"المهدي" الذي طال انتظاره في تونس

السبت 2013/12/21
مهدي جمعة.. المهندس الصغير هل يقدر على حل الأزمة

تونس - لم يكن مهدي جمعة، الذي تم التوافق عليه ليكون رئيسا للحكومة، معروفا عند التونسيين بحكم بعده عن الأضواء فضلا عن أن المناصب التي شغلها لم تمهد السبل إليه للظهور والبروز. لكن "المهندس الصغير" جمعة سيملأ اسمه الإعلام المحلي وربما الدولي بعد صعوده المفاجئ إلى هرم السلطة كرئيس لحكومة الكفاءات التي ستحل محل حكومة النهضة التي يقودها علي العريض.

فقد تحصل مهدي جمعة على أغلبية الأصوات في عملية التصويت بعد أن صوتت 9 أحزاب تونسية لصالحه من بين 12 صوتا، بينما اكتفت أحزاب رئيسية بالانسحاب من عملية التصويت.

المهندس غير المتمرس بعالم السياسة وضعيف الخبرة بفنونها ومناوراتها سيجد نفسه أمام ملفات متعددة استعصت على الحكومات الثلاث التي تعاقبت على تونس بعد ثورة 14 يناير.

إضافة إلى تلك الملفات، فإن المعارضة التي تتوجس خيفة من المهندس الصغير بحكم ما راج من حديث حوله وحول قربه من حركة النهضة، قالت إنها ستحدد موقفها النهائي من الحكومة المنتظرة من خلال الأسماء التي سيؤثث بها حكومته ومن خلال مدى التزامه بخارطة الطريق التي حددها الرباعي الراعي للحوار، وأهمها وقف التعيينات التي أغرقت بها النهضة المؤسسات التابعة للدولة في سياق خطتها لـ"أخونة الدولة".

جمعة الداخل إلى عالم السياسة من الباب الكبير لا يجب أن يطيل فترة الانتشاء بمنصبه الجديد ولا تغريه الأغلبية التي تحصل عليها في التصويت لأن الواقع الذي ينتظره ليس كما يعتقد وربما أكبر من تصوراته.


تكنوقراط إلى حد النخاع

ولد المهندس مهدي جمعة في 21 من أبريل من عام 1962 في مدينة المهدية، الواقعة على الساحل الشرقي التونسي، وهو متزوج وأب لخمسة أطفال.

حصل على شهادة مهندس أول سنة 1988 من المدرسة الوطنية للمهندسين في تونس العاصمة، وبعدها بعام نال شهادة الدراسات العليا في الميكانيك والتصميم، وتخصص في مجال التكوين على تطوير المؤهلات العلمية في الأعمال والتدريب في مخطط الأعمال والاستراتيجية والتسويق.

وشغل جمعة مناصب عدة في مجال تخصصه، إذ تولى بين 1990 و 2003 خطة مسؤول مكتب دراسات في مجال الطيران والسكك الحديدية والصناعة، وخلال سنتي 2003 – 2004 اشتغل مديرا فنيا بشركة "بوليسترا وفيبراشوك"، وبين 2004 و2009 عيّن مديرا فنيا بشركة "هوتشينسون"، وهو فرع من المجموعة الفرنسية العملاقة توتال، المرتبطة بالصناعات الفضائية.

ولم يكن لمهدي جمعة أي نشاط سياسي قبل تعيينه وزيرا للصناعة في حكومة علي العريض، وعلى ما يبدو، تمكن بعمله من أن يُقنع مؤيديه بأنه قادر أن يقود حكومة تكنوقراط باستقلالية وأهلية تامة.

تميّز جمعة خلال فترة توليه منصب وزير الصناعة بعدم المشاركة في المعارك السياسية التي خاضتها الطبقة السياسية وعلى كل المستويات، حيث لم يدل بأي تعليق أو تصريح سياسي، واكتفى بالحديث عن مجال اختصاصه في تصريحاته العلنية، كما لم ينشط جمعة سياسيا في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

وفي ظل الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي تعيشها تونس منذ أشهر، سعى جمعة لدى الشركات وأصحاب القرار الأوروبيين للحصول على استثمارات جديدة من أجل المساعدة على إعادة بناء الاقتصاد التونسي.

