المهدي المنجرة.. المثقف العضوي الذي يستشرف المستقبل

الجمعة 2013/10/04
عالم المستقبليات صوت مغربي دافع عن حق العالم العربي

كثيرون هم المفكرون والمثقفون الذين أنجبتهم أرض المغرب المعطاء والذين كانت لهم صولات وجولات في عالم الفكر والفلسفة، وساهموا بمجهوداتهم الفكرية والنظرية الجبارة في تأثيث الساحة الثقافية العربية والعالمية، بما أنتجوه من كتب عالجت العديد من الإشكالات وطرحت جملة من الحلول واستشرفت المستقبل القريب والبعيد.

فمحمد عابد الجابري وطه عبد الرحمان مثلا يمثلان تيارا فكريا حرك سواكن العقل العربي بما أثاره من أسئلة أربكت العقول الجامدة وفتحت مسارات مغايرة في التفكير وفي البحث. لكننا ارتأينا أن نعود إلى علم آخر من أعلام الفكر والثقافة المغربية الذي يرقد الآن على فراش المرض وهو عالم المستقبليات المهدي المنجرة الذي ساهم بدوره في المشهد الفكري والثقافي المغربي والعالمي بما ألفه من كتب وبما ألقاه من محاضرات.

وهو مثقف ومفكر، يعتبر من أكبر المراجع العربية والدولية في القضايا السياسية والعلاقات الدوليـــة والدراسات المستقبليــة. حاز على أكثر من جائزة في أكثر من بلد، جال كثيرا في دهاليز المنظمات الدولية وبلغ بداخلها أسمى المناصب وندد بمواقفها في قضايا الحاضر والمستقبل، على المستوى العربي والدولي.

وكان الصوت المغربي الذي دافع عن حق العالم العربي في النهوض والتطور لأنه يملك كل المقومات التي تحقق ذلك. وبسبب غزارة إنتاجه الفكري والمعرفي وما يمثله المنجرة في الساحة الدولية عدنا للتعرف أكثر على تفاصيل من حياته وأهم القضايا والأفكار التي طرحها.

كثيرة هي الأحداث التي مر عليها المنجرة في حياته، لكنها لم تجعل خياراته الفكرية تعرف التراجع أو التعديل، الشيء الذي يدعو إلى الاستغراب وإلى البحث في بدايات هذه الشخصية وكيف تشكلت وما هي الأنساق الفكرية والحضارية التي أثرت في تكوينها.

فمن يكون المنجرة؟

ولد المهدي المنجرة بالرباط عاصمة المغرب الأقصى يوم 13 مارس 1933، درس بمدرسة ديكارت بالعاصمة الإدارية الرباط، وهي من أعرق المدارس الفرنسية بالمغرب.
أتم دراسته الجامعية بالولايات المتحدة الأميركية، عمل مستشارا وعضوا في العديد من المنظمات والأكاديميات الدولية، ساهم في تأسيس أول أكاديمية لعلم المستقبليات، وترأس خلال أربعين سنة أكبر معهد للأبحاث المستقبلية والاستراتيجية في العالم، ويعتبر أكبر خبير مستقبليات على مستوى العالم.

تولى عمادة الجامعات اليابانية في التسعينات، وتولى رئاسة لجان وضع مخططات تعليمية لعدة دول أوروبية. اشتهر بكونه المؤلف الذي نفدت طبعة كتاب له في اليوم الأول من صدورها، واعتبرت كتبه الأكثر مبيعا في فرنسا ما بين 1980 و1990.

المنجرة يؤلف في القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية، ويهتم بالخصوص بقضايا الحقوق والعولمة والقيم والاستراتيجية والتنمية وثنائية التطور والتخلف ويتقن عدة لغات ويؤلف بالعربية والفرنسية والإنكليزية واليابانية.

والده محمد المنجرة كان مهتما بالعلوم المستقبلية وأسس في سنة 1924 نادي الطيران، وهو أول نادي عربي مختص في الطيران وحسب الدكتور المهدي المنجرة فقد طار على متن الطائرات مسافات مجموعها 5 ملايين كلمتر، ويقول "وبهذا أكون قد أمضيت معظم عمري طائرا".

غير أن ميولاته السياسية والاجتماعية دفعته إلى المزاوجة بين دراسته العلمية من جهة، والعلوم الاجتماعية والسياسية من جهة ثانية، وفتحت إقامته بأميركا عينيه على العمل الوطني والقومي. ومن هذا المنطلق كان انشغاله بمكتب الجزائر والمغرب بالأمم المتحدة، كما تحمل رئاسة رابطة الطلاب العرب.

