلات جيولوجية وصخرية نادرة وغطاء نباتي صحراوي يحبذ المها العربي العيش فيه، وهناك حيوانات أخرى تعيش داخل حدود المحمية.

20