وقد عبّر كوزير للصناعة عن تأييده لإصلاحات لا تلقى شعبية في تونس وتتعلق خصوصا بزيادة أسعار المحروقات في 2014 وهو إجراء بُرّر بالنفقات الكبيرة التي تدفعها الدولة لدعم المواد، حسب السلطات وعدد من المنظمات بينها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

جمعة الداخل إلى عالم السياسة من الباب الكبير لا يجب أن يطيل فترة الانتشاء بمنصبه الجديد ولا تغريه الأغلبية التي تحصل عليها في التصويت، لأن الواقع الذي ينتظره ليس كما يعتقد

مهدي جمعة من الذين يعملون في صمت وهدوء بعيدا عن الأضواء، وفي إحدى المناسبات وقعت له طُرفة مفادها أنه خلال تظاهرة اقتصادية انتظمت بمقر منظمة الأعراف سألته صحفية عن مهدي جمعة وزير الصناعة وهي لا تعرفه فقال لها إنه لا يعرفه للتنصل من التصريحات الصحفية.

أما الجانب الآخر والقوي في شخصية رئيس الحكومة الجديد أنه من بين الوزراء القلائل في حكومة علي العريض منْ تمكن من إقالة مسؤولين في وزارة الصناعة عيّنتهم حركة النهضة وبالتحديد وزير الصناعة السابق النهضاوي الأمين الشخاري، بعد أن خبر عدم كفاءتهم.

وتتمثل أبرز حالات الإقالة في إعفاء الرئيس المدير العام السابق للشركة التونسية للكهرباء والغاز (الستاغ) الطاهر العريبي وتعويضه بمدير عام الطاقة رشيد بن دالي إلى جانب إعفائه للرئيس المدير العام لشركة فسفاط قفصة وتعويضه بمسؤول أكثر كفاءة وابن الميدان وابن الجهة والعارف بخبايا الأمور في القطاع.

كما شرع الوزير في إصلاح منظومة الدعم في قطاع الطاقة وأول الإجراءات كان إلغاء الدعم عن مؤسسات الإسمنت والمؤسسات المهدرة للطاقة والحرص على عدم المساس بالشرائح الاجتماعية عند إصلاح منظومة الدعم.

وربما تصعّب قلة خبرة رئيس الحكومة الجديد في مجال السياسة الأمنية، من مهمته في قيادة الحكومة، خاصة في الوقت الذي يحتدم فيه الصراع السياسي والعسكري مع الجماعة المتشددة خاصة جماعة “أنصار الشريعة”.

موقف المعارضة وصعوبة المهمة

وإضافة إلى العديد من الملفات التي تنتظر جمعة فإن هناك نوعا من الرفض لصعوده المفاجئ وذاك من المتوقع أن يمثل عائقا له في إطار المهام التي سينجزها.

من ذلك أن حزب نداء تونس (أكبر الأحزاب المعارضة)، اعتبر على لسان رئيسه الباجي قائد السبسي أن الحوار حاد عن أهدافه، وأن ما تم لا يعدو أن يكون سوى انحراف عـن مسار الحوار الوطني الذي بني منذ البداية على التوافق.

ورأى أن ترشيح جمعة لم يكن وفق مبدأ التوافق الذي حرصت عليه المعارضة وأكدت على ضرورة أن يكون الآلية للخروج من المأزق السياسي. كما عبّر المتحدث الرسمي باسم الحزب الجمهوري عصام الشابي، عن رفض حزبه تكليف وزير من وزراء الترويكا على رأس الحكومة الجديدة.