و كان أحد مؤسسي النادي الشرقي وعضوا في جمعية من أجل عالم جديد، كل هذه الدينامية والحيوية كانت توحي بأن المهدي المنجرة سيكون له شأن عظيم في المستقبل. في سنة 1954 غادر أميركا متجها إلى إنكلترا لمتابعة دراسته العليا بـجامعة لندن الاقتصادية والعلوم السياسية، حيث قدم أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه حول موضوع "الجامعة العربية".

وفي سنة 1957 عاد إلى المغرب ليعمل أستاذا بكلية الحقوق فتولى في هذه الفترة إدارة مؤسّسة الإذاعة المغربية، في سنة 1962 عينه "روني ماهو" المدير العام لليونسكو آنداك المدير العام لديوانه.

سنة 1970 عمل بكلية العلوم الاقتصادية بلندن أستاذا محاضرا وباحثا في الدراسات الدولية، وبين سنتي 1975 و 1976 تولى مهمة المستشار الخاص للمدير العام لليونسكو. كل تلك التنقلات بين عدة دول عالمية وكذلك المهام التي تقلدها ساهمت في إثراء تكوين الرجل ليكون حاملا لفكر قادر على استيعاب الظواهر وتحليلها التحليل المؤسس على رؤى ومقاربات جادة.

وكانت أفكاره مثار نقاش وجدل لدى النخب المثقفة لما طرحته من قضايا تمس الواقع العربي وتبحث عن سبل النهوض والتنمية من خلال تقديم تصورات مستقبلية لبعض الحلول ودراسة بعض النماذج.

أهم القضايا التي طرحها

العديد من الكتب والمحاضرات التي حاول فيها المهدي المنجرة أن يبين عن أهم ما توصل إليه فكره ودراسته العميقة للواقع الغربي والواقع العربي الإسلامي، ليخلق جملة من المقارنات وليصل إلى محاولة علاج أسباب تخلف مجتمعات العالم الثالث، وكان عالم المستقبليات قد تنبأ بالعديد من الأحداث والوقائع التي حصلت فعلا في الواقع.

ومن أهم الأفكار والأراء التي طرحها المنجرة في مسألة التنمية، تأكيده على أن هناك ثلاثة عوامل تساعد المجتمعات على تحقيق التنمية وهي محو الأمية، وحماية اللغة والبحث العلمي.

ويذهب إلى أن العرب لن يكونوا قوة لها وزنها في المجتمع وقادرة على التأثير في القرار الدولي إلا إذا توحدوا، وتلاحمت القيادة والشارع العربيين، عبر المشاركة الشعبية والديمقراطية الفعالة، وعبر احترام القيم والحريات والتمسك بالهوية، وعبر الاهتمام بالعنصر البشري والبحث العلمي وتشجيع الإبداع والخلق والاعتماد على الذات والكفاءات المحلية. ويعتقد المنجرة أن تلك المؤشرات ما تزال ضعيفة ولم تكتمل ملامحها في المجتمع العربي الحالي.

ونظرا لتكريس المنجرة جانبا كبيرا من اهتماماته بالدراسات المستقبلية فإن فكره كان ينظر الى المدى الممكن الذي يمكن لقضاياه أن تحل وتجد طريقها للتنفيذ. وكان يأمل كذلك أن تجد الدراسات التي ينجزها طريقها إلى العالم العربي لذلك ركز على أهمية حفظ حقوق الناس وكراماتهم وتفعيل سيرورة الخلق والإبداع في المجال الفني والثقافي والاجتماعي.

المهدي المنجرة له مكانته وهيبته الفكرية والعلمية و كما يقول الأستاذ يحي اليحياوي، "لم يعد شخصا ذاتيا عاديا، بقدر ما هو مؤسسة علمية لها أتباع عبر العالم، لها صداها العالمي الواسع. كما يرى فيه عدد من المهتمين بالفكر المثقف العالمي، الجامعي والمؤلف الواسع الآفاق".

وبخصوص المستقبليات يرى المنجرة أن المستقبليات ليست تنبؤا، لأنه لا وجود للتنبؤ عند البشر. والتنبؤ كان لخاتم الرسل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.وإنما يقوم الإنسان بمعاينة وتتبع ودراسة تيارات الذات وتوجهات الأحداث ويحاول النظر في مداها البعيد وإلى حيث هي سائرة.

