المهجرون السوريون بين مطرقة النظام وسندان البلدان المضيفة

الثلاثاء 2013/09/03

يأتي تهجير ملايين السوريين من بيوتهم وأحيائهم، ناهيك عن مئات آلاف الضحايا بين شهيد وجريح ومعتقل، ليؤكد على حجم الكارثة المستمرة التي يتعرض لها الشعب السوري على يد نظامه منذ اندلاع ثورته في أواسط آذار 2011 حتى اليوم.

ينقسم اللاجئون السوريون إلى فئتين. الأولى، بقيت داخل سوريا وهي الأكبر، وتقدر بحوالي 4 مليون. أما الثانية، والتي تقدر بحوالي 2 مليون، فقد اختارت أن تلجأ إلى دول الجوار.

يعاني السوريون في الدول التي نزحوا إليها من ظروف صعبة لا إنسانية، ليس في مخيمات الأردن وتركيا فحسب، بل أيضاً في لبنان، التي قررت ابتداء من 1 أغسطس 2013 منع دخول السوريين إلى أراضيها إلا بوجود حجز فندق أو عقد إيجار منزل أو بطاقة طيران أو معاملة قنصلية بأي سفارة. كذلك مُنع بقاء السوريين ضمن الأراضي اللبنانية لأكثر من 15 يوما متواصلا.

أما بالنسبة للاجئين في مصر، التي كانت ظروف اللجوء فيها هي الأفضل، فقد اتخذت السلطات المصرية أخيراً، أي بعد 30 يونيو 2013، سلسلة من الإجراءات المجحفة بحقهم، على صعيد الإقامات وقدوم لاجئين جدد، ناهيك عن الحملات الإعلامية المغرضة التي يتعرضون لها. لقد أدت ظروف اللجوء الصعبة وسوء المعاملة إلى شعور اللاجئين بالغضب والعتب والألم، لاسيما من أشقائهم العرب، وهم محقون في ذلك. ليس لأن التعامل الإنساني مع اللاجئين هو من أبسط قواعد حقوق الإنسان التي نصت عليها المواثيق الدولية، بل لأن السوريين، لم يقصروا تجاه كل من لجأ إليهم. حيث استضاف الشعب السوري بحب ورحابة صدر وحسن معاملة، أمواجاً من اللاجئين العرب (فلسطينيين وعراقيين ولبنانيين) ومن غير العرب (أرمن وشركس وتركمان).

لا يمكن تناول موضوع اللاجئين السوريين، دون الإشارة لما يثار حول اللاجئات من قصص، تتعلق بتعرضهن لمضايقات وانتهاكات في مخيمات اللجوء، فضلاً عن ظاهرة تزويجهن التي زاد الحديث عنها في الآونة الأخيرة، ووصل الأمر بأحد التحقيقات الصحفية حد تحميل النساء السوريات مسؤولية ارتفاع نسبة العنوسة في مصر. وكانت العديد من وسائل الإعلام (صحف وفضائيات ومواقع الكترونية) قد تناولت ما سمي بظاهرة زواج المصريين من فتيات سوريات، والارتفاع الكبير في عدد هذه الزيجات. وقد كان المجلس القومي للمرأة في مصر هو مصدر المعلومات الرئيسي الذي استندت إليه معظم وسائل الإعلام. فبتاريخ 28 آذار 2013 نشر المجلس على موقعه على الانترنت، مطالبته بوقف ظاهرة زواج المصريين من لاجئات سوريات وعدم استغلال ظروفهن المعيشية السيئة. مشيراً إلى أن هذه الزيجات بلغت 12 ألفا خلال عام واحد، ومعلناً رفضه لهذه الظاهرة، مؤكداً أن ذلك السلوك يمثل اتجارا بالبشر ويعد اعتداء على قيم وحقوق الإنسان وتعارضا مع المواثيق الدولية.

إن إدانة هذه الظاهرة، تعني إدانة جميع أطرافها، السوريين منهم والمصريين. لكن في الوقت الذي نثني فيه على موقف المجلس القومي للمرأة من هذه الظاهرة، وهو موقف بديهي لمنظمة مهامها الدفاع عن حقوق النساء وكشف ما يتعرضن له من انتهاكات، فإننا نميل إلى التشكيك بصحة الأرقام الواردة أعلاه، والتي نظن أن المجلس قد بالغ بها كثيراً، ولم يبذل الجهد المطلوب لتدقيقها.

مهما يكن، ورغم كل ما سبق، فإن واقع اللاجئين السوريين في دول الجوار لا يجب أن يحجب المأساة المضاعفة للسوريين الذين تحولوا إلى لاجئين داخل وطنهم. فمهما ساءت معاملة اللاجئين في دول الجوار، تبقى حقيقة أن حياتهم لم تعد مهددة، وذلك على خلاف المهجرين داخل سوريا، التي لم يعد فيها مكان آمن لأي مواطن. فالخطر يهدد الجميع وضمناً المهجرين الذين هربوا من جحيم القصف والمجازر، إلى جحيم العيش في أماكن لا تتوفر فيها أدنى شروط الحياة الإنسانية. ناهيك عن أنها ليست بمنأى عن طائرات النظام القاتل وصواريخه. لاشك أن السوريين قد أظهروا تعاطفاً كبيراً فيما بينهم، من خلال مبادرة الأهالي والمنظمات المدنية، إلى تقديم كل ما يستطيعون من أجل توفير المستلزمات الأساسية للمهجرين. لكن هناك خطرا حقيقيا يتهدد استمرار ذلك. فهناك أعداد ضخمة من المهجرين، وإمكانيات الهيئات الأهلية محدودة، وهي تتأثر بالأزمة الاقتصادية التي تلقي بظلالها على معظم السوريين. ناهيك عن أن تلك الهيئات، ليست بمنأى عن ممارسات النظام القمعية.

كاتب فلسطيني

9