بالتوازي، أكد قياديون آخرون أن الأحزاب التي صوتت لجمعة، هي نفسها تقريبا التي صوتت لمنح الثقة لحكومة الترويكا، معتبرين أن الخيار ليس توافقيا، بل ستكون حكومة "الترويكا 3". في حين كانت الجبهة الشعبية التي تضم مجموعات من اليسار الراديكالي، أشدّ الرافضين لاختيار وزير الصناعة، بحسب ما أعلن المتحدث الرسمي باسم الجبهة حمة الهمامي. واعتبر الهمامي أن تعيين وزير من حكومة علي العريض على رأس الحكومة المرتقبة بعد تأييد تسعة أحزاب من جملة 19 حزبا مشاركا في جلسة الحوار الوطني، عملية مغشوشة ولا تبعث برسالة إيجابية.

كما ذهب رئيس الحزب الشعبي التقدمي المعارض هشام حسني، إلى أن عملية التصويت كانت آلية مسقطة استعملت لإجبار المعارضة على قبول أحد مرشحي النهضة. وأضاف أن المعارضة ارتأت ذلك مراعاة لمصلحة البلاد، خاصّة في ظل الظروف التي تمر بها حاليّا وعدم الاعتراض على مرشّح النهضة، حتى لا يعلن فشل الحوار الوطني.

وأشار حسني إلى أن المعارضة قرّرت عدم دعم الحكومة الجديدة باعتبارها استمرارية للحكومة الحالية، بما أن جمعة أحد وزرائها وينتمي إلى منظومتها، إلا أننا لن نعطّلها، وسنراقب مدى التزامها بخريطة الطريق ومبادرة الرباعي، خاصة في ما يخص تركيبتها المستقلة ومراجعة التعيينات التي تمت على خلفية الولاءات الحزبية.

لكن بالرغم من مواقف المعارضة من رئيس الحكومة الجديد، فإن الرجل عاقد العزم على العمل من أجل تجاوز العديد من الصعوبات التي تمثلها القضايا والمشاكل المطروحة منذ الثورة. تلك الصعوبات تتمثل خاصة في هشاشة الوضع الاقتصادي وعزوف رجال الأعمال عن الاستثمار وغلق العديد من المؤسسات الأجنبية، كما أن الدينار التونسي يشهد تراجعا ملحوظا في قيمته.

كذلك شأن الوضع الاجتماعي الذي يعرف العديد من المشاكل متمثلة في انتشار الفقر وغلاء المعيشة وغياب الأمن والفوضى وعدم احترام القانون.

وكان الإرهاب الذي برز في المشهد التونسي نتيجة تراخي قبضة الدولة والإرباك السياسي الحاصل، شكّل معضلة أخرى ساهمت في تعقد الوضع الاجتماعي وخوف التونسيين على أمنهم. كما أن الحالة النفسية للتونسي ازادت توترا وقلقا نظرا للأفق الذي تراءى له مظلما ومجهول العواقب ويعجز عن التنبؤ بمستقبله.

محطات من حياته
* تاريخ الولادة : 21 من أبريل من عام 1962.

* 1988 حصوله على شهادة مهندس أول.

* بين 1990 و2003 تولى خطة مسؤول مكتب دراسات في مجال الطيران والسكك الحديدية والصناعة.

* بين سنتي 2003 و2004 اشتغل مديرا فنيا بشركة بوليسترا وفيبراشوك.

* بين 2004 و2009 عيّن مديرا فنيا بشركة هوتشينسون.

هذه بعض من الصعوبات التي ستواجه مهدي جمعة والتي تنامت في المجتمع التونسي بعد الثورة وعليه أن يدرك حجم الترسبات التي تركتها في الواقع لكي يسهل عليه إيجاد الحلول الممكنة لها.

ويذهب مراقبون إلى أن جمعة لن يقدر على تجاوز مخلفات حكومة الترويكا ما لم يستعن بطاقم من الكفاءات، أصحاب الخبرات، كل في اختصاصه ليسهل عليهم ضخ دماء جديد في شريان الاقتصاد المتهاوي وإعادة ترتيب الأولويات الحكومية من حيث اعتماد التمويل والبرامج ذات الجدوى.