ويذهب إلى أنه للوقوف على معنى الرؤية المستقبلية يمكن الاستعانة بما كان يسميه الرسول صلى الله عليه وسلم بالاستبصار، والاستبصار في اللغة العربية هي الطريقة التي نرى بها الأمور. وكان النبي يستبصر كل صباح وهذا نوع من الديناميكية.

وفي هذا الصدد يقول الدكتور المهدي المنجرة "إن المستقبلي غير الجيد لا يفكر إلا في المدة التي سيعيشها لأنه لا يهمه ماذا سيقع بعده، أما المستقبلي الجيد هو الذي يفكر على مدى هو على يقين تام أنه سوف لن يراه ويعاينه ولن يكون فيه على قيد الحياة، وبذلك فإن مصالحه الخاصة لم تعد مرتبطة بآرائه، بل تكون حرة ومتحررة من أية مصلحة كيفما كانت".

أما رأيه في العولمة فقد وجه إليها سهام النقد واعتبرها شكلا من أشكال جديدة تكرس الهيمنة والتبعية وتحاول تنميط الثقافات والأفكار. ويعتبر المنجرة من مناهضي العولمة الكبار، ليس لأنها تجسد وتكرس أشكالا جديدة من الاستعمار ومنطق الفكر الواحد والوحيد، ولكن أيضا لأنها سبيل من سبل إقصاء وتهميش الدول والشعوب والثقافات الأخرى ما دامت هي قائمة بالأساس على اغتيال الحق في الاختلاف والحق في التميز، وبذلك تقتل الحوار والتواصل كقيمة جوهرية.

العولمة بالنسبة له هي الأمركة، وهي مرتبطة بالأخلاق قبل ارتباطها بالاقتصاد، إنها تسعى إلى شل أدنى حركة تفكير لدى الشعوب وبالتالي جعلهم يفكرون بمنطق الغرب ويتبعون نمطه في الحياة.

ويرى المنجرة أن الاستعمار كان سببا من أسباب تخلف الشعوب وأنه لايزال إلى الآن يمارس نوعا من الاستعمار الثقافي الذي يعده عالم المستقبليات من أخطر أنواع الاستعمار.كما يذهب إلى أنه لا يوجد مستعمِرون دون أن يكون هناك من هم قابلون للاستعمار، وأن المشكل يكمن في الثقافة ذاتها التي تبدو ذات تأثير أقوى من تأثير العامل السياسي أو الاقتصادي أو العسكري.. إلخ.

والعمل الذي يستوجب على الشعوب القيام به هو العمل على التخلص من الاستعمار الثقافي أولا. وقد دافع المنجرة على هذا التصور وهذه الفكرة التي ارتكزت عليها في كثير من محاضراته، فالحسم في الاستعمار الثقافي هو نقطة البداية الفعلية في وضع القدم في طريق النهوض والتنمية.

وتلك ممارسة نقدية لابد منها للتمكن من تكريس البعد الحضاري الخاص والعمل على بلورة مواصفات خاصة للهوية الذاتية التي لا تحكمها آليات ثقافية خارجية هي طبعا آليات استعمارية.

وقد طرح المنجرة في مصنفه "الحرب الحضارية الأولى" إشكاليات التي يطرحها الصراع الحضاري وما يقتضيه التنافس بين الحضارات والثقافات ويكون بذلك قد سبق صمويل هنتغتون الذي شغل الناس بحديثه عن صدام الحضارات ووجد صدى كبيرا لأفكاره.

لقد كان عالم المستقبليات المغربي سباقا في طرح الكثير من القضايا التي تشغل العالم وتحديدا العالم العربي والاسلامي، وذلك يرجع الى قدرة هذا الرجل على فهم الواقع وتحليله بجملة من الآليات ومن ثمة القدرة على بلورة تصورات وحلول لأهم الإشكالات التي تعيق المجتمعات النامية لتضع قدما في سلم التطور والرقي.


المنوال الياباني

أهم المؤلفات والمحطات والمناصب

* الكتب :

- نظام الأمم المتحدة: تحليل 1973.

- من المهد إلى اللحد. ط 1، القاهرة، 1981، ط 3 النجاح الجديدة الدار البيضاء، 2003.

- الحرب الحضارية الأولى. منشورات العيون، الرباط، 1991، ط. 7، النجاح الجديدة.

- القدس العربي، رمز وذاكرة، ط 1. مطبعة وليلي، مراكش، 1996، ط 3 النجاح الجديدة، الرباط 2002.

- حوار التواصل، منشورات شراع، طنجة؛ 1996، ط 10، مطبعة النجاح الجديدة.

- الدار البيضاء. 2004.

- عولمة العولمة.منشورات الزمان 1999.

- انتفاضات في زمن الديمقراطية.منشورات البوكيلي، القنيطرة 2002.

- الإهانة في عهد الميغاإمبريالية.2004. ط 2، 2005 مطبعة النجاح الجديدة.

– الدار البيضاء.

- قيمة القيم.، ط 1، 2007، ط 2 2007، مطبعة النجاح الجديدة

– الدار البيضاء.

* المحطات الدراسية:

- ذهابه للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة دراسته 1948.

- التحاقه بجامعة كورنيل مابين 1950-1954.

- حصوله على الإجازة في العلوم السياسية.

- حصوله على الدكتوراه في العلوم الاقتصادية والعلاقات الدولية.

* المناصب:

- أول أستاذ مغربي جامعي درس بجامعة محمد الخامس.

- أول مدير عام للإذاعة والتلفزة المغربية.

- شغل عدة مناصب كبرى بمنظمة اليونيسكو من 1961-1976

- شغل عدة مناصب مهمة في هيئة الأمم المتحدة منها خبير للهيئة للمعوقين.


من خلال جل محاضراته وكتبه التي أثث بها الساحة الفكرية والثقافية العربية والعالمية، كان المنجرة يحاول أن يرسي نموذجا في طرق التعامل مع الإشكالات التنموية التي تهدد مستقبل الشعوب والأجيال، ويطمح إلى تعريف العديد من التجارب التي تمكنت من تحقيق تنمية.

ويرى المنجرة أن الشعوب العربية يمكنها الاستفادة من التجربة اليابانية على اعتبار أنه يعرف البلد وعاين منجزاته عن قرب كما تولى عمادة الجامعات اليابانية في التسعينات.

فبالنسبة للمنجرة فإن التجربة اليابانية انطلقت من أربعة محاور: الارتباط والانطلاق من القيم اليابانية، ومحو الأمية، والنهوض باللغة اليابانية، ودعم البحث العلمي.

الارتباط والانطلاق من القيم يعتبر مهما عند المنجرة إذ لا يمكن لأمة أن تنهض إذا لم تدافع عن قيمها وتتمسك بها وتحاول المحافظة عليها من كل طرق الاستلاب والتهميش والاندثار.

فالمجتمعات التي لا قيم لها لا يمكن أن تكون فاعلة في الآخرين لأنها لن تكون لها أي خصوصيات تميزها.أما محو الأمية فهو سبيل إلى القضاء على الجهل إذ أن كل الشعوب التي تطمح للفعل وللتأثير الخارجي لا بد أن تكون متعلمة وتتقن القراءة والكتابة التي هي المدخل للعلم والمعرفة وهما الركيزتان الأساسيتان للتقدم والنهوض. وبخصوص اللغة فهي الوعاء الحاضن للهوية والضامن للاستمرارها، وهي التي تمكن من نشر ثقافة تلك الشعوب وقيمها وحضارتها. وهي التي ستمكن من دعم البحث العلمي الذي سيكون عبر قدرتها على استيعاب المفاهيم والمصطلحات التي تستعمل في الحقل العلمي والمعرفي. فالبحث العلمي يعد من أهم القطاعات التي تستثمر فيه الدول الطامحة لإحداث تقدم وتطور ينعكس على حياة الأفراد والمجتمعات.

ويرى المنجرة أن تلاحم تلك المحاور وتناسقها هي التي ستمكن الدول النامية من مجابهة كل الصعاب والعراقيل والمجابهة في نظره تبقى مسألة إرادة بالدرجة الأولى، إرادة الوجود والفعل أو إرادة الرضوخ والانصياع والعيش عالة على مستجدات العولمة ومنجزاتها.

ومع أن المنجرة لا يقدس المنوال الياباني في التنمية، لكنه يعتبره، من أبرز المنوالات التي اجتهدت كثيرا في التوفيق بين تحقيق نهضة حضارية، دون أن تفرط في ثوابت الهوية والذات، والحقيقة أن التجربة اليابانية وما حققته من تطور على المستوى الاقتصادي والعلمي تبقى من التجارب الرائدة في التنمية والتحديث.

قام المنجرة بطرح العديد من الإشكاليات والقضايا التي تمس المجتمعات العربية ونظر إلى إمكانات مستقبلية يجب الانتباه إليها وأخذها يعين الاعتبار، لكن العديد من النقاد يطرحون سؤالا مهما هل يمكن لأفكار المنجرة ورؤاه أن تجد سبيلها إلى الواقع العربي في ظل هيمنة غربية ما تزال تمارس نفوذها وتبسط عولمتها الجارفة؟

12