الانتظارات والتوجهات

على الرغم من التطمينات التي صدح بها مهدي جمعة على إثر لقائه رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر من كونه سيعمل على أن تضم حكومته الجديدة وزراء يتمتعون بالاستقلالية والكفاءة وبأنه سيلتزم بخارطة الطريق لأن كل ما يحدث اليوم هو من إفرازات الحوار الوطني، إلا أن المعارضة والتونسيين الذين انتظروا كثيرا هذا الانفراج السياسي لن يهتموا كثيرا بالوعود والكلام قبل أن يروا ذلك يتحقق على أرض الواقع.

من ذلك تأكيد الأمين العام لاتحاد الشغل حسين العباسي على أن الحكومة التي يتوقع أن يشكلها مهدي جمعة ينبغي أن تكون حكومة كفاءات تلتزم الحياد تجاه كل الأطراف. وسيكون عليها معالجة الملفات الاقتصادية والأمنية ومكافحة الإرهاب الذي يتعيّن عليها التصدي له. وبالإضافة إلى تشكيل حكومة، تنص الخار طة على إقرار مشروع الدستور، وتحديد موعد الانتخابات بعد تشكيل هيئة مستقلة للإشراف عليها.

كثيرة هي الانتظارات التي يترقبها المجتمع التونسي من المهدي جمعة الذي وجب عليه أن يقدم مع الفريق الحكومي الذي سيعمل معه خلال الفترة الانتقالية بعضا من التفاؤل والأمل للذين باتوا ينظرون إلى المستقبل بأعين متشائمة.

وأول تلك الانتظارات هو أن تتمكن حكومة جمعة من ضخ دماء جديدة في الاقتصاد التونسي تخرجه من حالة الركود التي تردى فيها بعد أن عجزت حكومة الترويكا على تحقيق تطلعات الشعب التونسي الطامح إلى حياة أفضل بعد الثورة التي أنجزها إلا أن الأحوال ازدادت سوءا مما يصعّب الأمر على المهندس الصغير. وضخ الدماء الجديدة يتطلب القيام بمجهودات جبّارة تتمكن من خلق مناخ جديد يكون جالبا للاستثمار ومهيّئا الظروف لاستقطاب رجال الأعمال لبعث مشاريع جديدة والعمل على فتح الشركات التي أغلقت بسبب الوضع الأمني أو بسبب مطالب العمال التي لم تقدر على تلبيتها.

أما الملف الآخر المرتبط آليا بالملف الاقتصادي، وهو توفير مواطن العمل لآلاف من الشباب الذين بنوا أحلامهم على مجلوبات الثورة ورسموا مسارات جديدة فتحت لهم أبواب من الأمل والتفاؤل بمستقبل جدير بما أنجزوه، إلا أن أمانيهم وأحلامهم الصغيرة تلاشت بعد ثلاث سنوات من ثورة الكرامة والحرية وعجزت الحكومات الثلاث المتعاقبة على تحقيق طموحاتهم.

ورغم أن ملف التشغيل هو من الملفات التي تؤرق حتى المجتمعات المتقدمة، فإن على حكومة جمعة أن تساير هذه الرغبة الشبابية الصاعدة التي تريد عملا يضمن لها حدا أدنى من الكرامة ولقمة العيش الكريم.

إضافة إلى هذين الملفين فإن على الحكومة الجديدة أن تعالج بكل صرامة ملف الإرهاب هذه الآفة الغريبة عن المجتمع التونسي وعن ثقافته وعمقه الحضاري، ويدرك جمعة خطورة الظاهرة على المجتمع خاصة عندما تصبح ظاهرة الإرهاب تهدد التونسيين في أمنهم وفي استقرارهم وفي تنقلاتهم وفي نمط حياتهم.

صعوبات كثيرة إذن في طريق رئيس الحكومة التونسية الجديدة وانتظارات متعددة يترقبها قطاع واسع من التونسيين وهي تركة ثقيلة في مجملها، فهل يقدر جمعة على حملها وإخراج تونس من أعقد أزمة سياسية عرفتها؟.

14